[باب قتال الخوارج وأهل البغي]
٧٤ فقرة، ج ٧ ص ١٨٧
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٧ ص ١٩٥
قَوْلُهُ: (أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ اللَّحْمِ. قَوْلُهُ: (تَدَرْدَرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ، وَأَصْلُهُ تَتَدَرْدَرُ وَمَعْنَاهُ تَتَحَرَّك وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ، وَأَصْلُهُ حِكَايَةُ صَوْتِ الْمَاءِ فِي بَطْنِ الْوَادِي إذَا تَدَافَعَ. قَوْلُهُ: (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ) فِي كَثِيرٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ " حِينَ فُرْقَةٍ " بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ: " عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ: " حِينَ فَتْرَةٍ مِنْ النَّاسِ " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمَيْهَنِيِّ " خَيْرِ فِرْقَةٍ " بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَفِرْقَةٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُعْتَمَدَةُ.
-
قَوْلُهُ: ( " فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاتَلَهُمْ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: " وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ " نَسَبَ الْقَتْلَ إلَى عَلِيٍّ لِكَوْنِهِ كَانَ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِذُهَيْبَةٍ) بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ تَصْغِيرُ ذَهَبَةٍ. قَوْلُهُ: (وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيُّ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ. قَوْلُهُ: (صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ) جَمْعُ صِنْدِيدٍ: وَهُوَ الشُّجَاعُ أَوْ الْحَلِيمُ أَوْ الْجَوَادُ أَوْ الشَّرِيفُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ. قَوْلُهُ: (غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّ عَيْنَيْهِ مُنْحَدِرَتَانِ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمُعْتَادِ، وَوَجْنَتَيْهِ مُشْرِفَتَانِ: أَيْ مُرْتَفِعَتَانِ عَنْ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ وَجَبِينَهُ نَاتِئٌ أَيْ بَارِزٌ. قَوْلُهُ: (مَحْلُوقٌ) أَيْ رَأْسُهُ جَمِيعُهُ مَحْلُوقٌ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الرُّءُوسِ مِنْ عَلَامَاتِ الْخَوَارِجِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالطَّبَرَانِيِّ بِلَفْظِ: " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: التَّحْلِيقُ ".
-
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ: " فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَامَةٌ؟ قَالَ: يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ ".
-
قَوْلُهُ: (مِنْ ضِئْضِئٍ) بِضَادَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الضِّئْضِئُ كَجِرْجِرٍ وَجِرْجِيرٍ وَالضُّؤْضُؤُ كَهُدْهُدٍ وَسُرْسُورٍ: الْأَصْلُ وَالْمَعْدِنُ أَوْ كَثْرَةُ النَّسْلِ وَبَرَكَتُهُ انْتَهَى. قَوْلُهُ: (أَوْلَاهُمَا بِالْحَقِّ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ هُمْ الْمُحِقُّونَ، وَمُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُمْ هُمْ الْمُبْطِلُونَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَمْتَرِي فِيهِ مُنْصِفٌ وَلَا يَأْبَاهُ إلَّا مُكَابِرٌ مُتَعَسِّفٌ، وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ. وَحَدِيثُ " يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ " وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ.
-
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْخَوَارِجِ أَحَادِيثُ. مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ يَرْفَعُهُ: «إنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَنِيمُوهُمْ» أَيْ اُقْتُلُوهُمْ.
-
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو يَعْلَى أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ قَالَ: " قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: مَنْ قَتَلَ الْمُخْدَجَ؟ قُلْت: عَلِيٌّ، قَالَتْ: فَأَيْنَ؟ قُلْت: عَلَى نَهْرٍ يُقَالُ لِأَسْفَلِهِ النَّهْرَوَانُ،
ج ٧ ص ١٩٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَتْ: ائْتِنِي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، فَأَتَيْتهَا بِخَمْسِينَ نَفْسًا فَشَهِدُوا أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُ بِالنَّهْرَوَانِ ".
-
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ عَمَّارٌ لِسَعْدٍ: أَمَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ» .
