- ذكر إسناده عن علقمة بن مرثد
١٦٤ فقرة، ج ١ ص ٣٢٦
الصفحة ١ من ٥
- ج ١ ص ٣٢٦
-ذكر إسناده عن علقمة بن مرثد بفتح ميم وسكون راء وفتح مثلثة فدال مهملة.
-
أبو حنيفة (عن علقمة بن بريدة) بالتصغير (عن أبيه وهو بريدة) بن الحصيب
ج ١ ص ٣٢٧(الأسلمي) ، وقد سبق ترجمتهما (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدال على الخير كفاعله" ) ورواه الطبراني والبزار عن ابن أبي مسعود، عن سهل بن سعد وزاد أحمد وأبو يعلى أيضاً عن بريدة والله يحب إعانة اللهفان، أي إعانة المكروب، وصحيح مسلم عن أبي مسعود رفعه: من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
-
- حديث القدر
وبه (عن علقمة عن يحيى عن يعمر) على وزن ينصر (قال: بينما أنا مع صاحب لي بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصرنا) بضم الصاد والباء في (بعبد الله بن عمر) للتعدية كقوله: فبصرت به إذ أي رأيناه والمعنى فاجأنا روية (فقلت لصاحبي: هلاّ لك) أي رغبة (أن نأتيه فنسأله عن القدر) أي عن الإيمان من جهة إثباته ونفيه لاختلاف الناس في أمره؟ (قال: نعم فقلت دعني) أي اتركني (حتى أكون أنا الذي أسأله) بدلاً عنك (فإني أعرف به منك) أي أكثر معرفة وأزيد معاشرة (قال: فانتهينا إلى عبد الله فقلت يا أبا عبد الرحمن) وهو كنية (إنَّا) أي معشر التابعين (ننقلب في هذه الأرض) أي نسافر ونتردد في جنسها، أو بخصوص بعضها وهو الذي كثير لغات القدر فيها (فربما قدمنا البلدة) أي بلدة من بلادها (بها قوم يقولون: لا قدر) أي لا قضاء مقدراً وإنما يكون الأمر مستأنفاً ميسراً (فما نرد عليهم) أي فأي شيء نجيبهم ليكون القائل به مختبراً ومحترزاً، (قال: أبلغهم
ج ١ ص ٣٢٨مني) أي أوصلهم من جانبي وأخبرهم على لساني (إني بريء منهم) وفيه دليل على أن قول الصحابي حجة (١) كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (ولو أني وجدت أعواناً) أي مساعدين (لجاهدتم) لترويج أمر الدين إذا كانوا في بلدة مجتمعين (ثم أنشأ) أي شرع وابتدأ (يحدثنا) أي عن النبي صلى الله عليه وسلم تقوية لما تقدم (قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه رهط) أي جمع (من الصحابة) أي المخصوصين (إذ أقبل شاب) في السن والقوة (جميل) في الهيئة (أبيض) في الصورة (حسن اللمة) بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر الذي يلم بالمنكب (طيّب الريح، عليه ثياب بيض) بتنوينها وفي نسخة بإضافتها (فقال: السلام عليك يا رسول الله) أي خصوصاً (السلام عليكم) أي متلفتاً لأصحابه عموماً.
