[باب تحلل المحصر عن العمرة بالنحر ثم الحلق حيث أحصر من حل أو حرم]
١٩ فقرة، ج ٥ ص ١١١
- ج ٥ ص ١١١
وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ إلَى الْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضِيَ شَيْئًا، وَلَا يَعُودُوا لَهُ، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجُ الْحَرَمِ كُلُّ هَذَا كَلَامُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُهُ: (فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقَدِّمُ النَّحْرَ عَلَى الْحَلْقِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ وَجَامَعَ نِسَاءَهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ» ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ إنَّمَا هُوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ وُجُوبِ الدَّمِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ.
-
قَوْلُهُ: (إنَّمَا الْبَدَلُ) . . . إلَخْ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ: أَيْ: الْقَضَاءُ لِمَا أُحْصِرَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَقَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّ عَلَى الْمُحْصَرِ الْقَضَاءَ إجْمَاعًا فِي الْفَرْضِ الْعِتْرَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَذَا فِي النَّفْلِ انْتَهَى وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَاحْتَجَّ الْمُوجِبُونَ لِلْقَضَاءِ بِحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو السَّالِفِ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَبِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْآثَارِ وَقَالَ الَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوا الْقَضَاءَ: لَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءَ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَدَمَ قَالُوا: ثَانِيًا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ.
-
وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذَا انْفَرَدَ فَكَيْفَ إذَا عَارَضَ الْمَرْفُوعَ؟ قَالُوا: ثَالِثًا لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدًا مِمَّنْ أُحْصِرَ مَعَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ بِأَنْ يَقْضِيَ وَلَوْ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ:
ج ٥ ص ١١٢. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَالْقَضِيَّةِ لِلْمُقَاضَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، لَا عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ تِلْكَ الْعُمْرَةِ وَهَذَا الدَّلِيلُ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَعْتَمِرُوا فَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ قُتِلَ بِخَيْبَرَ أَوْ مَاتَ وَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مَعَهُ مُعْتَمِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْحُدَيْبِيَةَ فَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ أَلْفَيْنِ»
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا إنْ صَحَّ وَبَيْنَ الَّذِي قَبْلَهُ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَازِمٌ بِأَنَّ جَمَاعَةً تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً، وَلَكِنْ كَانَ شَرْطًا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَعْتَمِرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قَابِلٍ فِي الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ انْتَهَى وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ تَرْكَ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْتَهِضُ لِمُعَارِضَةِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْأَمْرُ رُبَّمَا كَانَ لَعِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَحَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاحِدٌ بَقِيَ هَاهُنَا شَيْءٌ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ (وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ) . وَقَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ حِجَّةٌ أُخْرَى) يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَأْدِيَةَ الْحَجِّ الْمَفْرُوضِ أَوْ مَا كَانَ يُرِيدُ أَدَاءَهُ فِي عَامِ الْإِحْصَارِ لَا أَنَّهُ الْقَضَاءُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مَا يُوجِبُهُ، بَلْ غَايَةُ مَا هُنَاكَ أَنَّهُ مَنَعَهُ عَنْ تَأْدِيَةِ مَا أَرَادَ فِعْلَهُ مَانِعٌ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ عُرُوضِ الْمَانِعِ وَتَعْيِينُ الْعَامُ الْقَابِلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ.
-
قَوْلُهُ: (بِالتَّلَذُّذِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الْجِمَاعُ قَوْلُهُ: (فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ) هَكَذَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ عَدُوٌّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَالْوَاوِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي ذَرٍّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَرَوَاهُ الْأَكْثَرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءُ مَكَانِ الْوَاوِ الْمُحْصِرُ قَوْلُهُ: (نَحَرَهُ) قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي مَحَلِّ نَحْرِ الْهَدْيِ لِلْمُحْصَرِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَذْبَحُ الْمُحْصَرُ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَذْبَحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مِنْهُمْ الْهَادِي وَفَصَّلَ آخَرُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ قَالَ: وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ نَحَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَكَانَ عَطَاءُ يَقُولُ: لَمْ يَنْحَرْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَوَافَقَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي: إنَّمَا نَحَرَ فِي الْحِلِّ. .