-
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ مِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: " كَانَ أَهْلُ النَّهْرَوَانُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَى تِسْعَةٍ، فَإِنْ شِئْت فَاذْهَبْ إلَى أَبِي بَرْزَةَ فَسَلْهُ فَإِنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ ". وَأَخْرَجَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَتَيْت أَبَا وَائِلٍ فَقُلْت: أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ فِيمَ فَارَقُوهُ وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ قَالَ: لَمَّا كَانَ بِصِفِّينَ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَرَفَعُوا الْمَصَاحِفَ، فَذَكَرَ قِصَّةَ التَّحْكِيمِ، فَقَالَ الْخَوَارِجُ مَا قَالُوا وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ فَرَجَعُوا ثُمَّ قَالُوا: نَكُونُ فِي نَاحِيَةٍ، فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ قَاتَلْنَاهُ، وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ افْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ، فَحَدَّثَ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَمْرِهِمْ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ مَرْجِعَهُ مِنْ الْعِرَاقِ لَيَالِيَ قَتْلِ عَلِيٍّ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: تُحَدِّثنِي عَنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ، قَالَ: إنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: انْسَلَخْت مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ، وَمِنْ اسْمٍ سَمَّاك اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ حَكَّمْت الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا، فَجَمَعَ النَّاسَ فَدَعَا بِمُصْحَفٍ عَظِيمٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ أَيُّهَا الْمُصْحَفُ حَدِّثْ النَّاسَ، فَقَالُوا: مَاذَا تَسْأَلُ إنَّمَا هُوَ مِدَادٌ وَوَرَقٌ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رَوَيْنَا مِنْهُ، فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: ٣٥] الْآيَةَ. وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ أَعْظَمُ مِنْ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْت مُعَاوِيَةَ وَقَدْ كَاتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ ابْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْكَوَّاءِ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إلَى الْآخَرِينَ أَنْ يَرْجِعُوا فَأَبَوْا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: كُونُوا حَيْثُ شِئْتُمْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا، وَلَا تَقْطَعُوا سَبِيلًا، وَلَا تَظْلِمُوا أَحَدًا، فَإِنْ فَعَلْتُمْ نَبَذْت إلَيْكُمْ الْحَرْبَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: فَوَاَللَّهِ مَا قَتَلَهُمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ وَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ "
-
الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ فِي الْخَصَائِصِ صِفَةَ مُنَاظَرَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُمْ بِطُولِهَا.
-
وَفِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: " لَمَّا فَارَقَتْ الْخَوَارِجُ عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ، فَانْتَهَيْنَا
ج ٧ ص ١٩٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
إلَى عَسْكَرِهِمْ فَإِذَا لَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا فِيهِمْ أَصْحَابُ الْبَرَانِسِ: يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ شِدَّةٌ، فَنَزَلْت عَنْ فَرَسِي وَقُمْت أُصَلِّي، وَقُلْت: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ فِي قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَك طَاعَةٌ فَأْذَنْ لِي فِيهِ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ لَمَّا حَاذَانِي: تَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّكِّ يَا جُنْدُبُ، فَلَمَّا جِئْته أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَى بِرْذَوْنٍ يَقُولُ: إنْ كَانَ لَك بِالْقَوْمِ حَاجَةٌ فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا النَّهْرَ، قَالَ: مَا قَطَعُوهُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ كَذَلِكَ، قَالَ: لَا مَا قَطَعُوهُ وَلَا يَقْطَعُونَهُ، وَلَيُقْتَلُنَّ مِنْ دُونِهِ عَهْدٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قُلْت: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ رَكِبْنَا فَسَايَرْته فَقَالَ لِي: سَأَبْعَثُ إلَيْهِمْ رَجُلًا يَقْرَأُ الْمُصْحَفَ يَدْعُوهُمْ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ فَلَا يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَرْشُقُوهُ بِالنَّبْلِ وَلَا يُقْتَلُ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ عَشَرَةٌ. قَالَ: فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَوْمِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ رَجُلًا فَرَمَاهُ إنْسَانٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَعَدَ. وَقَالَ عَلِيٌّ: دُونَكُمْ الْقَوْمَ، فَمَا قُتِلَ مِنَّا عَشَرَةٌ وَلَا نَجَا مِنْهُمْ عَشَرَةٌ ".