-
(قال: فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي سلامه بأحسن رد، (ورددنا معه) أي كذلك، (فقال: ادنو) أي أقرب إليك (يا رسول الله قال "أدن" ) أي أقرب (فدناه دنوة أو دنوتين) أي قرب خطوة أو خطوتين (ثم قال) : أي الرجل (موقراً) أي معظماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (ادنو) يا رسول الله (فقال: "ادنه" ) بهاء السكت، (فدنا حتى التَصَقَ ركبتيه بركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، في بعض الروايات
ج ١ ص ٣٢٩وضع يديه على فخذيه صلى الله عليه وسلم إرادة لكمال التقرب إليه، مع غاية التأدب لديه، (فقال: أخبرني عن الإيمان) أي عن المؤمن به إجمالاً (قال: "أن تؤمن بالله" ) أي بذاته وصفاته (وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ") أي بالقبر أو البعث، أو برؤيته في الجنة (واليوم الآخر) من حشره ونشره (والقدر خيره وشره) أي حلوه ومره ونفعه، وضره (من الله) أي من قضائه وأمره بحيث لا يتصور تغيره بغيره، (فقال: صدقت، قال: فعجبنا من تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: صدقت) تفسير لما قبله، (كأنه يعلم) أي الحكم عياناً ويسأل عنه امتحاناً، وقال: (فأخبرني عن شرائع الإسلام) أي فرائضه وأركانه (ما هي؟) أي التي مدارها عليها وأساسها لديها ورجوع سائرها إليها (قال: " إقام الصلاة ") أي إقامتها بشرائطها، وأركانها (وإيتاء الزكاة) أي إعطاء ما يجب من المال لمستحقها على وجه تمليكها، (وحج البيت) بفتح الحاء وكسرها أي قصد بيت الله الحرام وسائر المشاعر العظام (لمن استطاع إليه سبيلاً) بالزاد والراحلة ذهاباً وإياباً (وصوم رمضان) أي أيام شهره مع تعظيم أمره ورعاية قدره، (والاغتسال من الجنابة) أي لجميع أعضاء بدنه.
-
وفي الروايات المشهورة بدل هذا الخامس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهو كأنه أول أركانه، وهو الموافق لما ورد في الصحيح: "بني الإسلام على خمس" الحديث (قال: صدقت فعجبنا لقوله صدقت) .
- ج ١ ص ٣٣٠
والحاصل أن السؤال الأول وجوابه تحقيق الإيمان، وتصديقه من جهة الباطني، والثاني انقياد الظاهر، وهذا فرق لغوي، وفي الاعتبار الشرعي مفهوم الإيمان والإسلام واحد، فكل مؤمن مسلم، كما أن كل مسلم مؤمن.
-
نعم يدل الحديث على أن الإيمان في التحقيق مجرد التصديق، وأما الإقرار فشرط لإجراء أحكام الإسلام، وأما بقية الأعمال فمن باب الإكمال، والله أعلم بالأحوال.
-
(قال: فأخبرني عن الإحسان) ؟ أي تحسين الإيمان والإسلام في مقام المرام ما هو (قال: "الإحسان أن تعمل لله" ) وفي الرواية المشهورة أن تعبد الله (كأنك تراه) حاضراً لديك، وناظراً إليك، (فإن لم تكن تراه) أي تشاهده بهذا المنوال، (فإنه يراك) أي فاعلم أنه يراك في جميع الأحوال، فيجب عليك أن تحسن الأعمال (قال:) أي الراوي، (فإذا فعلت ذلك، فأنا محسن) في عمله، (قال: نعم، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الساعة) متى ينتهي أي أين وقت وقوعها؟ (قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" ) أي كل مسؤول عنها عاجز من جوابه كالسائل عنها، فإنه سبحانه استأثر بعلمها، فلا يعلمها إلا هو، (ولكن لها أشراطاً) هي علامات تدل على قربها (فهي من الخمس التي استأثر الله بها) ، وفي الصحيح مفاتيح الغيب الخمس، فقال: أي فقرأ استشهاداً أو فكر اعتقاداً {إن الله عنده} أي لا عند غيره {علم الساعة} ، أي علم وقت قيام ساعة القيامة، {وينزل الغيث} في وقت يعلمه، {ويعلم ما في
ج ١ ص ٣٣١الأرحام} أي لا يعلمه غيره {وما تدري نفس ماذا تكسب غداً} أي في المستقبل، {وما تدري نفس بأي أرض تموت} عند انتهاء الأجل {إن الله عليم خبير} (١) ، بما أراده من الأنبياء والأولياء إلا علم الساعة، فإنه كما في قوله تعالى: {أكاد أخفيها} (٢) أي عن نفسي لو أمكن، وهذا غاية المبالغة، أو أخفي إتيانها فضلاً عن بيان وقتها لحكمة اقتضت إخفاءها (قال: صدقت ثم انصرف) أي ذهب ونحن نراه، قال النبي صلى الله عليه وسلم علي بالرجل أي نادوه لي واطلبوه لأجلي، (فقمنا في أثره) بفتحتين وبكسر فسكون أي طالبين في عقبه (لا ندري أين توجه ولا رأينا شيئاً) أي مما يدل عليه، (فذكرنا) ذلك (للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم معالم دينكم" ) أي مجملها أو طريق سؤالها ( "والله ما أتاني في صورة" ) أي من دحية وغيره (إلا وأنا أعرفه فيها إلا هذه الصورة) وقد بسطنا في هذا الحديث المتين في شرح الأربعين، والله الموفق والمعين.