-
١ -
فَائِدَةٌ: لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ هَذَا زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ الْمَوْطِنُ الَّذِي يَحْسُنُ ذِكْرُهَا فِيهِ كِتَابَ الْجَنَائِزِ، وَلَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تُفْعَلُ فِي سَفَرِ الْحَجِّ فِي الْغَالِبِ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فَأَحْبَبْنَا ذِكْرَهَا هَاهُنَا تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ
ج ٥ ص ١١٣. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَذَهَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ حَفِيدُ الْمُصَنِّفِ الْمَعْرُوفُ بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْجُوَيْنِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ كَمَا سَيَأْتِي
احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} [النساء: ٦٤] الْآيَةَ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ» وَقَدْ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ جُزْءًا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ انْتَهَى وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ كَانَ الْمَجِيءُ إلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْمَجِيءِ إلَيْهِ قَبْلَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَرَدَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَتْرُكُونَ قُبُورَهُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
-
وَرُوِيَ فَوْقَ أَرْبَعِينَ، فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ قَدَحَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ وَيُعَارِضُ الْقَوْلَ بِدَوَامِ حَيَاتِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تُرَدُّ إلَيْهِ رُوحُهُ عِنْدَ التَّسْلِيمِ عَلَيْهِ، نَعَمْ حَدِيثُ «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» الَّذِي سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ صَحَّ فَهُوَ الْحُجَّةُ فِي الْمَقَامِ وَاسْتَدَلُّوا ثَانِيًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: ١٠٠] الْآيَةَ، وَالْهِجْرَةُ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ الْوُصُولُ إلَى حَضْرَتِهِ كَذَلِكَ الْوُصُولُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الْوُصُولَ إلَى حَضْرَتِهِ فِي حَيَاتِهِ فِيهِ فَوَائِدٌ لَا تُوجَدُ فِي الْوُصُولِ إلَى حَضْرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهَا النَّظَرُ إلَى ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ وَتَعَلُّمُ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مِنْهُ وَالْجِهَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
-
وَاسْتَدَلُّوا ثَالِثًا بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَلَى الْعُمُومِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ دُخُولًا أَوَّلِيًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْجَنَائِزِ وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زِيَارَتِهَا وَمِنْهَا أَحَادِيثُ خَاصَّةٌ بِزِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ حَاطِبٍ عَنْ حَاطِبٍ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي إسْنَادِهِ الرَّجُلُ الْمَجْهُولُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي كَامِلِهِ وَفِي إسْنَادِهِ حَفْصُ بْنُ أَبِي دَاوُد وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَحْمَدُ فِيهِ: إنَّهُ صَالِحٌ وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُهُ قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي طَرِيقِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ مِثْلُهُ وَفِي إسْنَادِهِ فَضَالَةُ بْنُ سَعْدٍ الْمَازِنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظِ: «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» وَفِي إسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ هِلَالٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَجْهُولٌ: أَيْ: الْعَدَالَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ: إنْ صَحَّ الْخَبَرَ
ج ٥ ص ١١٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ مِنْ إسْنَادِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ حَدِيثُ مُوسَى وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ وَأَيْضًا قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مَسْلَمَةُ بْنُ سَالِمٍ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَمُوسَى بْنُ هِلَالٍ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ وَجَزَمَ الضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيَّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عَسَاكِرَ بِأَنَّ مُوسَى رَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُكَبِّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَكِنَّهُ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا بَأْسَ بِهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِآخَرَ وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ السَّكَنِ وَعَبْدُ الْحَقِّ وَتَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْنِ حِبَّانَ فِي تَرْجَمَةِ النُّعْمَانِ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَفِي إسْنَادِهِ النُّعْمَانُ بْنُ شِبْلٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَوَثَّقَهُ عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الطَّعْنُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ابْنِ النُّعْمَانِ لَا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ وَفِي إسْنَادِهِ إبْرَاهِيمُ الْغِفَارِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا بِلَفْظِ: «مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي إسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ زَيْدٍ الْكَعْبِيُّ ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَعَنْ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ بِنَحْوِهِ، وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيِّ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ وَزَارَ قَبْرِي وَغَزَا غَزْوَةً وَصَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَسْأَلْهُ اللَّهُ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِ حَاطِبٍ الْمُتَقَدِّمِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ بِنَحْوِهِ وَعَنْهُ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ بِلَفْظِ: «مَنْ حَجَّ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ قَصَدَنِي فِي مَسْجِدِي كُتِبَتْ لَهُ حِجَّتَانِ مَبْرُورَتَانِ» .
-
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ مَنْ زَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي جِوَارِهِ وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْبَرَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -» .
