شرح حديث: أنا الله خلقت العباد بعلمي

٦ فقرات، ج ١ ص ٧٣

  1. ...

    ج ١ ص ٧٣
  2. ٥٤- "أنا الله، خلقت العباد بعلمي، فمن أردت به خيرًا؛ منحته خُلُقًا حسنًا، ومن أردت به سوءًا؛ منحته خلقًا سيئًا" ١. رواه أبو الشيخ عن ابن عمر.

  3. ش- الخُلق- بضم الخاء المعجمة، وضم اللام-: السجية، والعادة، والطبيعة، والدين، والمروءة، وجمعه: أخلاق. قال صاحب النهاية: وحقيقته: أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه، وأوصافها، ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة، وأوصافها، ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة. والثواب، والعقاب مما يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولذا تكررت الأحاديث في مدح حُسن الخلق في غير موضع، كقوله صلى الله عليه وسلم: "أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق" ٢ وقوله: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" ٣ وقوله: "إن العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم، القائم" ٤ وقوله: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ٥ وأحاديث من هذا النوع كثيرة. وكذلك جاء في ذم سوء الخلق أحاديث كثيرة، وفي حديث عائشة: "كان صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن" ٦ أي: كان متمسكًا

    ج ١ ص ٧٤بآدابه، وأوامره، ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم، والمحاسن، والألطاف، وفي حديث عمر: من تخلَّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله. أي: تكلف أن يظهر من خلقه خلاف ما ينطوي عليه، مثل: تصنع، وتجمل: إذا أظهر الصنيع، والجميل.

  4. وقد رُوي عن السلف في تفسير حسن الخلق أقوال نسأل الله تعالى أن يكمل أخلاقنا به، رُوي عن الحسن أنه قال: حسن الخلق: الكرم، والبذلة، والاحتمال. وعن الشعبي١ قال: حُسن الخلق: البذلة. والعطية. والبشر الحسن. وكان الشعبي رضي الله عنه كذلك، وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى، وسُئِل سلام بن أبي مطيع٢ عن حسن الخلق، فأنشد شعرًا:

    تراه إذا ما جئته متهللًا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائلهُ

    ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائلُه

    هو البحرُ من أي النواحي أتيته ... فلُجَّتُه المعروف والجود ساحلُه

    وقال الإمام أحمد: حُسن الخلق ألا تغضب، ولا تحقد، وعنه: أنه قال: حسن الخلق أن تحتمل ما يكون من الناس، وقال إسحاق بن راهوية٣: هو بسط الوجه،

    ج ١ ص ٧٥وألا تغضب، ونحو ذلك، قال محمد بن نصر١: وقال بعض أهل العلم: حُسن الخلق: كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة، والبشر إلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزَّالين إلا تأديبًا، وإقامة الحد، وكف الأذى عن كل مسلم ومعاهد إلا تغيير، منكر وأخذًا بمظلمة المظلوم من غير تعد.

  5. وقوله: "منحته" أي: أعطيته، والمعنى أن الله جل جلاله يخبرنا: أنه تعالى خلق الخلق بعلمه، لا يعزُب عن علمه شيء -في السموات ولا في الأرض- فمن أراد به خيرًا من الناس؛ منحه، وأعطاه خلقًا حسنًا، فيستعمل خلقه الحسن في معاملاته بينه وبين إخوانه المخلوقين، فلا يوصل إليهم أذى، بل يسعى لمنفعتهم أينما وُجدوا، وحيث كانوا، ومن أراد الله به سوءًا؛ منحه، وأعطاه خلقًا سيئًا، فيستعمله بينه وبين المخلوقات، فتصدر عنه المساوئ، والنقائص، والإضرار بالناس، فتجد غالب أفعاله، وأكثر عمله في غير منفعة وثمرة مفيدة. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لطرق السداد، ويسهل لنا مناهج الخير والفلاح.

  6. وقوله: "رواه أبو الشيخ" هو الإمام حافظ أصبهان، ومسند زمانه أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بالحاء المهملة والياء التحتية- الأنصاري، صاحب المصنفات النافعة، ويُعرف بأبي الشيخ، المتوفى سنة ٣٦٩هـ، وهو غير ابن حبان-بالباء الموحدة.