[باب صفة الجلوس في التشهد وبين السجدتين وما جاء في التورك والإقعاء]
٣١ فقرة، ج ٢ ص ٣١٦
- ج ٢ ص ٣١٦
٧٦٩ - (عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَسَجَدَ، ثُمَّ قَعَدَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا قَعَدَ وَتَشَهَّدَ فَرَشَ قَدَمَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ وَجَلَسَ عَلَيْهَا.»
-
٧٧٠ - (وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: إذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا جَلَسْتَ فَاجْلِسْ عَلَى رِجْلِكَ الْيُسْرَى.» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بُحَيْنَةَ: اسْمُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ اسْمُ أُمِّ أَبِيهِ قَالَ الْحَافِظُ: فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ ابْنُ بُحَيْنَةَ بِالْأَلِفِ. قَوْلُهُ: (قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ) زَادَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ الْأَعْرَجِ " فَسَبَّحُوا بِهِ فَمَضَى حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ " أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَعِنْدَ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمِ نَحْوَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ) فِيهِ إشْعَارٌ بِالْوُجُوبِ حَيْثُ قَالَ " وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ " . قَوْلُهُ: (يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سُجُودٍ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَكْبِيرِ النَّقْلِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ جَالِسٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سَجَدَ: أَيْ أَنْشَأَ السُّجُودَ جَالِسًا. وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَوْسَطَ غَيْرُ وَاجِبٍ وَتَقَدَّمَ وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ.
-
[بَابُ صِفَةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَمَا جَاءَ فِي التَّوَرُّكِ وَالْإِقْعَاءِ]
-
حَدِيثُ وَائِلٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
-
حَدِيثُ رِفَاعَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد بِاللَّفْظِ الَّذِي سَبَقَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ وَلَا مَطْعَنَ فِي إسْنَادِهِ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وَقَدْ احْتَجَّ بِالْحَدِيثَيْنِ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ فَرْشِ الْيُسْرَى وَنَصْبِ الْيُمْنَى فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَهُمْ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: إنَّهُ يَتَوَرَّكُ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنَّ التَّوَرُّكَ يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا تَشَهُّدَانِ
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ: يَعْنِي لِلتَّشَهُّدِ، فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ
ج ٢ ص ٣١٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصُدُورِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ» الْحَدِيثَ. وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَبِحَدِيثَيْ الْبَابِ أَنَّ رُوَاتَهَا ذَكَرُوا هَذِهِ الصِّفَةَ لِجُلُوسِ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالْأَوَّلِ وَاقْتِصَارُهُمْ عَلَيْهَا مِنْ دُونِ تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ غَيْرِهَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا هِيَ الْهَيْئَةُ الْمَشْرُوعَةُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِالْأَوَّلِ لَذَكَرُوا هَيْئَةَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَلَمْ يُهْمِلُوهُ لَا سِيَّمَا وَهُمْ بِصَدَدِ بَيَانِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَعْلِيمِهِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْهَيْئَةَ شَامِلَةٌ لَهُمَا
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْجِلْسَةَ الَّتِي ذَكَرَ هَيْئَتَهَا أَبُو حُمَيْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ جِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بِدَلِيلِ حَدِيثِهِ الْآتِي، فَإِنَّهُ وَصَفَ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا هَيْئَةَ الْجُلُوسِ الْآخَرِ فَذَكَر فِيهَا التَّوَرُّكَ وَاقْتِصَارُهُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا سِيَّمَا وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ الِاقْتِصَارُ إهْمَالًا لِبَيَانِ هَيْئَةِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فِي مَقَامِ التَّصَدِّي لِصِفَةِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اقْتَصَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَيُقَالُ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْمَذْكُورِ هَهُنَا إنَّهُ مُبَيَّنٌ بِرِوَايَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ
وَأَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُمَا الْقَائِلُونَ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّوَرُّكِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِأَنَّهُمَا مَحْمُولَانِ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ لِأَنَّهُمَا مُطْلَقَانِ عَنْ التَّقْيِيدِ بِأَحَدِ الْجُلُوسَيْنِ، وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ مُقَيَّدٌ، وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ، وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّهُ يُبْعِدُ هَذَا الْجَمْعُ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ مَقَامَ التَّصَدِّي لِبَيَانِ صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْبَى الِاقْتِصَارَ عَلَى ذِكْرِ هَيْئَةِ أَحَدِ التَّشَهُّدَيْنِ وَإِغْفَالِ الْآخَرِ مَعَ كَوْنِ صِفَتِهِ مُخَالِفَةً لِصِفَةِ الْمَذْكُورِ لَا سِيَّمَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَإِنَّهَا قَدْ تَعَرَّضَتْ فِيهِ لِبَيَانِ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَعَقَّبَتْ ذَلِكَ بِذِكْرِ هَيْئَةِ الْجُلُوسِ، فَمِنْ الْبَعِيدِ أَنْ يُخَصَّ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ أَحَدُهُمَا وَيُهْمَلَ الْآخَرُ، وَلَكِنَّهُ يَلُوحُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ التَّوَرُّكِ فِي الْأَخِيرِ آكَدُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ النَّصْبِ وَالْفَرْشِ، وَأَمَّا أَنَّهُ يَنْفِي مَشْرُوعِيَّةَ النَّصْبِ وَالْفَرْشِ فَلَا. وَإِنْ كَانَ حَقُّ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُوَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَنَعَ مِنْ الْمَصِيرِ إلَيْهِ مَا عَرَّفْنَاكَ. وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ يَرُدُّهُ قَوْلُ أَبِي حُمَيْدٍ فِي حَدِيثِهِ الْآتِي «فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ» .