-
- زيارة القبور
وبه (عن علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نهيناكم عن زيارة القبور (فقد أذن) بصيغة المجهول (محمد في زيارة قبر أمه
ج ١ ص ٣٣٢فزوروها) أي قبوركم، فهذا الحكم ناسخ للأول، وهل يشتمل النساء أو لا فيه خلاف، (ولا تقولوا هجراً) بضم، فسكون أي فحشاً من الكلام كالنياحة وغيرها.
-
وفي رواية ابن ماجه كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين، وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجراً، (وعن لحوم الأضاحي) أي نهيناكم عن (أن تمسكوها) أي تدخروها، وهو بدل اشتمال عما قبله، (فوق ثلاثة أيام، وإنما نهيناكم) أي أولاً (ليوسع موسركم) أي غنيكم (على فقيركم) رحمة على الفقراء وشفقة على الضعفاء، وزيادة مثوبة للأغنياء، (والآن قد وسع الله عليكم) بإيصال كثرة الخير إليكم، (فكلوا) أي بعضه، أو كله وتزودوا، أي ادخروا لزاد المعاش إن شئتم، لكن الأفضل أن يأكل ثلثه، ويطعم الفقراء ثلثه، ويهدي الجيران ونحوهم ثلثه، ليكون جامعاً بين علم المعاش وزاد المعاد.
-
وفي رواية الترمذي عن بريدة: كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له، فكلوا ما بدا لكم وأطعموا وادخروا (وعن الشرب) ، أي ونهيناكم عن الشرب (في الحنتم) أي الجرة الخضراء، (والمزفت) أي الظرف المطلي بالزفت وهو القير.
-
وفي رواية عن النقير والدباء والنقير هو المنقور من الخشب والسبب في منعه أن هذه الظروف كانت معدة للخمر فأراد صلى الله عليه وسلم المبالغة في منعها، ومنع ملابستها، ثم أذن بقوله: ( "فاشربوا" ) أي الآن (في كل ظرف شئتم) من هذه الظروف وغيرها، (فإن الظرف لا يحل شيئاً) أي حقيقة، (ولا يحرمه") لكن بالجر إلى صورة المعصية، فوجب الكراهية في قرب المعاهدة، (ولا تشربوا مسكراً) أي ولو لم يكن خمراً.
- ج ١ ص ٣٣٣
- ولا تشربوا مسكراً
وفي حديث مسلم عن بريدة: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم، فاشربوا في كل ظرف شئتم من هذه الظروف وغيرها لأن الظرف لا يحل شيئاً في الحقيقة، ولا يحرم، لكن بالجر إلى صورة المعصية يوجب الكراهة في قرب المعادة، ولا تشربوا مسكراً أي ولو لم يكن خمراً.
-
وفي حديث مسلم عن بريدة: كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكراً.
-
وفي رواية ابن ماجه عن بريدة أيضاً كنت نهيتكم عن الأوعية فانبذوا، واجتنبوا كل مسكر.
-
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة عن بريدة (أنه قال: "إنا نهيناكم عن ثلاث، عن زيارة القبور فزوروها ونهيناكم أن تمسكوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث أيام فامسكوها وتزودوا فإنما نهيناكم ليوسع غنيكم على فقيركم ونهيناكم أن تشربوا في الدباء) أي النبيذ الكائن في الدباء بالمد، والقصر.
-
وفي رواية نحوه، وفيه: عن النبيذ؛ أي نهيناكم عن الانتباذ في الدباء والختم والمزفت، فاشربوا في كل ظرف، ولا تشربوا مسكراً (فاشربوا فيما بدا لكم) أي ظهر عندكم من الظروف (فإن الظرف) أي جنسه (لا يحل شيئاً ولا يحرمه، ولا تشربوا مسكراً) فإن الله حرمه.
