علامة معرفتى في قلوب عبادي
٨ فقرات، ج ١ ص ١٤٣
- ج ١ ص ١٤٤
أُشْتَكي، وألا أُسْتَبطأ، وأن أُسْتَحيا "١. رواه الديلمي عن أبي هريرة.
-
ش- العلامة: السمة، جمعها: عَلام، وعلامات. والعلامة أيضا: الفصل بين الأرضين، وشيء منصوب في الطريق يهتدي به، والمعرفة، والعرفان: إدراك الشيء بتفكر، وتدبرلأثره، وهو أخص من العلم. ويضاده: الإنكار. والقدر -بفتحات، وقد يسكن داله - مصدر: قدر، يقدر، وهو ما قضاه الله تعالى، وحكم به من الأمور، وقوله: "ألااشتكى " أي: لا يشكو العبد من الله تعالى وحكمه. وألا استبطأ: أي يستبطئ العبد مولاه بأن دعاه، وانتظر الإجابة، وقال: إن الله جل ذكره استبطأ إجابتي وأخرها مثلاً، يقال: بطؤ، وتباطأ: تحرى، وتكلف ذلك، واستبطأ طلبه، وأبطأ: صارذا بطء، ويقال: بطاه وأبطأه، وقوله: " وألاأستحيا" يجوز أن يكون من الاستحياء: طلب الحياء، وأن يكون من الاستحياء: الاستبقاء، ولعل الأول أقرب إلى ألفاظ الحديث.
-
والمعنى: أن الله جل ذكره أخبر أن علامة معرفته جل، وعز في قلوب عباده حسن موقع قدره، وحكمه، وقضائه عندهم، حيث إنَّ أحدهم إذا أصابهم شيء من بلايا الدنيا، وامتحاناتها، واختباراتها يصبر، ويصمد لها، ولا يشكو الله سبحانه وتعالى إلى غيره، ولا يشتكي أيضاً إذا مسَّه أذى في جسده، وماله، وأولاده، وأقاربه، بل يرضى بقضاء الله سبحانه، وحكمه، ولا يقول إلا خيراً، ويحمد الله جل ذكره، ويصبر لحكمه، وقضائه، ففعل هذا يدل: أنه عرف الله، وآمن بقضائه، وقدره.
-
وقدر الله يجب الإيمان به كله، خيره وشره، حلوه ومره، نفعه وضره. ومذهب أهل الحق إثبات القدر، والإيمان به كله. وقد جاء من النصوص القطعيات في القرآن العزيز والسنن الصحيحة المشهورات في إثابته ما لا يحصى من الدلالات، وذهبت القدرية إلى إنكاره، وأن الأمر أنف- أي: مستأنف، لم يسبق به علم الله - عالى الله عن قولهم الباطل علوا كبيراً، وقد جاء في الحديث تسميتهم: مجوس هذه الأمة؛ لكونهم جعلوا الأفعال للفاعلين، فزعموا، أن الله تعالى يخلق الخير، وأن العبد يخلق الشر، جل الله عن قولهم الباطل.
-
وكذلك إذا طلب من الله شيئًا؛ فلا يلح في الطلب، ولا يستأخره، ويستطبئه،
ج ١ ص ١٤٥ويقول: إن الله تعالى أخَّر طلبي، ولم يجعل لي، ولربما ظن أن تأخير الله في طلبه وإجابته عدم قدرته عليه، واستطاعته، فيقع في الهلاك. نسأل الله العافية.
-
وألا يستحي أحدنا من الله جل ذكره، فيقدم على المعاصي، ولا يبالي؛ لأن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، وإن لم يكن تقيةً، وأن الحياء من الله فوق ذلك.
-
روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استحيوا من الله حق الحياء. قال: قلنا يا نبي الله! إنا لنستحي والحمد لله! قال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت، والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" ١ وروى ابن ماجه بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا، فإذا لم تلقه إلا مقيتًا ممقتا؛ نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة؛ لم تلقه إلا خائنًا مخونًا؛ فإذا لم تلقه إلا خائنًا مخونًا؛ نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة؛ لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا، نزعت منه ربقة الإسلام" ٢ والربقة بكسر الراء وفتحها: واحدة الربق، وهي عرا في حبل تشد به إليهم، وتستعار لغيره. وروي البخاري، ومسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء لا يأتي إلا بخير" وفي رواية لمسلم: "الحياء خير كله" ٣ وروى الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين عن ابن عمر رضي الله
ج ١ ص ١٤٦عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحياء والإيمان قرناء جميعًا، فإذا رفع أحدهما؛ رفع الآخر" ١.
-
هذا أحد احتمالين في قوله: "وأن لاأستحيا" وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون من الاستحياء: الاستبقاء؛ أي: يعتقد الشخص، أو يظن: أن الله سبحانه وتعالى غير باقٍ؛ لأن إجابته تأخرت، أوطال مرضه، وأزمن، وهو يدعو الله أن يشفيه من ذلك، ويذهب ما به من البلاء، وفي القلب من الحديث شيء. والله أعلم.