-
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد حَتَّى «إذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ»
-
وَقَدْ اعْتَذَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ صِفَةً ثَالِثَةً لِجُلُوسِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَهِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَجْعَلُ قَدَمَهُ الْيُسْرَى بَيْنَ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ وَيَفْرِشُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» وَاخْتَارَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ فِي مُصَنَّفِهِ وَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً. وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بِالْوُجُوبِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو مَسْعُودٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَمِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ
ج ٢ ص ٣١٨٧٧١ - (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَيْتُهُ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ سَبَقَ لِغَيْرِهِ بِلَفْظٍ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا) .
-
٧٧٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَالثَّوْرِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ: إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِمُلَازَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ وَالْآخَرُونَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ وَمُجَرَّدُ الْمُلَازَمَةِ لَا تُفِيدُ الْوُجُوبَ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ بَعْدَ أَنَّ عَلَّمَهُ «فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّسْلِيمِ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ جُلُوسِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا
٧٧١ - (وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَيْتُهُ إذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ سَبَقَ لِغَيْرِهِ بِلَفْظٍ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا) . الْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، وَهَهُنَا أَلْفَاظٌ لَمْ تُذْكَرْ هُنَالِكَ، وَبَعْضُهَا مُحْتَاجٌ إلَى الشَّرْحِ، فَمِنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (هَصَرَ ظَهْرَهُ) هُوَ بِالْهَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ: أَيْ ثَنَاهُ فِي اسْتِوَاءٍ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيسٍ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيِّ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ) الْفَقَارُ: بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْقَافِ جَمْعُ فَقَارَةٍ: وَهِيَ عِظَامُ الظَّهْرِ وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا خَرَزُ الظَّهْرِ قَالَ الْقَزَّازُ. وَقَالَ ابْنُ سَيِّدَهُ: هِيَ مِنْ الْكَاهِلِ إلَى الْعَجَبِ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ عُدَّتَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ وَفِي أَمَالِي الزَّجَّاجِ أُصُولُهَا سَبْعٌ غَيْرَ التَّوَابِعِ. وَعَنْ الْأَصْمَعِيِّ هِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَبْعٌ فِي الْعُنُقِ وَخَمْسٌ فِي الصُّلْبِ وَبَقِيَّتُهَا فِي طَرَفِ الْأَضْلَاعِ كَذَا فِي الْفَتْحِ.
-
قَوْلُهُ: (وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَنْصِبَ قَدَمَيْهِ فِي السُّجُودِ وَأَنْ تَكُونَ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُتَوَجِّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ تَوْجِيهُهَا بِالتَّحَامُلِ عَلَيْهَا وَالِاعْتِمَادِ عَلَى بُطُونِهَا. وَالْحَدِيثُ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى جُمَلٍ وَاسِعَةٍ مِنْ صِفَةِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا فِي بَابِهِ. وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّوَرُّكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
-
٧٧٢ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] وَكَانَ إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) .
- ج ٢ ص ٣١٩
، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ، وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْحَدِيثُ لَهُ عِلَّةٌ وَهِيَ أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو الْجَوْزَاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا وَحَدِيثُهُ عَنْهَا مُرْسَلٌ.
-
قَوْلُهُ: (يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ) هُوَ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُ يُجْزِئُ كُلُّ مَا فِيهِ تَعْظِيمٌ نَحْوَ اللَّهُ أَجَلُّ اللَّهُ أَعْظَمُ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَة. قَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: ٢] قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِرَفْعِ الدَّالِ عَلَى الْحِكَايَةِ وَبِهِ تَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ تَرْكِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: اسْمُ السُّورَةِ. وَنُوقِشَ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ اسْمَ السُّورَةِ لَقَالَتْ عَائِشَةُ بِالْحَمْدِ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الِاسْمُ. وَرُدَّ ذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا « {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] أُمُّ الْقُرْآنِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي» وَبِمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ « {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي» . وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَوَّلَ آيَةٍ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي تَخُصُّ السُّورَةَ وَتَرَكَتْ الْبَسْمَلَةَ لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا مَبْسُوطًا.
-
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) قَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ هَذَا اللَّفْظِ وَتَفْسِيرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّابِقِ فِي بَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ.
-
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ) فَهِيَ التَّصْرِيحُ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوْسَطِ وَالْأَخِيرِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا.
