ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة

١٠ فقرات، ج ١ ص ١٢٢

  1. ١٠٠- "ثلاثة أنا خصْمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً، ثم أكل ثمنة، ورجل استأجر حرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره" ١. رواه أحمد. والبخاري عن أبي هريرة.

    ج ١ ص ١٢٢
  2. ش - الخصم: مصدر خصمته - أي: نازعته- خصمًا، يقال: خاصمته، وخصمته، مخاصمة، وخصامًا، ثم سمي المخاصم خصمًا، واستعمل للواحد، والجمع، وربما ثني، وقال الهروي: الواحد بكسر أوله، وقال الفراء: الأول قول يتعلق كل واحد بخصم الآخر؛ أي: جانبه، وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب. والغدر: الإخلال بالشيء، وتركه، والغدر يقال لترك العهد ونقضه، ومنه قيل: فلان غادر، جمعه: غدرة، وغدَّار: كثير الغدر. والحر خلاف العبد. وقال الخطابي: اعتباد الحر يقع بأمرين: أن يعتقه، ثم يكتم ذلك، أو يجحد، والثاني: أن يستخدمه كرهاً بعد العتق. والأول أشدهما. وقال الحافظ ابن حجر: وحديث الباب - أعني: هذا، أشد؛ لأن فيه مع كتم العتق، أو جحده العمل بمقتضى ذلك من البيع، وأكل الثمن، فمن ثم كان الوعيد عليه أشد.

  3. والمعنى: أن الله سبحانه يخبرنا أن ثلاثة من العباد يكون خصمهم يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من الآثام الفظيعة، والظلم المتناهي؛ الأول: رجل، وعبد من عباده أعطى

    ج ١ ص ١٢٣به ثم غدر؛ أي: أعطى يمينه به؛ أي: عاهد عهدًا، وحلف بالله على ذلك، ثم نقضه. ولا شك أن الغدر من أكبر الصفات المذمومة، والمفاسد العظيمة، وليس من أخلاق المؤمن الغدر، بل الوفاء بالعهد، وإمضاؤه؛ لأن في نقضه إخلالًا بنظام الحياة العامة، والقوانين الدستورية، ويفسد على المرء تدبيره لمصلحته نفسه، وغيره، وإضرارًا بمن عاهده، ثم نقض عهده، فلذلك جاء في القرآن الحكيم الحث على إمضاء العهود، والوفاء بها، والتزامها، وعدم نقضها أيا كانت، ولو مع قوم غير مسلمين؛ بشرط أن لا يُخلُّوا بشروطها بالإتيان بما ينافيها مما يضر بصالح المعاهد، ويضعفه، ويحل عزائمه، ويقوى أعداءه عليه. قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:٩١] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}

  4. [المائدة:١] وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} [الإسراء:٣٤] وروي البخاري، ومسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان بن فلان" ١ وما أصعب هذا التشهير بالغادر على رؤوس الأشهاد يوم القيامة! حيث العالم كله مجتمع، ويرون حالته، وما هو عليه من التشنيع، والخزي، والتوبيخ، والتعذيب. ولا ريب أن هذه الحالة،هي أفظع حالة يراها الخلق؛ لأن الغدر أكبر جريمة ترتكب، وصاحبه مهان، ذليل، حقير، تستنفر منه الطباع الحساسة، وتستقبحه العقول السليمة الراقية.

  5. وأصبح في عصرنا الحاضر الغدر منتشرًا، فلا تخلوا عائلة منه، فإن قيِّم العائلة يعطي زوجته، وأولاده، أو أخته، أو أحد أقاربه العهود، والمواثيق، والأيمان الغليظة أنه سيعطي فلانًا كذا، وفلانة كذا، ويكتب لفلان كذا، ويحيى فلانا كذا، ثم يصبح ثاني الأيام، أو بعد أيام، أو أشهر، وينقض العهد، ويعبث بالأيمان، والمواثيق، ولا يعبأ بما هدده الشارع به، وأمره بالنزاهة، والوفاء به، وكذا تجد الغدر في القرى، والأرياف، سواء كانت قريبة إلى المدن العامرة منتشراً، وكذلك في المدن الكبيرة، والصغيرة، وكلما ارتقت أهل المدينة في المدنية، والترفه، والتأنق الحديث كلما ازداد الغدر، وتنوع، واختير له أساليب جديدة مموهة، وآلات اصطناعية مشوهة، حتى صار

    ج ١ ص ١٢٤عادةً بألفها الكبراء، والعظماء، والقواد، والرؤساء، والملوك، والوزراء، فأمسى الإنسان ولا يثق بشخص مطلقًا، وضاعت الذمم، والشخصيات، وأصبح الوفاء بالعهود والأيمان في احتضار، وقريباً سيُشيَّع.

  6. اللهم ارحم عبادك، وأرشدهم إلى الأخلاق المرضية، وحببهم في الأعمال الصالحة، والأفعال المجيدة، وألهمهم الرأفة، والرحمة، والشفقة بإخوانهم؛ليأمَنوا شرهم!

  7. واعلم أن سبب الحرب التي قامت الآن في شهر رجب سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وألف الهجرية نقض العهود الملتزمة، والعبث بالقوانين الوضعية الدولية، وغصب بلاد الضعفاء، والاستيلاء على أموالهم، واستعبادهم، والقضاء على استقلالهم، وما أخذ بلاد الحبشة وألبانيا وبولاندة ببعيد، فأسأل الله حسن العاقبة!

  8. الثاني: رجل من عباده باع حرًا، وأكل ثمنه بأن اعتبده محررًا، إما أن يعتقه، ثم يكتم ذلك، أو يجحده، وإما أن يستخدمه كرهًا بعد العتق، وبيعه. قال ابن حزم: إن الحر كان يُباع في الدَّين حتى نزلت: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة:٢٨٠] واستقر الإجماع على المنع، وخصَّ الأكل بالذكر؛ لأنه أعظم مقصود، هذا الزجر العظيم لمن استعبد رجلًا واحدًا فما بالك فيمن استعبد ممالك، وعبادًا، واغتصب حقوقهم واستولى على أموالهم وتجارتهم، وقضى على استقلالهم؟!

  9. الثالث: رجل استأجر أجيرًا، وعاملًا بأجر مخصوص، وعمل كذلك، فاستوفى منه عمله، ولم يعطه أجره، وهذا يصدق بأن استخدمه، وأعطاه أقل مما يستحق، أو منعه أجره، ولم يعطه شيئًا منه، وهذا أيضًا من باب التعبد، والاستخدام بغير أجرة، ولأنه استوفى منفعته بغير عوض، فهو ظالم له، وقد ورد الترغيب بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. رواه ابن ماجه، والطبراني وغيرهما.

  10. فإن قيل: هؤلاء كلهم ظلمة، والله سبحانه وتعالى خصم لجميع الظالمين، فما وجه التصريح بهذا الحديث؛ بأن الله خصْمٌ لهم؟ والجواب: والله عز، وجل وإن كان كذلك إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح لفظاعة أمر ذلك في هذه الأشياء، واستقباحه. والله أعلم.