-
وَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: لَحِقْت بِأَهْلِ النَّهْرَوَانُ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَسِيرًا إذْ أَتَيْنَا عَلَى قَرْيَةٍ بَيْنَنَا نَهْرٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ الْقَرْيَةِ مُرَوَّعًا فَقَالُوا لَهُ: لَا رَوْعَ عَلَيْك، وَقَطَعُوا إلَيْهِ النَّهْرَ فَقَالُوا: أَنْتَ ابْنُ خَبَّابُ بْنِ الْأَرَتِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: نَعَمْ قَالُوا: فَحَدِّثْنَا عَنْ أَبِيك، فَحَدَّثَهُمْ بِحَدِيثِ «تَكُونُ فِتْنَةٌ فَإِنْ اسْتَطَعْت أَنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ فَكُنْ» فَقَدَّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ ثُمَّ دَعَوْا سُرِّيَّتَهُ وَهِيَ حُبْلَى فَبَقَرُوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا. وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْدَءُوهُمْ بِقِتَالٍ حَتَّى يُحْدِثُوا حَدَثًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابُ فَذَكَرَ قَتْلَهُمْ لَهُ وَلِجَارِيَتِهِ وَأَنَّهُمْ بَقَرُوا بَطْنَهَا، وَكَانُوا مَرُّوا عَلَى سَاقِيَةٍ فَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهَا تَمْرَةً فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ، فَقَالُوا: لَهُ تَمْرَةُ مُعَاهَدٍ فَبِمَ اسْتَحْلَلْتهَا؟ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابُ: أَنَا أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ هَذِهِ التَّمْرَةِ، فَأَخَذُوهُ فَذَبَحُوهُ فَبَلَغَ عَلِيًّا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ: أَقِيدُونَا بِقَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابُ، فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَهُ، فَأَذِنَ حِينَئِذٍ فِي قِتَالِهِمْ
وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلِيًّا سَارَ إلَيْهِمْ حَتَّى إذَا كَانَ حِذَاءَهُمْ عَلَى شَطِّ النَّهْرَوَانُ أَرْسَلَ يُنَاشِدُهُمْ فَلَمْ تَزَلْ رُسُلُهُ تَخْتَلِفُ إلَيْهِمْ حَتَّى قَتَلُوا رَسُولَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَهَضَ إلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ.
-
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قِصَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِالْخَوَارِجِ فِيهَا مَا يُخَالِفُ مَا أَسْلَفْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «جَاءَ أَبُو بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مَرَرْت بَوَادِي كَذَا، فَإِذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ مُتَخَشِّعٌ يُصَلِّي فِيهِ، فَقَالَ اذْهَبْ إلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ: فَذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا رَآهُ يُصَلِّي كَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ
ج ٧ ص ١٩٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَا يَعُودُونَ فِيهِ فَاقْتُلُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ» . قَالَ الْحَافِظُ: بَعْدَ أَنْ قَالَ إنَّ إسْنَادَهُ جَيِّدٌ: لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّجُلُ هُوَ الْأَوَّلَ وَكَانَتْ قِصَّةُ هَذِهِ الثَّانِيَةُ مُتَرَاخِيَةً عَنْ الْأُولَى، وَأَذِنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِهِ بَعْدَ أَنْ مَنَعَ لِزَوَالِ عِلَّةِ الْمَنْعِ وَهِيَ التَّآلُفُ، وَكَأَنَّهُ اسْتَغْنَى عَنْهُ بَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَى النِّفَاقِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ تَمَسَّكَا بِالنَّهْيِ الْأَوَّلِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ وَحَمَلَا الْأَمْرَ هُنَا عَلَى قَيْدِ أَنْ يَكُونَ لَا يُصَلِّي فَلِذَلِكَ عَلَّلَا عَدَمَ الْقَتْلِ بِوُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ غَلَّبَا جَانِبَ النَّهْيِ.
-
١ -
وَفِي أَحَادِيثِ الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفِّ عَنْ قَتْلِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْخُرُوجَ عَلَى الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْصِبْ لِذَلِكَ حَرْبًا أَوْ يَسْتَعِدَّ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ " وَقَدْ حَكَى الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَكْفُرُ بِاعْتِقَادِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ " وَلِقَوْلِهِ: " لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ " وَفِي لَفْظٍ " ثَمُودَ " وَكُلٌّ إنَّمَا هَلَكَ بِالْكُفْرِ وَلِقَوْلِهِ: " هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ " وَلَا يُوصَفُ بِذَلِكَ إلَّا الْكُفَّارُ وَلِقَوْلِهِ: " إنَّهُمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى " وَلِحُكْمِهِمْ عَلَى كُلِّ مَنْ خَالَفَ مُعْتَقَدَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ فَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِالِاسْمِ مِنْهُمْ، وَمِمَّنْ جَنَحَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ فِي فَتَاوِيهِ: احْتَجَّ مَنْ كَفَّرَ الْخَوَارِجَ وَغُلَاةَ الرَّوَافِضِ بِتَكْفِيرِهِمْ أَعْلَامَ الصَّحَابَةِ لِتَضَمُّنِهِ تَكْذِيبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَهَادَتِهِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِمْ يَسْتَدْعِي تَقَدُّمَ عِلْمِهِمْ بِالشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا إلَى حِينِ مَوْتِهِ وَذَلِكَ كَافٍ فِي اعْتِقَادِنَا تَكْفِيرَ مَنْ كَفَّرَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: " مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا " .
