ما تقرب إلى العبد بمثل أداء فرائضي

٤ فقرات، ج ١ ص ١٦٠

  1. ١٣٢- "ما تقرب إلي العبد بمثل أداء فرائضي، وإنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته؛ كنت رجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته" ١. رواه ابن السني عن ميمونة.

    ج ١ ص ١٦٠
  2. ش- التقرب: طلب القربة، وأخذ المثوبة. والفرائض: جمع فريضة، بمعنى مفروضة، وأصل الفرض: القطع، وفي الشرع: ما أوجبه الله تعالى، وألزمه عباده، وهو أعم من أن يكون فرض عين، أو كفاية، والنوافل: جمع نافلة: الزيادة، والتنقل: التطوع. والحب: تقدم الكلام عليه غير مرة. والبطش: الأخذ بعنف. والقلب: تقدم الكلام عليه.

  3. والمعنى: أن الله عز وجل أخبر أن العبد لم يتقرب إلى الله، ويتطلب القربة من رحمته، والمثوبة من عنايته به بوسيلة عمل إليه جل ذكره من الذي فرضه عليه، وألزمه به، وقدره، ويشمل ذلك فعل الواجبات، وترك المحرمات؛ لأن ذلك كله من فرائض

    ج ١ ص ١٦١الله التي افترضها على عباده. قال الحافظ زين الدين بن رجب١: وأداء الفرائض أفضل الأعمال، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله، وصدق النية فيما عند الله. وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضل العبادات أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك أن الله تعالى إنما افترض على عباده هذه الفرائض ليقربهم عنده، ويوجب لهم رضوانه، ورحمته. وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة، كما قال تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق:١٩] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " ٢ وقال: "إذا كان أحدكم يصلي؛ فإنما يناجي ربه، وربه بينه وبين القبلة" وقال: "إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت" ٣ ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدل الراعي في رعيته سواء كانت رعيته عامة كالحاكم أو خاصة كعدل آحاد الناس في أهله وولده كما قال صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ٤ وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحب العباد إلى الله يوم القيامة وأدناهم إليه

    ج ١ ص ١٦٢مجلسًا إمامٌ عادلٌ "١ هذه درجة أولى للعبد المؤمن، فإذا قام بأداء الفرائض؛ سقط عنه الطلب، وخلص من ربقة التكليف.

  4. والدرجة الثانية هي أرقى من الأولى، وأرفع، وحال صاحبها أعلى، وهو من أتى بالفرائض، وقام بها تمامًا، وزاد عليها -تقربًا إلى الله جل، وعز- النوافل والطاعات الزئادة عن الفرائض والواجبات، واجتهد فيها، وانكفَّ عن دقائق المكروهات، وهذه درجة السابقين المقربين، ومن أعظم ما يقترب به العبد إلى مولاه من النوافل كثرة تلاوة القرآن، وسماعه بتفكر، وتدبر، وتفهم. روى الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا: "ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه "٢ يعني: القرآن، ومن ذلك كثرة ذكر الله الذي يتواطأعليه القلب، واللسان. روي البزار في مسنده عن معاذ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمال، وأقربها إلى الله تعالى. قال: " أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله تعالى " ٣ ومتى أكثر العبد من فعل الطاعات، والبعد عن المخالفات؛ أوجب ذلك حب الله، فيحبه الله، ومتى أحبه الله؛ رزقه محبته، وطاعته، والاشتغال بذكره، وخدمته، فيصيرالشخص لا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا بالله، ولا يمشي إلا لله، ولا ينطق إلا بالله، ولا ينظر إلا بالله، ولا يبطش إلا بالله ... إلخ. قال الحافظ ابن رجب: المراد من هذا الكلام - أي قوله تعالى: " كنت رجله التي يمشي بها" إلخ-: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنوافل قربه إليه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق؛ حتى يصير في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة كما قيل:

    ج ١ ص ١٦٣ساكن في القلب يعمُره ... لست أنساه فأذكره

    غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويد القلب يبصرُه

    قال الفضيل بن عياض١: إن الله تعالى يقول: "كذب من ادَّعى محبتي، ونام عني. أليس كل محب يحب خلوة محبوبه؟ ها أنا مطَّلع على أحبابي، وقد مثلوني بين أعينهم، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدًا أقرأعينهم في جناتي" ومن أشار إلى غير هذا فإنما يشير إلى الإلحاد من الحلول والاتحاد والله ورسوله بريئان منه، وإذا وصل العبد إلى هذه المنزلة اقتضى أنه إذا سأل الله شيئًا أعطاه إياه، وإذا دعاه بشيء أجاب دعاءه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على الله تعالى، وقد كان كثير من السلف الصالح من الصحابة وغيرهم مجاب الدعوة، ولولا الإطالة لسردت لك جملة صالحة من ذلك. والله أعلم.