من عادى لي وليا فقد ناصبنى بالمحاربة

٤ فقرات، ج ١ ص ١٩٢

  1. ١٤١- "من عادى لي ولياً فقد ناصبني بالمحاربة، وما ترددت عن شيء أنا فاعله كتردُّدي عن موت المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته، وربما سألني وليي المؤمن الغنى فأصرفه من الغنى إلى الفقر، ولو صرفته إلى الغنى

    ج ١ ص ١٩٣لكان شرًا له، وربما سألني وليي المؤمن الفقر فأصرفه إلى الغنى، ولو صرفته إلى الفقر لكان شرًا له. إن الله قال: وعزَّتي، وجلالي، وعلوي، وبهائي، وارتفاع مكاني لا يُؤْثر عبد هواي على هوى نفسه إلا أُثبِّت أجله عند بصره، وضمنت السماء، والأرض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر " ١. رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس.

    ج ١ ص ١٩٢
  2. ش- تقدم ذكر الحديث غير مرة بألفاظ قريبة من هذا إلا أنَّ ما هنا فيه زيادة ألفاظ لم تذكر قبل، فلا مانع من التعرض لشرحها وبيانها، فأقول: قوله "ناصبني بالمحاربة " النصب: التعب. وأنصبني كذا؛ أي: أتبعني، وأزعجني. قال الشاعر:

    تأوبني همٌّ مع الليلِ منصب

    ويقال: ناصبه الحرب والعداوة، ونصب له، والمعنى هنا والله أعلم: اجتهد العبد في المحاربة على مثال قوله تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الانشراح:٧] أي: اجتهد في الدعاء. والغنى -بكسر الغين المعجمة والقصر-: اليسار، تقول منه: غني بالكسر غنى، قلة المال، وضيق اليد. ويؤثر: يفضل. وباقي ألفاظ الحديث منها ما تقدم تفسيره، ومنها ما هو ظاهر، ووقع في كتاب "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " للهيثمي في هذا الحديث " عند نصره " بالنون بدل " عند بصره" بالباء الموحدة، ولعله تصحيف.

  3. والمعنى-والله أعلم بمراده-: من عادى لله وليًا من أوليائه الصالحين -الذي تقدم وصفه سابقاً- فقد ناصب الله، واجتهد، وأعتق نفسه، وتهيأ لمحاربة الله جلَّ ذكره - ومن يقدرأويحسر على ذلك إلا هالك؟! - وما تردد الله عن شيءٍ هو فاعله كتردده عن موت المؤمن، يكره الموت الذي من شأنه ذلك لما يعتري المؤمن من الشدائد والأهوال، والله سبحانه وتعالى يكره مساءة عبده المؤمن، وربما سأل الله الولي المؤمن الغني في بعض الأوقات، وهو لا يدري ما الأحسن له؛ هل الغنى أم الفقر؟ والله تعالى يعلم ما يناسب حال العبد، فلا يجيب طلبه، بل يعطيه ما يوافق حاله، ويصرف عنه ما لا يوافقه، وينفعه، ولو صرفه إلى طلبه الذي هو الغني مثلاً، ويكون شراً له في ماله

    ج ١ ص ١٩٤وولده لكان شرًا له، وربما سأل الله الولي المؤمن الفقر، وهولا يناسب حاله فلا يجيب طلبه، ويصرفه إلى الغنى، وهو مما يناسب حاله بالنسبة لعلم الله تعالى، ولو صرفه إلى الفقر -وهوكذلك- لكان شرًا له والله جل اسمه لا يرضى له ذلك، ثم أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم: أن الله أقسم، وقال: وعزتي، وجلالي، وعلوي على خلقي، وبهائي، وارتفاع مكاني -نؤمن بذلك ونعتقده، ولا نؤوِّل ولا نصر، بل نقول: الله سبحانه وتعالى أخبر بذلك، ووصف نفسه بذلك بدون تشبيه، وتنزه المولى عن المثل، والشبه، والصفات التي لا تليق به. قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:١١] وهذا مذهب السلف الصالح،وعليه أئمة الهدى، وأرباب الفتوى، وهم أعلم بما تضمن كلام الباري تعالى، وأسلم عقيدة ومذهبًا، لا يؤثر ويفضل هو المولى جل علاه وأمره ونهيه على هوى نفسه إلا أثبت أجله المقدرله أزلاًعند بصره ليراه حين يريد، فيعرف متى دنوه، وانتهائه، فيجتهد لاكتساب الطاعات، وتكثيرالحسنات، فإنه قادم على يوم يحتاج فيه إلى كثرة العمل الصالح، ولا يقدم على معصية، ويتجنب المضار، فلا ينهمك بالشهوات، ويتباعد عن المنهيات؛ لأنه لا يسوِّف إلا إذا غاب عنه أجله، وخفي عليه وقته؛ فإنه يطمع أن يعيش كثيراً، فيُؤْثر هوى نفسه وشيطانه على هوى مولاه، فيغشى اللذات الدنيوية بتساهل، فيأتي يومه المقدر له بغتةً، وهو لا يشعر، فلا يجد وقتاً للتوبة والإنابة، فمن آثر، وفضل هوى مولاه على هوى نفسه يضمن الرب جل، وعز السماء والأرض رزقه؛ أي: يكلفهما ضمان رزقه من أن السماء تمطر، والأرض تخرج الأوقات. قال الله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات:٢٢] ، وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ} [يونس:٣١] ، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سبأ:٢٤] وزيادة من ذلك الخير العظيم والنعم الجسيمة فإن الله عز جلاله يكون له من وراء تجارة كل تاجر، أي: ينمي له تجارته، ويبارك له فيها، ويحفظها له من كل ما يطرأ عليها مما يذهبها، ويشينها، ويمحقها. فسبحانه من إله ما أرحمه، وأرأفه!، وأكلأه، وأحرسه، وأمنعه لعبده المطيع! أفلا يطيع العبد العاصي ربه، وينيب إليه، فيتمتع بذلك كله، ويحظى بنعيم مؤبد، وثواب عظيم، ومال لا ينفد، ولا يبيد؟! اللهم وفقنا لطاعتك، وجنبنا معاصيك، ومخالفتك!

  4. والحديث: رواه الطبراني في معجمه الكبير، كما قال المصنف، ودرجته غير معلومة، وفي القلب منه شيء. والله أعلم.