[باب حكم الأرضين المغنومة]

١٦ فقرة، ج ٨ ص ١٧

  1. حَدِيثُ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد عَنْهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّهُ سَمِعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا: فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: فَكَانَ النِّصْفُ سِهَامَ الْمُسْلِمِينَ وَسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَزَلَ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْأُمُورِ وَالنَّوَائِبِ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ ثَالِثَةٍ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ج ٨ ص ١٨. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٨ ص ١٧
  2. ــ

    [نيل الأوطار]

  3. بِلَا وَاسِطَةٍ بِأَطْوَلَ مِنْ اللَّفْظَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ سَابِقًا وَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَدْرَكَ فَتْحَ خَيْبَرَ وَحَدِيثُ بَشِيرٍ أَيْضًا الَّذِي رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَهْلٍ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَالْمُنْذِرِيُّ قَوْلُهُ: (أَيُّمَا قَرْيَةٍ. . . إلَخْ) فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ تَكُونُ لِلْغَانِمِينَ. قَالَ الْخَطَّابِيِّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُغْنَمُ وَأَنَّ خُمُسَهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ قَوْلُهُ: (بَبَانًا) بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ الثَّانِيَةُ ثَقِيلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَ أَنَّ أَخْرَجَهُ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ: قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: يَعْنِي شَيْئًا وَاحِدًا

    قَالَ الْخَطَّابِيِّ: وَلَا أَحْسِبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَرَبِيَّةً، وَلَمْ أَسْمَعْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: بَلْ هِيَ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ لَكِنَّهَا غَيْرُ فَاشِيَةٍ، هِيَ لُغَةُ مَعْدٍ. وَقَدْ صَحَّحَهَا صَاحِبُ الْعَيْنِ وَقَالَ: ضُوعِفَتْ حُرُوفُهُ يُقَالُ هُمْ عَلَى بِبَانٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الْبَبَانُ الْمُعْدَمُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، فَالْمَعْنَى لَوْلَا أَنِّي أَتْرُكُهُمْ فُقَرَاءَ مُعْدَمِينَ لَا شَيْءَ لَهُمْ: أَيْ مُتَسَاوِينَ فِي الْفَقْرِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ فِيمَا تَعَقَّبَهُ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ: صَوَابُهُ بَيَانًا بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ الثَّانِيَةِ: أَيْ شَيْئًا وَاحِدًا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ لَمْ يَعْرِفْ هُوَ هِيَانُ بْنُ بَيَانٍ اهـ.

  4. وَقَدْ وَقَعَ مِنْ عُمَرَ ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: لَئِنْ عِشْت لَأَجْعَلَنَّ لِلنَّاسِ بَيَانًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَهُوَ مِمَّا يُؤَيِّدُ تَفْسِيرَهُ بِالتَّسْوِيَةِ. قَوْلُهُ: (يَقْتَسِمُونَهَا) أَيْ يَقْتَسِمُونَ خَرَاجَهَا قَوْلُهُ: (كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ عِنْدَهُ حُسْنُ النَّظَرِ لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَرْضِ خَاصَّةً. فَوَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ الَّذِي يَجْمَعُ مَصْلَحَتَهُمْ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضْرِبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ السَّوَادَ فَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: دَعْهُ يَكُونُ مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَرَكَهُ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إنْ قَسَمْتَهَا صَارَ الرَّيْعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ إلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْ الْمَرْأَةِ وَيَأْتِي قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنْ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا وَلَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، فَاقْتَضَى رَأْيُ عُمَرَ تَأْخِيرَ قَسْمِ الْأَرْضِ وَضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَفْتَتِحُهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً.

    قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ عُمَرَ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ افْتَتَحُوا أَرْضَ السَّوَادِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنْ تُقْسَمَ كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِتَعْلِيلِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ: " لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ. . . إلَخْ " لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ مَا اسْتَطَبْتُ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بَعْضَ خَيْبَرَ لَا

    ج ٨ ص ١٩. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  5. ــ

    [نيل الأوطار]

  6. جَمِيعَهَا كَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا فِي حَدِيثِ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَزَلَ نِصْفَ خَيْبَرَ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ، وَقَسَمَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ " وَالْمُرَادُ بِاَلَّذِي عَزَلَهُ مَا اُفْتُتِحَ صُلْحًا، وَبِاَلَّذِي قَسَمَهُ مَا اُفْتُتِحَ عَنْوَةً. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي أَبْقَاهَا عُمَرُ بِغَيْرِ قِسْمَةٍ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ وَقَفَهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْرَى فِيهَا الْخَرَاجَ وَمَنَعَ بَيْعَهَا، وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: أَبْقَاهَا مِلْكًا لِمَنْ كَانَ بِهَا مِنْ الْكَفَرَةِ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ اشْتَدَّ نَكِيرُ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ انْتَهَى.

  7. وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ لَا تُقْسَمُ بَلْ تَكُونُ وَقْفًا يُقْسَمُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْسِمَ الْأَرْضَ، وَحَكَى هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَرَجَّحَهُ وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. قَالَ: وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ وَطَلَبُوا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ الْأَرْضَ الَّتِي فَتَحُوهَا. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا غَيْرُ الْمَالِ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ: اقْسِمْهَا بَيْنَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ، فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، ثُمَّ وَافَقَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ عُمَرَ. قَالَ: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ وَوَقَفَهَا بِرِضَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ نَازَعُوهُ فِيهَا وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَوَافَقَ عُمَرَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ إبْقَائِهَا بِلَا قِسْمَةٍ.