-
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى) اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِمَشْرُوعِيَّةِ النَّصْبِ وَالْفَرْشِ فِي التَّشَهُّدَيْنِ جَمِيعًا، وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ التَّقْيِيدِ فِي مَقَامِ التَّصَدِّي لِوَصْفِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا بَعْدَ وَصْفِهَا لِلذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي التَّشَهُّدَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا هُوَ الْحَقُّ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ) قَيَّدَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: وَحُكِيَ ضَمُّ الْعَيْنِ مَعَ فَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ عُقْبَةٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْقَافِ، وَقَدْ ضَعَّفَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ بِالْإِقْعَاءِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ. وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: هِيَ أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَيْهِ وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِبَيْهِ
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ) هُوَ أَنْ يَضَعَ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ وَيُفْضِيَ بِمِرْفَقِهِ وَكَفِّهِ إلَى الْأَرْضِ
ج ٢ ص ٣٢٠٧٧٣ - (وَعَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَالْحَدِيثُ قَدْ اشْتَمَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى جَمِيعِ مَا فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَابِهِ إلَّا التَّسْلِيمَ فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ عَنْهُ.
-
٧٧٣ - (وَعَنْ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَأَشَارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ حَسَنٌ وَالنَّهْيُ عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الْغُرَابِ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْإِقْعَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» وَفِي إسْنَادِهِ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ بِلَفْظِ «إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، ضَعْ أَلْيَتَيْك بَيْنَ قَدَمَيْك وَالْزَقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْك بِالْأَرْضِ» ، وَفِي إسْنَادِهِ الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ حَدِيثًا آخَرَ بِلَفْظِ «نُهِيَ عَنْ الْإِقْعَاءِ وَالتَّوَرُّكِ» ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى»
-
قَوْلُهُ: (عَنْ نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ) النَّقْرَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُرَادُ بِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ وَتَخْفِيفُ السُّجُودِ وَأَنْ لَا يَمْكُثَ فِيهِ إلَّا قَدْرَ وَضْعِ الْغُرَابِ مِنْقَارَهُ فِيمَا يُرِيدُ الْأَكْلَ مِنْهُ كَالْجِيفَةِ لِأَنَّهُ يُتَابِعُ فِي النَّقْرِ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَلَبُّثٍ. قَوْلُهُ: (وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ) الْإِقْعَاءُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا يُعْدَلُ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ
قَوْلُهُ: (وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ) فِيهِ كَرَاهَةُ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ وَرَدَتْ بِالْمَنْعِ مِنْهُ أَحَادِيثُ وَثَبَتَ أَنَّ الِالْتِفَاتَ اخْتِلَاسٌ مِنْ الشَّيْطَانِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الْبَابِ الَّذِي عَقَدَهُ الْمُصَنِّفُ لَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْإِقْعَاءِ وَمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: إنَّهُ السُّنَّةُ، فَقَالَ لَهُ طَاوُسٍ: إنَّا لَنَرَاهُ
ج ٢ ص ٣٢١بَابُ ذِكْرِ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ
٧٧٤ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» ، وَذَكَرَهُ، وَفِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: «وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» ، وَفِي
ــ
[نيل الأوطار]
-
جَفَاءً بِالرَّجُلِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد.
-
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأُولَى يَقْعُدُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ وَيَقُولُ: إنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ» .
-
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يُقْعِيَانِ. وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْعَبَادِلَةَ يُقْعُونَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَأَسَانِيدُهَا صَحِيحَةٌ. فَقَالَ الْخَطَّابِيِّ وَالْمَاوَرْدِيُّ: إنَّ الْإِقْعَاءَ مَنْسُوخٌ، وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْقَوْلَ بِالنَّسْخِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ: إنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْإِقْعَاءَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَالْإِقْعَاءُ الَّذِي صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ هُوَ وَضْعُ الْأَلْيَتَيْنِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالرُّكْبَتَانِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لَا بُدَّ مِنْهُ. وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ وَالْمُعَارِضُ لَهَا يُرْشِدُ إلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّصْرِيحِ بِإِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَلِمَا فِي أَحَادِيثِ الْعَبَادِلَةِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ وَعَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: مِنْ السُّنَّةُ أَنْ تَمَسَّ عَقِبَيْك أَلْيَتُك» وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِلْمُرَادِ فَالْقَوْلُ بِالنَّسْخِ غَفْلَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَعَمَّا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ مِنْ جَهْلِ تَارِيخِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعَنْ الْمَنْعِ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى النَّسْخِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِعْلُهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَرَفْت تَفْسِيرَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَارِدًا لِلْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَلَا يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْقُعُودِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُ الْإِقْعَاءِ الْمَرْوِيِّ عَنْ الْعَبَادِلَةِ مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ مُسْنَدًا بِمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِهِ.
- ج ٢ ص ٣٢٢
آخِرِهِ، «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» ، وَذَكَرَهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]