[باب إيجاب القصاص بالقتل العمد وأن مستحقه بالخيار بينه وبين الدية]

٢٣ فقرة، ج ٧ ص ١٠

  1. عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ) .

    ج ٧ ص ١٠
  2. ٢٩٩٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إلَّا مَنْ زَنَى بَعْدَ مَا أَحْصَنَ أَوْ كَفَرَ بَعْدَ مَا أَسْلَمَ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا فَقُتِلَ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَمُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ وَفِي لَفْظٍ: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إلَّا فِي إحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٍ فَيُرْجَمُ وَرَجُلٍ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدَا وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْضِ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ)

  3. ــ

    [نيل الأوطار]

  4. [كِتَابُ الدِّمَاءِ] [بَابُ إيجَابِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ وَأَنَّ مُسْتَحِقَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّيَةِ]

  5. حَدِيثُ عَائِشَةَ بِاللَّفْظِ الْآخَرِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. قَوْلُهُ: (امْرِئٍ مُسْلِمٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَحِلّ دَمُهُ لِغَيْرِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّ التَّوْصِيفَ بِالْمُسْلِمِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْكَافِرَ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ إلَى عَدَمِ حِلِّ دَمِهِ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. . . إلَخْ) هَذَا وَصْفٌ كَاشِفٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا إلَّا إذَا كَانَ يَشْهَدُ تِلْكَ الشَّهَادَةَ. قَوْلُهُ: «إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ» مَفْهُومُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثِ. وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ بِغَيْرِهَا فَيَكُونُ عُمُومُ هَذَا الْمَفْهُومِ مُخَصَّصًا بِمَا وَرَدَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ دَمُ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: «الثَّيِّبُ الزَّانِي» هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: «وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ» الْمُرَادُ بِهِ الْقِصَاصُ.

  6. وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَالرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَالْمُسْلِمُ

    ج ٧ ص ١١٢٩٩٧ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَفْتَدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ لَكِنَّ لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ: " إمَّا أَنْ يَعْفُوَ وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ " )

  7. ــ

    [نيل الأوطار]

  8. بِالْكَافِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُمُومِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْخِلَافِ وَمَا هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ.

  9. قَوْلُهُ: (وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الرِّدَّةَ مِنْ مُوجِبَاتِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ كَانَتْ، وَالْمُرَادُ بِمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَةِ: مُفَارَقَةُ جَمَاعَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِالْكُفْرِ لَا بِالْبَغْيِ وَالِابْتِدَاعِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلْجَمَاعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ تَرْكٌ لِلدِّينِ، إذْ الْمُرَادُ التَّرْكُ الْكُلِّيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ لَا مُجَرَّدُ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّرْكِ وَإِنْ كَانَ لِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الدِّينِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْعَاصِي بِتَرْكِ أَيِّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْإِسْلَامِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ الْبَاغِي وَنَحْوِهِ دَفْعًا لَا قَصْدًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ، فَيَجُوزُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ بَغَى عَلَيْهِ مُرِيدًا لِقَتْلِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، بَلْ الْمُرَادُ بِالتَّرْكِ لِلدِّينِ وَالْمُفَارَقَةِ لِلْجَمَاعَةِ الْكُفْرُ فَقَطْ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «أَوْ كَفَرَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «أَوْ رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ» . قَوْلُهُ: (يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: " مُسْلِمٍ " بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَالِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ كَافِرًا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ امْرُؤٌ مُسْلِمٌ.

  10. قَوْلُهُ: (فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى) هَذِهِ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ أَوَائِلهَا مَضْمُومَةٌ مَبْنِيَّةٌ لِلْمَجْهُولِ.

  11. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ بِمَنْ كَفَرَ وَحَارَبَ أَيُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: " وَرَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ " الْمُحَارِبُ، وَوَصَفَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ الْإِسْلَامِ لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى تَعْقِيبُ الْخُرُوجِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ: " فَيُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ الْكُفْرِ يُوجِبُ الْقَتْلَ وَإِنْ لَمْ يَنْضَمّ إلَيْهِ الْمُحَارَبَةُ وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا ذِكْرُ حَدِّ الْمُحَارِبِ عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " فَيُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْضِ " فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي حَقِّ الْمُحَارِبِينَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة: ٣٣] .

  12. ٢٩٩٨ - وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ وَالْخَبْلُ: الْجِرَاحُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ: إمَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ أَوْ يَعْفُوَ فَإِنْ أَرَادَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ

    ٢٩٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: ١٧٨] الْآيَةُ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: ١٧٨] قَالَ: فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ فِي الْعَمْدِ الدِّيَةَ وَالِاتِّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ يَتْبَعُ الطَّالِبُ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّي إلَيْهِ الْمَطْلُوبُ بِإِحْسَانٍ {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: ١٧٨] فِيمَا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ

    ــ

    [نيل الأوطار]

    ج ٧ ص ١٢
  13. حَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُعَنْعَنًا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالتَّدْلِيسِ، فَإِذَا عَنْعَنَ ضَعُفَ حَدِيثُهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيُّ، قَالَ أَبُو حَاتِمِ الرَّازِيّ: لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ النَّسَائِيّ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ كَمَا فِي حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ. وَأَبُو شُرَيْحٍ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، وَيُقَالُ: هَانِئٌ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ.