- ج ١ ص ٣٣٤
وبه (عن علقمة عن ابن بريدة، عن أبيه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة) أي معها ولأجلها (فأتى قبر أمه فجاء) أي فرجع (وهو يبكي أشد البكاء حتى كادت نفسه تخرج من بين جنبيه) أي من جميع أجزاء جسده، والمعنى أنه قرب أن يموت من شدة حزنه، (قال) : أي بريدة، (قلنا) : أي نحن معشر الصحابة الحاضرين (يا رسول الله ما يبكيك) أي، أيّ شيء سبب بكائك؟
-
(قال: "استأذنت ربي قي زيارة قبر أم محمد" ). فيه وضع الظاهر موضع المضمر، أي قبر أمي (فأذن لي) ، ولعل الحكمة في إذنه ليكون سبباً في تخفيف عذاب أمه (واستأذنته في الشفاعة) أي لرفع عذاب عنها من أجله (فأبى عليّ) أي لم يأذن ولم يقبل مني لقوله سبحانه: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء} (١) وهذا دليل صريح في أن أمه ماتت كافرة أنها في النار داخلة مخلدة، وهو الذي اعتقده أبو حنيفة، وذكره في فقهه الأكبر من أن والدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتا على الكفر وعارضه السيوطي في رسائل، وأتى ببعض الدلائل مما ليس تحتها شيء من الطائل، وقد جعلت رسالة مستقلة في تحقيق هذه المسألة، وتدقيق ما يتعلق بها من الأدلة.
-
(وفي رواية لأبي حنيفة عن بريدة قال: استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ربه) في زيارة قبر أمه، (فأذن له، فانطلق، وانطلق) معه (المسلمون حتى انتهوا إلى قريب من
ج ١ ص ٣٣٥القبر، فمكث المسلمون) بضم الكاف وفتحه أي فلبثوا (ومضى النبي صلى الله عليه وسلم) إلى زيارة قبر أمه، فمكث طويلاً أي زماناً أو مكثاً، (ثم اشتد بكاؤه حتى ظننا أنه لا يسكن) أي من البكاء، (فأقبل وهو يبكي فقال له عمر: ما أبكاك يا نبي الله بأبي أنت وأمي) أي أفديك بهما (قال: "استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي فاستأذنته في الشفاعة فأبى فبكيت رحمة لها) أي بمقتضى الطبيعة، (وبكى المسلمون رحمة للنبي صلى الله عليه وسلم) أي بموجب الشريعة وهذا الحديث يبطل قول القائل: إنها من أهل الفترة وإنهم لا يعذبون في النار.
-
- حديث عيادة الكافر
وبه (عن علقمة عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كنا جلوساً) أي جالسين (عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه) أي الحاضرين (انهضوا) بفتح الهاء أي قوموا بنا (نعود جارنا اليهودي) ، فإنه أحد الجيران الثلاثة على ما رواه البزار وأبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم في الحلية، عن جابر مرفوعاً: الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق.
-
فأما الذي له حق واحد فجار مشرك له حق الجوار ..
- ج ١ ص ٣٣٦
وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار.
-
وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الإسلام وحق الرحم وحق الجوار.
-
(قال) : أي بريدة، (فدخل) أي النبي صلى الله عليه وسلم أي على اليهودي، (فوجده في الموت) ، أي في سكراته ومقدمة مماته (فسأله) أي عن حاله، ثم (قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) رجاء أن يؤمن به ويجير من النار بسببه، (فنظر إلى أبيه) أي كالمستشير في أمره، (فلم يكلمه أبوه) إيماء إلى عدم رضائه، (فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فنظر إلى أبيه) أي متوقفاً إذنه فيه (فقال له أبوه) مراعاة لحاضرة: (وأشهد له) بالرسالة العامة، (فقال الفتى: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذ) أي خلص، (ونجى) بي أي بسببي (نسمة) أي مخلوقاً ذا روح (من النار) أي من عذاب الكفار.