  8. فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ نُصُوصِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهَا تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتَهَا قَسَمَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَقَفَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ قِسْمَةَ الْبَعْضِ وَوَقْفَ الْبَعْضِ فَعَلَهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ، فَإِنَّهُ قَسَمَ أَرْضَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَتَرَكَ قِسْمَةَ مَكَّةَ، وَقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ بَعْضَهَا لِمَا يَنُوبُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

  9. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: إنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظُّهُورِ وَالِاسْتِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ وَقْفٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ الْمَنْقُولَ إلَّا أَنْ يَتْرُكُوا حَقَّهُمْ مِنْهَا.

    قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ وَآيَةَ الْحَشْرِ مُتَوَارِدَتَانِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى فَيْئًا وَغَنِيمَةً، وَلَكِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ ظَاهِرَ سَوْقِ آيَةِ الْحَشْرِ أَنَّ الْفَيْءَ غَيْرُ الْغَنِيمَةِ وَأَنَّ لَهُ مَصْرَفًا عَامًّا، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: إنَّهَا عَمَّتْ النَّاسَ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} [الحشر: ١٠] وَلَا يَتَأَتَّى حِصَّةٌ لِمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ إلَّا إذَا بَقِيَتْ الْأَرْضُ مُحْبَسَةً لِلْمُسْلِمِينَ، إذْ لَوْ اسْتَحَقَّهَا الْمُبَاشِرُونَ لِلْقِتَالِ وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمْ تَوَارَثَهَا وَرَثَةُ أُولَئِكَ، فَكَانَتْ الْقَرْيَةُ وَالْبَلَدُ تَصِيرُ إلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ صَبِيٍّ صَغِيرٍ. وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَنْ يُقِرَّهَا لِأَرْبَابِهَا عَلَى خَرَاجٍ

    ج ٨ ص ٢٠بَابُ مَا جَاءَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ هَلْ هُوَ عَنْوَةٌ أَوْ صُلْحٌ؟

  10. ٣٤٤٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ مَكَّةَ فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَتِيبَتِهِ، قَالَ: وَقَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا، وَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَفَطِنَ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قُلْت: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ وَلَا يَأْتِينِي إلَّا أَنْصَارِيٌّ، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: تَرَوْنَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ، ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى: اُحْصُدُوهُمْ حَصَدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ إلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إلَيْنَا شَيْئًا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ فَأَتَى فِي طَوَافِهِ عَلَى صَنَمٍ إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَعْبُدُونَهُ،

    ــ

    [نيل الأوطار]

  11. أَوْ يَنْتَزِعَهَا مِنْهُمْ وَيُقِرَّهَا مَعَ آخَرِينَ. وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ مَعْرُوفَةٍ فِي كُتُبِهِمْ قَوْلُهُ: (افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً) الْعَنْوَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ: الْقَهْرُ قَوْلُهُ: (وَقَفِيزَهَا) الْقَفِيزُ: مِكْيَالٌ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكُ قَوْلُهُ: (وَمَنَعَتْ الْعِرَاقُ مُدْيَهَا) الْمُدْيُ مِائَةٌ وَاثْنَانِ وَتِسْعُونَ مُدًّا وَهُوَ صَاعُ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَوْلُهُ: (وَمَنَعَتْ مِصْرُ إرْدَبَّهَا)

  12. بِالرَّاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْإِرْدَبُّ كَقَرْشَبَّ: مِكْيَالٌ ضَخْمٌ بِمِصْرَ وَيَضُمُّ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ صَاعًا انْتَهَى

    قَوْلُهُ: (وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ) أَيْ رَجَعْتُمْ إلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، لِإِخْبَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَا سَيَكُونُ مِنْ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ وَوَضْعِهِمْ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، ثُمَّ بُطْلَانِ ذَلِكَ إمَّا بِتَغَلُّبِهِمْ وَهُوَ أَصَحَّ التَّأْوِيلَيْنِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَفْظُ الْمَنْعِ فِي الْحَدِيثِ يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ. وَإِمَّا بِإِسْلَامِهِمْ، وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَرْجَمَ الْبَابَ بِهِ مِنْ حُكْمِ الْأَرَضِينَ الْمَغْنُومَةِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ يَضَعُونَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَلْ قَرَّرَهُ وَحَكَاهُ لَهُمْ.

  13. فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهِ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإسراء: ٨١] ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا حَيْثُ يَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوَهُ وَالْأَنْصَارُ تَحْتَهُ، قَالَ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ وَكَانَ إذَا جَاءَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يَرْفَعُ طَرَفًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يُقْضَى، فَلَمَّا قُضِيَ الْوَحْيُ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَقُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ قَالُوا: قُلْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا اسْمِي إذَنْ كَلًّا إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ، فَأَقْبَلُوا إلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إلَّا الضِّنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذُرَانِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .

    ج ٨ ص ٢١
  14. ٣٤٤٥ - (وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: «ذَهَبْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْت: أَنَا أُمُّ هَانِئِ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا يَا أُمَّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ يُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلَانَ بْنَ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَالَتْ: وَذَلِكَ ضُحًى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

  15. وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي، فَأْدْخَلْتُهُمَا بَيْتًا وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابًا، فَجَاءَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ، فَتَفَلَّتَ عَلَيْهِمَا بِالسَّيْفِ. وَذَكَرَتْ حَدِيثَ أَمَانِهِمَا» )

  16. ــ

    [نيل الأوطار]