-
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ إلَّا حَارَ عَلَيْهِ» قَالَ: وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ جَمَاعَةً بِالْكُفْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عِنْدَنَا الْقَطْعُ بِإِيمَانِهِمْ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِكُفْرِهِمْ بِمُقْتَضَى خَبَرِ الشَّارِعِ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالُوهُ فِيمَنْ سَجَدَ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَا تَصْرِيحَ فِيهِ بِالْجُحُودِ بَعْدَ أَنْ فَسَّرُوا الْكُفْرَ بِالْجُحُودِ، فَإِنْ احْتَجُّوا بِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَكْفِيرِ فَاعِلِ ذَلِكَ قُلْنَا: وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ تَقْتَضِي كُفْرَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدُوا تَزْكِيَةَ مَنْ كَفَّرُوهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا، وَلَا يُنْجِيهِمْ اعْتِقَادُ الْإِسْلَامِ إجْمَالًا، وَالْعَمَلُ بِالْوَاجِبَاتِ عَنْ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ كَمَا لَا يُنْجِي السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَمِمَّنْ جَنَحَ
ج ٧ ص ١٩٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
إلَى بَعْضِ هَذَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَحَادِيثَ الْبَابِ: فِيهِ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ حُكْمَهُ إلَّا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ مِنْهُ عَالِمًا فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «يَقُولُونَ الْحَقَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ وَلَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْهُ بِشَيْءٍ» وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَكِبُوا اسْتِحْلَالَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا لِخَطَإٍ مِنْهُمْ فِيمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْهُ. وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِالْكُفْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّهُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، وَفِيهِ: التَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِمْ مَا فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا خَرَجَ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لِسُرْعَتِهِ وَقُوَّةِ رَامِيهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَعَلَّقْ مِنْ الرَّمِيَّةِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ " . وَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ عَنْ صَاحِبِ الشِّفَاءِ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَكَذَا نَقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ قَوْلًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَضْلِيلِ الْأُمَّةِ أَوْ تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ. وَحَكَاهُ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ فُسَّاقٌ، وَأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ لِتَلَفُّظِهِمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَمُوَاظَبَتِهِمْ عَلَى أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا فَسَقُوا بِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَنِدِينَ إلَى تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، وَجَرَّهُمْ ذَلِكَ إلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ مُخَالِفَيْهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ وَالشِّرْكِ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ فِرْقَةٌ مِنْ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَجَازُوا مُنَاكَحَتَهُمْ وَأَكْلَ ذَبَائِحِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَكْفُرُونَ مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ إشْكَالًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى سَأَلَ الْفَقِيهُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِمَامَ أَبَا الْمَعَالِي عَنْهَا فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ إدْخَالَ كَافِرٍ فِي الْمِلَّةِ، وَإِخْرَاجَ مُسْلِمٍ عَنْهَا عَظِيمٌ فِي الدِّينِ. قَالَ: وَقَدْ تَوَقَّفَ الْقَاضِي - أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ قَالَ: وَلَمْ يُصَرِّحْ الْقَوْمُ بِالْكُفْرِ وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ: الَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُقِرِّينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَإِ فِي سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانُ هَلْ كَفَرُوا فَقَالَ: مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا إنْ ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اطَّلَعَ عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ الَّذِي أَوْجَبَ تَكْفِيرَهُمْ عِنْدَ مَنْ كَفَّرَهُمْ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي الْمُفْهِمِ: وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِمْ أَظْهَرُ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهِمْ يُقَاتَلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَمْوَالِ الْخَوَارِجِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ
ج ٧ ص ٢٠٠٣١٩١ - (وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: صَرَخَ صَارِخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) .