-
(وفي رواية) أخرى (أنه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (قال ذات يوم) أي يوماً من الأيام (لأصحابه) أي الكرام: (انهضوا بنا نعود جارنا اليهودي قال) : أي الراوي، (فوجده في الموت فقال أتشهد أن لا إله إلا الله قال: نعم) لأنه كان من أهل الكتاب وغالبهم أهل التوحيد في هذا الباب (قال: أتشهد أني رسول الله) أي إلى العرب والعجم واليهود والنصارى وغيرهم (قال) : أي الراوي (فنظر الرجل إلى أبيه) ، وفيه إيماء إلى ميل قلبه إلى الإسلام، (قال: فأعاد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي
ج ١ ص ٣٣٧الكلام مرة بعد أخرى (فوصف) أي الراوي (الحديث) أي كلامه عليه السلام ثلاث مرات إلى آخره على هذه الهيئة المذكورة المتقدمة (إلى قوله فقال) أي أبوه له: (أشهد، فقال أشهد أنك رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار" ).
-
- حديث الجهاد
وبه (عن علقمة عن ابن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشاً) أي عسكراً كثيراً كأنه يجوش ويفور من قوة حركته (أو سرية) أي عسكراً قليلاً أقصاه أربعمائة كأنه يخفي في سيره من قلة ومدينة (أوصى أميرهم في خاصة نفسه) أي في ما يتعلق بأمر دينه ودنياه بتقوى الله، أي اكتساب أوامره واجتناب زواجره (وأوصى فيمن معه) أي في حق من سار معه (وتابعه من المسلمين خيراً) أي بالخير والإحسان (ثم قال لهم) أي جميعهم (اغزوا بسم الله) أي مستعيناً به (في سبيل الله) أي طالبين لرضائه (قاتلوا من كفر) أي بالله، لا بغير حق سواه (لا تَغلُّوا) بضم الغين المعجمة، واللام المشددة، أي لا تخونوا في الغنيمة (ولا تغدروا) بكسر الدال المهملة، أي لا تنقضوا العهد بالخديعة (ولا تمثلوا) بضم المثلثة أي لا تقطعوا الأطراف من الأنف والأذن وغيرهما، من هما من الأصناف، فإنه لا منفعة فيها، بل يوجب زيادة الغيظ بسببها، والسلب بمثلها (ولا تقتلوا وليداً) أي مولوداً
ج ١ ص ٣٣٨صغيراً دون البلوغ، إذ أسره أولى، ونفعه للمسلمين أعلى، لا سيما إذا كان أعلى، إلا إذا كان سلطاناً، أو ولده، فإن في وجوده خوف الفتنة والفساد في عروض شهوده. والحديث رواه مسلم والأربعة، عن بريدة.
-
(وفي رواية) أي لأبي حنيفة، وكذا لأبي داود (شيخاً كبيراً) أي ممن لا يقدر، إلا أن يكون صاحب رأي، أو مدعي ملك.
-
وزاد أبو داود، ولا امرأة، وهي مقيدة بما تقدم، والله أعلم. (فإذا لقيتم عدوكم) أي أعداءكم من الكفار، ولو من أهل الكتاب (فادعوهم إلى الإسلام) أولاً، (فإن أبوا) أي امتنعوا (فادعوهم إلى إعطاء الجزية) أي إن كانوا من أهلها (فإن أبوا، فقاتلوهم) أي بأمره وكونه (فإذا حاصرتم أهل حصنٍ فأرادوكم) أي طلبوا منكم (أن تنزلوهم على حُكْمِ الله) أي فيهم من القتل والسبي والمن (فلا تفعلوا) أي فلا تقبلوا، فإنكم (لا تَدْرونَ ما حُكْمُ الله) أي بخصوصه في حقهم (ولكن انزلوا على حكمكم) أي كلكم أو بعضكم (ثم أحكموا فيهم عابداً بالأنفس) أي بما ظهر لكم من الرأي فيهم (فإن أرادوكم) أي حاولوكم (أن تعطوهم ذمة الله) أي عهده وأمانه خوفاً أن يعجزوا عن القيام بحقه (فأعطوهم ذممكم وذمم
ج ١ ص ٣٣٩آبائكم) الظاهر أن الواو بمعنى أو (فإنكم إن تخفروا) بضم التاء وكسر الفاء، أي أن تهتكوا (بذمتكم أهون) أي أخف (من أن تخفروا بذمة الله أن تخفروا في رقبتكم) .