-
وَبِهَذَا الْحَدِيثِ صَدَّرَ الْبَيْهَقِيُّ الْبَابَ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُسَلِّمِ عَلَيْهِ عَلَى قَبْرِهِ، بَلْ ظَاهِرُهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ الْحَافِظُ أَيْضًا: أَكْثَرُ مُتُونِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَوْضُوعَةٌ وَقَدْ رُوِيَتْ زِيَارَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ بِلَالٌ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ عُمَرَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ، وَأَبُو أَيُّوبَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَأَنَسٍ ذَكَرَهُ عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ، وَعُمَرُ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ شَدَّ الرَّحْلَ لِذَلِكَ إلَّا عَنْ بِلَالٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِدَارِيَّا يَقُولُ لَهُ: «مَا هَذِهِ الْجَفْوَةُ يَا بِلَالُ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنِي» رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ
ج ٥ ص ١١٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالُوا: وَالْجَفَاءُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحَرَّمٌ، فَتَجِبُ الزِّيَارَةُ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْمُحَرَّمِ وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْجَفَاءَ يُقَالُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ كَمَا فِي تَرْكِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَعَلَى غِلَظِ الطَّبْعِ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَنْ بَدَا فَقَدْ جَفَا» وَأَيْضًا الْحَدِيثُ عَلَى انْفِرَادِهِ مِمَّا لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ لِمَا سَلَفَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ بِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَحَدِيثُ «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شَدِّ الرَّحْلِ لِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ كَالذَّهَابِ إلَى قُبُورِ الصَّالِحِينَ وَإِلَى الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ، فَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ إلَى حُرْمَتِهِ، وَأَشَارَ عِيَاضٌ إلَى اخْتِيَارِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ قَالُوا: وَالْمُرَادُ أَنَّ الْفَضِيلَةَ الثَّابِتَةَ إنَّمَا هِيَ شَدُّ الرَّحْلِ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ خَاصَّةً انْتَهَى. وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ حَدِيثِ شَدِّ الرَّحْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ فِيهِ إضَافِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْمَسَاجِدِ لَا حَقِيقِيٌّ
قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «لَا يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ يُشَدَّ رِحَالُهَا إلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلَاةُ غَيْرِ مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» فَالزِّيَارَةُ وَغَيْرُهَا خَارِجَةٌ عَنْ النَّهْيِ وَأَجَابُوا ثَانِيًا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَالِ لِلتِّجَارَةِ وَسَائِرِ مَطَالِبِ الدُّنْيَا.
-
وَعَلَى وُجُوبِهِ إلَى عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ وَإِلَى مِنًى لِلْمَنَاسِكِ الَّتِي فِيهَا، وَإِلَى مُزْدَلِفَةَ، وَإِلَى الْجِهَادِ، وَالْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا» بِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَثِّ عَلَى كَثْرَةِ الزِّيَارَةِ لَا عَلَى مَنْعِهَا، وَأَنَّهُ لَا يُهْمَلُ حَتَّى لَا يُزَارَ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَالْعِيدَيْنِ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» أَيْ: لَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ فِيهَا كَذَا قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَتَّخِذُوا لَهَا وَقْتًا مَخْصُوصًا لَا تَكُونُ الزِّيَارَةُ إلَّا فِيهِ، أَوْ لَا تَتَّخِذُوهُ كَالْعِيدِ فِي الْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَإِظْهَارِ الزِّينَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلَّهْوِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْأَعْيَادِ بَلْ لَا يُؤْتَى إلَّا لِلزِّيَارَةِ وَالدُّعَاءِ وَالسَّلَامِ وَالصَّلَاةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ وَأُجِيبَ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ بِكَرَاهَةِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَقِيلَ: إنَّمَا كَرِهَ إطْلَاقَ لَفْظِ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مَنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهَا، وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ السُّنَنِ الْوَاجِبَةِ، كَذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَاحْتَجَّ أَيْضًا مَنْ قَالَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ دَأْبُ الْمُسْلِمِينَ الْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ عَلَى تَبَايُنِ الدِّيَارِ وَاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ الْوُصُولَ إلَى الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ لِقَصْدِ زِيَارَتِهِ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ
ج ٥ ص ١١٦أَبْوَابُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا بَابٌ فِي إشْعَارِ الْبُدْنِ وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ كُلِّهِ
ــ
[نيل الأوطار]
-
إجْمَاعًا.