-
٣١٩٢ - (وَعَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: هَاجَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ، وَلَا يُؤْخَذَ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ، ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَاحْتَجَّ بِهِ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
تَكْفِيرِهِمْ يُسْلَكُ بِهِمْ مَسْلَكَ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا شَقُّوا الْعَصَا وَنَصَبُوا الْحَرْبَ. قَالَ: وَبَابُ التَّكْفِيرِ بَابٌ خَطِرٌ وَلَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا.
-
أَثَرُ مَرْوَانَ أَخْرَجَ نَحْوَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظِ: " نَادَى مُنَادِي عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: أَلَا لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ " .
-
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى مِنْ أُمَّتِي؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ» وَفِي لَفْظٍ: " وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ " وَزَادَ: " وَلَا يُغْنَمُ فَيْؤُهُمْ " سَكَتَ عَنْهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: ضَعِيفٌ. قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ: وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَوَهَمَ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. قَالَ: وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَاكِمُ. اهـ. وَكَوْثَرُ الْمَذْكُورُ قَدْ صَرَّحَ بِتَرْكِهِ الْبُخَارِيُّ.
-
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: " شَهِدْت صِفِّينَ فَكَانُوا لَا يُجْهِزُونَ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَقْتُلُونَ مُوَلِّيًا، وَلَا يَسْلُبُونَ قَتِيلًا " وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِأَسِيرٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ: لَا تَقْتُلْنِي صَبْرًا. فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. لَا أَقْتُلُك صَبْرًا إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَفِيك خَيْرٌ تُبَايِعُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُقَاتِلْ أَهْلَ الْجَمَلِ حَتَّى دَعَا النَّاسَ ثَلَاثًا حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالُوا: قَدْ أَكْثَرُوا فِينَا الْجِرَاحَ، فَقَالَ: مَا جَهِلْت مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إذَا فَرَغَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا رَبَّهُ وَقَالَ لَهُمْ: إنْ ظَفِرْتُمْ عَلَى الْقَوْمِ فَلَا تَطْلُبُوا مُدْبِرًا وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ وَانْظُرُوا إلَى مَا حَضَرُوا بِهِ الْحَرْبَ مِنْ آلَةٍ فَاقْبِضُوهُ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِمْ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَلَمْ يَسْلُبْ قَتِيلًا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْخُذُ سَلَبًا. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَرْفَجَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ
ج ٧ ص ٢٠١بَابُ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكِ قِتَالِهِمْ وَالْكَفِّ عَنْ إقَامَةِ السَّيْفِ
ــ
[نيل الأوطار]
-
أَهْلَ النَّهْرَوَانُ جَالَ فِي عَسْكَرِهِمْ، فَمَنْ كَانَ يَعْرِفُ شَيْئًا أَخَذَهُ حَتَّى بَقِيَتْ قِدْرٌ ثُمَّ رَأَيْتهَا أُخِذَتْ بَعْدُ.
-
وَأَثَرُ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: هَاجَتْ الْفِتْنَةُ الْأُولَى فَأَدْرَكَتْ يَعْنِي الْفِتْنَةَ رِجَالًا ذَوِي عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ شَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا أَمْرُ الْفِتْنَةِ، لَا يُقَمْ فِيهَا عَلَى رَجُلٍ قَاتَلَ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ قِصَاصٌ فِيمَنْ قُتِلَ، وَلَا حَدَّ فِي سِبَاءِ امْرَأَةٍ سُبِيَتْ وَلَا يُرَى عَلَيْهَا حَدٌّ وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا مُلَاعَنَةٌ، وَلَا يُرَى أَنْ يَقْذِفَهَا أَحَدٌ إلَّا جُلِدَ الْحَدَّ، وَيُرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ تَعْتَدَّ عِدَّتَهَا مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ، وَيُرَى أَنْ يَرِثَهَا زَوْجُهَا الْأَوَّلُ.
-
قَوْلُهُ: (وَلَا يُذَفَّفُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهُ فَاءٌ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ فَاءٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى صِيغَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى يُجْهَزُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: ذَفَّ عَلَى الْجَرِيحِ ذَفًّا وَذِفَافًا كَكِتَابٍ وَذَفَفًا مُحَرَّكَةً: أَجْهَزَ. وَالِاسْمُ الذَّفَافُ كَسَحَابٍ. قَالَ أَيْضًا فِي مَادَّةِ (ج هـ ز) : وَجَهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ كَمَنَعَ، وَأَجْهَزَ: أَثْبَتَ قَتْلَهُ وَأَسْرَعَهُ وَتَمَّمَ عَلَيْهِ، وَمَوْتٌ مُجْهِزٌ وَجَهِيزٌ: سَرِيعٌ انْتَهَى.