  14. قَوْلُهُ: (بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَفْتَدِيَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْأَهْلِ الَّذِينَ هُمْ الْوَارِثُونَ لِلْقَتِيلِ سَوَاءً كَانُوا يَرِثُونَهُ بِسَبَبٍ أَوْ نَسَبٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْعِتْرَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ: يَخْتَصّ بِالْعَصَبَةِ إذْ شُرِعَ لِنَفْيِ الْعَارِ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، فَإِنْ عَفَوْا فَالدِّيَةُ كَالتَّرِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: يَخْتَصُّ بِالْوَرَثَةِ مِنْ النَّسَبِ إذْ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي، وَالزَّوْجِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ فَلَا تَشَفِّيَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ شُرِعَ لِحِفْظِ الدِّمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: ١٧٩] وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ وَاجِبَانِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالنَّاصِرُ وَأَبُو حَامِدٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَالنَّاصِرُ وَالدَّاعِي وَالطَّبَرِيُّ: إنَّ الْوَاجِبَ بِالْقَتْلِ هُوَ الْقِصَاصُ لَا الدِّيَةُ، فَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ اخْتِيَارُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨] وَلَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ.

  15. وَيُجَابُ بِأَنَّ عَدَمَ الذِّكْرِ فِي الْآيَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الذِّكْرِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الدِّيَةَ قَدْ ذُكِرَتْ فِي حَدِيثَيْ

    ج ٧ ص ١٣بَابُ مَا جَاءَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَالتَّشْدِيدُ فِي قَتْلِ الذِّمِّيّ وَمَا جَاءَ فِي الْحُرِّ بِالْعَبْدِ

    ٣٠٠٠ - (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ الْوَحْيِ مَا لَيْسَ

    ــ

    [نيل الأوطار]

  16. الْبَابِ. وَأَيْضًا تَقْدِيرُ الْآيَةِ فَمَنْ اقْتَصَّ فَالْحُرُّ بِالْحُرِّ، وَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَالدِّيَةُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ لَمْ تَسْقُطْ الدِّيَةُ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ تَسْلِيمُهَا.

  17. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ لَهُ وَالْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ فِي قَوْلٍ لَهُ أَيْضًا أَنَّهَا تَتْبَعُ الْقِصَاصَ فِي السُّقُوطِ، وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ السُّقُوطِ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: ١٧٨] وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالسُّقُوطِ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْإِحْسَانَ التَّفَضُّلُ لَا الْوُجُوبُ، كَمَا تَقْتَضِيهِ الْعِبَارَةُ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَقْتَضِي الْعِقَابَ عَلَى التَّرْكِ، وَالْمَعْرُوفُ وَالْإِحْسَانُ لَا يَقْتَضِيَانِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: ١٧٨] وَرُدَّ بِأَنَّ التَّخْفِيفَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ هُوَ الْقِصَاصُ فَقَطْ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَوْسَعُ وَأَخَفُّ مِنْ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ.

  18. وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ سُقُوطِ الدِّيَةِ بِسُقُوطِ الْقِصَاصِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ الْمَذْكُورَانِ. وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ: «مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا أُسْلِمَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» وَفِي الْكَشَّافِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا لَفْظُهُ: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} فَلْيَكُنْ اتِّبَاعٌ أَوْ فَالْأَمْرُ اتِّبَاعٌ وَهَذِهِ تَوْصِيَةٌ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَالْعَافِي جَمِيعًا، يَعْنِي فَلْيَتْبَعْ الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ بِالْمَعْرُوفِ بِأَنْ لَا يُعَنِّفَ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يُطَالِبَهُ إلَّا مُطَالَبَةً جَمِيلَةً وَلْيُؤَدِّ إلَيْهِ الْقَاتِلُ بَدَلَ دَمِ الْمَقْتُولِ أَدَاءً بِإِحْسَانٍ بِأَنْ لَا يَمْطُلَهُ وَلَا يَبْخَسَهُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْعَفْوِ وَالدِّيَةُ {تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} لِأَنَّ أَهْلَ التَّوْرَاةِ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ أَلْبَتَّةَ وَحُرِّمَ الْعَفْوُ وَأَخْذُ الدِّيَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ الْعَفْوُ وَحُرِّمَ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، وَخُيِّرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بَيْنَ الثَّلَاثِ: الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ وَالْعَفْوُ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ وَتَيْسِيرًا انْتَهَى.

  19. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ " فَإِنْ أَرَادَ رَابِعَةً فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ " أَيْ إذَا أَرَادَ زِيَادَةً عَلَى الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ أَوْ الْعَفْوِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: ١٧٨] .

  20. فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ)

    ج ٧ ص ١٤
  21. ٣٠٠١ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَخْذِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ

    ٣٠٠٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنْ «لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد حَدِيثُ عَلِيٍّ الْآخَرِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

  22. ٣٠٠٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ

    ٣٠٠٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً لَهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَة أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.

  23. ــ

    [نيل الأوطار]