-
وفي رواية (فإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، فلا تعطوهم ذمة الله، ولا ذمة رسوله. ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم أيسر، فإن ذمة الله وذمة رسوله في مقام التعظيم أكبر) .
-
- حديث الأذان
وبه: (عن علقمة، عن ابن بريدة، أن رجلاً من الأنصار) وهم المؤمنون من أهل المدينة (مر برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فرآه حزيناً) أي فرأى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم محزوناً (وكان الرجل) أي الأنصاري، من صفته وعادته وكرمه، وسخاوته (إذا أطعم) أي تغدى، أو تعشى (يجتمع إليه) بصيغة المجهول أي يحضر بعض الفقراء لديه، (فانطلق) أي فذهب الرجل إلى غير محله (حزيناً بما رأى من حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم الحاء وسكون الزاي، وبفتحتين، وبهما
ج ١ ص ٣٤٠قرأت في قوله سبحانه وتعالى {عَدُوَّاً وَحَزَناً} (١) (فترك طعامه) أي المهيأ له ولأصحابه كرامة (وما كان يجتمع إليه) من أهله وقرابته وفقراء جاره (ودخل مسجده) أي الكائن في محلته (يصلي) جملة حالية أو استئنافية (فبينما هو كذلك) أي حزيناً مصلياً (إذ نعس) أي في صلاته، أو بعد ما فرغ من مناجاته (فأتاه آت في النوم، فقال) : أي الآتي (هل علمت مما حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم) بكسر الزاي، أي وهو فعل لازم، بخلاف فتحها، فإنه متعد، ومضارع الأول مفتوح، والثاني مضموم، ومَنْ للتعليل، وما استفهامية، (قال) أي الرجل (لا) أي لا أعلم سببه، ولا أعرف موجبه (قال) أي الآتي (فهو) أي حزنه وهمه (لهذا التأذين) أي لأجل معرفته كيفية التأذين، وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة، للمصلي (فآتِهِ) أمر من الإتيان فأحضره (فمره أن يأمر بلالاً أن يؤذن) أي للناس في أوقاتها (فعلم الأذان) أي بجميع كلماته (الله اكبر الله أكبر، مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله، مرتين، أشهد ان محمداً رسول الله، مرتين) وفيه دلالة على عدم الترجيع، خلافاً للشافعي ومن تبعه، (حي على الصلاة، مرتين، حي على الفلاح، مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) أي مرة كما هو المستفاد من السكوت عن التكرار.
- ج ١ ص ٣٤١
- الإقامة مثل الأذان
(ثم علم الإقامة مثل ذلك) أي مثل الأذان الموصوف بالتكرار، وفيه دلالة على عدم إفراد الإقامة، خلافاً لما ذهب إليه الشافعي، وتبعه طائفة من أهل السنة والجماعة، (وقال في آخر ذلك) أي بعد حي على الفلاح فالمراد بآخره، ما قرب منه، (قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة) أي مرتين (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله كأذان الناس وإقامتهم) فيه إشارة إلى أن هذا الموصوف من الأذان والإقامة، كان في زمن الصحابة والتابعين الذين هم أفاضل الناس في مقام الاستيناس (فأقبل الأنصاري) أي فخرج من مسجده (فقعد على باب النبي صلى الله عليه وسلم) أي ينتظر خروجه عليه الصلاة والسلام ليذكر له ما رآه في المنام، أو يحصل له إذن بالدخول، وما يترتب عليه من الكلام (فمر أبو بكر رضي الله عنه) وأراد الدخول إليه صلى الله عليه وسلم (فقال) الأنصاري (استأذن لي) أي بالدخول (وقد رأى) أي والحال أن أبا بكر أيضاً قد رأى (مثل ذلك) أي مثل ما رأى الأنصاري في المنام، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ليكون من أن يتيقن في كل مرتبة من مراتب اليقين (ثم استأذن الأنصاري، فدخل، فأخبر بالذي رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أخبرنا أبو بكر مثل ذلك)
- ج ١ ص ٣٤٢
وقد روى أن جماعة من الصحابة تواردوا على ما رأى هنالك، (فأُمر بلالاً يؤذن بذلك) .