-
وَفِي الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ مَنْ كَانَ مُدْبِرًا مِنْ الْبُغَاةِ، وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ بَلْ يُتْرَكُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُدْبِرُ أَوْ الْجَرِيحُ مِمَّنْ لَهُ فِئَةٌ جَازَ قَتْلُهُ عِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَرْوَزِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إذْ الْقَصْدُ دَفْعُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَقَدْ وَقَعَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ النَّهْيِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ إذَا كَانَ لِلْبَاغِي الْمَذْكُورِ فِئَةٌ، قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: ٩] وَالْهَارِبُ وَالْجَرِيحُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُمَا ذَلِكَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَيْئَةِ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَرْكُ الصَّوْلَةِ وَالِاسْتِطَالَةِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ مِنْ الْهَارِبِ وَالْجَرِيحِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ، وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتْبَعُوا مُوَلِّيًا لَيْسَ بِمُنْحَازٍ إلَى فِئَةٍ، فَقَدْ أُجِيبَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ مَنْ لَهُ فِئَةٌ وَاتِّبَاعِهِ بِأَنَّ إمَامَةَ عَلِيٍّ قَطْعِيَّةٌ وَإِمَامَةَ غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ فَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ مُتَّحِدًا بَلْ الْمُتَوَجِّهُ الْوُقُوفُ عَلَى ظَاهِرِ النَّهْيِ الْمَرْفُوعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ السَّابِقُ وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي دَمٍ الْمُسْلِمِ تَحْرِيمُ سَفْكِهِ وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِيهَا الْإِذْنُ بِالْمُقَاتَلَةِ إلَى حُصُولِ تِلْكَ الْغَايَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ الْهَرَبُ مِنْ مُقَدِّمَاتِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ إذَا كَانُوا فِي بُيُوتِهِمْ أَوْ طَلَبُوا مِنَّا الْأَمَانَ لِأَنَّهُمْ إذَا أَغْلَقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَاتِّصَافُهُمْ بِذَلِكَ الْوَصْفِ شَرْطُ جَوَازِ مُقَاتَلَتِهِمْ كَمَا فِي الْآيَةِ، وَإِذَا طَلَبُوا الْأَمَانَ فَقَدْ فَاءُوا إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ بِالْقِتَالِ إلَى حُصُولِهَا وَقَدْ حَصَلَتْ. قَوْلُهُ: (فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ) ظَاهِرُهُ وُقُوعُ الْإِجْمَاعِ مِنْهُمْ عَلَى
ج ٧ ص ٢٠٢٣١٩٣ - (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ، وَفِي لَفْظٍ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» ) .
-
٣١٩٤ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
عَدَمِ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ مِمَّنْ وَقَعَ مِنْهُ الْقَتْلُ لِغَيْرِهِ فِي الْفِتْنَةِ سَوَاءٌ كَانَ بَاغِيًا أَوْ مَبْغِيًّا عَلَيْهِ. وَقَدْ ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْإِمَامُ يَحْيَى إلَى أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوا: أَيْ الْبُغَاةُ. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ مَالٌ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا وُجِدَ بِعَيْنِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ أَمْوَالِ الْبُغَاةِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا مَوْجُودًا عِنْدَ الْقِتَالِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ وَلَا اغْتِنَامُ مَا لَمْ يَجْلِبُوا بِهِ إجْمَاعًا لِبَقَائِهِمْ عَلَى الْمِلَّةِ. وَحُكِيَ عَنْ أَكْثَرِ الْعِتْرَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ اغْتِنَامُ مَا أَجَلَبُوا بِهِ مِنْ مَالٍ وَآلَةِ حَرْبٍ. وَحُكِيَ عَنْ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُغْنَمُ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ بِلَفْظِ: " وَلَا يَغْنَمْ مِنْهُمْ " وَاعْلَمْ أَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ جَائِزٌ إجْمَاعًا كَمَا حُكِيَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [الحجرات: ٩] وَقَدْ حُكِيَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا عَنْ الْعِتْرَةِ جَمِيعًا أَنَّ جِهَادَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ إلَى دِيَارِهِمْ إذْ فِعْلُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا: وَالْبَغْيُ فِسْقٌ إجْمَاعًا.