ليس كل مصل يصلي
٥ فقرات، ج ١ ص ١٥٦
- ج ١ ص ١٥٦
١٣٠- "ليس كل مصلٍ يصلي. إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وآوى الغريب، كل ذلك. وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس! على أن أجعل الجهالة له علماً، والظلمة نورًا، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلؤه بقوتي، وأستحفظه ملائكتي،
ج ١ ص ١٥٧مثله عندي كمثل الفردوس لايتسنى ثمرها، ولا يتغير حالها"١. رواه الديلمي عن حارثة بن وهب.
-
ش- التواضع: التذلل، والخشوع، يقال: تواضع لله: خشع، وذلَّ، والعظمة بفتحتين: الكبرياء. والكف: الترك، والمنع. والشهوات: جمع شهوة، وأصلها: نزوع النفس إلى ما تريده. وذلك في الدنيا ضربان: صادقة، وكاذبة، فالصادقة: ما يختل البدن من دونه، كشهوة الطعام عند الجوع، والكاذبة ما لا يختل من دونه. وقد يسمى المشتهي: شهوة، وقد يقال للقوة التي تشتهي الشيء: شهوة. والمحارم: تطلق على المعاصي، وعلى المنهيات، وعلى ترك المأمورات. والإصرار: التزام الشيء، والمداومة عليه. وأكثر ما يستعمل في الشروالذنوب. وآوى إلى كذا: انضم إليه. وآواه-بالمد-: رق له، ورحمه، وضمه إليه، وأنزله عنده. والغريب: الوحيد الذي لا أهل له، والبعيد عن الوطن، والأقارب، والأنصار. وبرَّ في قسمه، وأبر: صدق، وأبرالله حجه: قبله. وأكلؤه: أحرسه، والكلاءة: الحراسة. والفردوس: الحديقة، والبستان، يذكَّر، ويؤنث، عربية، واشتقاقها من الفردسة، وقيل لغة رومية، نقلت إلى العربية، والجمع فراديس.
-
والمعنى: أخبر الله تبارك وتعالى أن ليس كل مصلٍ إذا صلى له ثواب صلاته، وتقبل، بل لها شروط، وأركان، وسنن، ومستحبات، وهيئات. هذا كله ظاهرًا. ولها شروط باطنًا، منها: التواضع لله، والخشوع، وكف نفسه من الوقوع في شهواتها، والنظر إلى المحارم، فمن أتى بها كلها؛ قبلت صلاته، وجوزي عليها، وظهرت علامة ذلك عليه. قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:٤٥] ،ولا شك أن الصلاة التي تنهى عن ذلك هي الصلاة المقبولة ظاهرًا، وباطنًا، فلذلك كل شخص تجده يصلى، ويكثر الصلاة، وهو مرتكب الذنوب، والآثام؛ فإنه لم يأت بها كما أمر، فإنه وإن أحسن الظاهر؛ فإنه لم يحسن الباطن، وقد مدح الله في كتابه الحكيم الخاشعين في الصلاة، قال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:١-٢] قال ابن لهيعة: عن عطاء بن يساررحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:٢] يعني: متواضعين، لا يعرف من عن يمينه، ولا من عن شماله، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل.
- ج ١ ص ١٥٨
وخرَّج الإمام أحمد، والنسائي، والترمذي من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع يديك -يقول ترفعهما إلى ربك عز وجل- وتقول: يا رب! يارب! يارب! فمن لم يفعل ذلك؛ فهي خداج" ١ الخداج: النقصان، ومعناه هنا: أنه ناقص من الأجروالفضيلة، وكذلك الإصرار، والاستمرار على المعاصي، والتزامها؛ فإنه بسبب رفض الصلاة، وعدم قبولها. ويؤدي الغريب، ويحسن إليه، كل ذلك يفعله العبد لله عز وجل. ثم أقسم المولى جل وعز بعزته وجلاله: أن من كان موصوفاً بهذه الصفات الحميدة يكون نور وجهه أضوأ عنده من نور الشمس، ويجعل له الجهالة -إذا كان جاهلًا- علمًا، أو إذا كان عالماً يزده علمًا، ويجعل له الظلمة نورًا، فلا يرى ظلمة أمامه لا ليلًا، ولا نهاراً، فمن كان متصفًا بذلك يدعو الله جل وعز، فيجاب دعاؤه، ويلبي، ويسأل، فيعطى، ويقسم على الله جل علاه، فيبر قسمه، ويصدق يمينه، وزيادة على ذلك فإن الله عز وجل يكلؤه، ويحرسه بقوته، وحوله، ويستحفظه ملائكته، ويكون مثله عند الله كمثل جنة الفردوس، لا يتغير حالها، ولا يتلف ثمرها، أي: أن الله سبحانه وتعالى يجعله مقبولًا لكل أحد قلبًا، وقالبًا، ومن أين أتيته؛ وجدته نافعاً ذا فائدة دينية، ودنيوية. اللهم وفقنا لذلك يا رب!
-
والحديث ذكره الحافظ المنذري بألفاظ قريبة من هذا من رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي، ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرًا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين، وابن السبيل، والأرملة، ورحم المصاب، وذلك نوره كنور الشمس، أكلؤه بعزتي، وأستحفظه ملائكتي، أجعل له في الظلمة نورًا، وفي الجهالة حلمًا، ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة " ٢ رواه البزار من رواية عبد الله بن واقد الحراني، وبقية رواته ثقات.