-
(وفي رواية: أن رجلاً من الأنصار، مر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه حزيناً) أي محزوناً، قد ظهر عليه آثاره من كثرة حزنه (وكان الرجل ذا طعام يغشى) أي الناس معه (فانصرف) أي عن طريق نية انقلب نيته عن أكله، لنفور طبيعته (لما رأى من حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي من آثار الحزن على طبيعته فترك طعامه، فدخل فوجده يصلي، لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ولعله مقتبس من قوله تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} (١) الآية (فبينما هو كذلك، إذ نعس، فأتاه آتٍ في النوم فقال له: أتدري ما حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أتعلم ما سبب حزنه (قال: لا قال: هو النداء) أي عدم معرفته لتفسير الأذان من ألفاظ الثناء والدعاء (فأمره بأن يأمر بلالاً، قال الرجل، فعلمه الأذان) أي هكذا (الله أكبر الله أكبر، مرتين) أي باعتبار الجملتين، وإلا فباعتبار كل جملة، تصير أربع مرات (أشهد ان لا إله إلا الله، مرتين وأشهد أن محمداً رسول الله، مرتين، حي على الصلاة، مرتين حي
ج ١ ص ٣٤٣على الفلاح، مرتين، الله أكبر، أي مرة، لا إله إلا الله) أي مرة (ثم علمه الإقامة، كذلك) أي مرتين (ثم قال في آخر ذلك) : أي قريباً من آخره، وهو بعد حي على الفلاح (قد قامت الصلاة، مرتين، كأذان الناس وإقامتهم) أي من غير زيادة ولا نقصان (فانتبه الأنصاري، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس الباب) أي باب بيته عليه الصلاة والسلام (فجاء أبو بكر فقال له الأنصاري: استأذن لي، فدخل أبو بكر، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر بمثل ذلك) أي بمثل ما رأى الأنصاري، لأنه قد رأى كذلك (ثم دخل الانصاري) أي بعد الاستيذان (فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي رأى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أخبرنا أبو بكر) هذا نظير قوله عليه الصلاة والسلام سبق عكاشة، (فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم: (مُرْ بِلاَلاً بمْثلِ ذَلِكَ) أي حتى يؤذن الناس في وقت، وضع لما هنالك.
-
والحديث رواه الدارقطني، بسند فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار عبد الله بن زيد، يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم كأن رجلاً نزل من السماء، عليه بردان أخضران، نزل على حائط من المدينة، فأذن مثنى، ثم جلس، قال: علمها بلالاً، فقال عمر: رأيت مثل الذي، ولكنه سبقني.
-
قال ابن الهمام، وعبد الرحمن، لم يسمع من معاذ، فإنه ولد لست بقين من
ج ١ ص ٣٤٤خلافة عمر، فيكون سنه سبع عشرة سنة من الهجرة، ومعاذ توفي سنة تسع عشرة من الهجرة أو ثماني عشرة، وهذا حجة عندنا بعد ثقة الرواة.
-
ولأبي داود، وابن خزيمة، بسند متصل، نحوه، وقال الترمذي في علله الكبير: سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو عندي صحيح.
-
هذا وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بسند قال في الإمام: رجاله رجال الصحيحين، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أن عبد الله بن زيد الأنصاري، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني رأيت في المنام كأن رجلاً قام عليه بردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى.
قال الطحاوي: تواترت الآثار عن بلال أنه كان يثني الإقامة حتى مات، وعن إبراهيم النخعي، كانت الإقامة مثل الأذان، حتى كاد هؤلاء الملوك. فجعلوها واحدة، لسرعة إذا أخرجوا، يعني بني أمية، كما قال أبو الفرج بن الجوزي، كان الأذان مثنى مثنى، والإقامة كذلك، فلما قام بنو أمية، أفردوا الإقامة.
-
واستدل الشافعي على إفرادها في البخاري؛ أن بلالاً يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة.
-
وفي رواية متفق عليها، بذكر الاستثناء. فأخذ بها مالك، ولا يخفي؛ إنما روينا أقوى، فإنه نص على العدد، على وجه الحكاية، كلمات الأذان، فانقطع الاحتمال بالكلية، بخلاف أمر أن يوتر الإقامة، فإن بعد كون الأمر أهون، أمدح، فالإقامة اسم لمجموع الذكر، والله اعلم.