[باب جامع أدعية منصوص عليها في الصلاة]
٣٢ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٩
- ج ٢ ص ٣٣٩
٧٨٧ - (عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: قُلْ: «اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدَك وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا: الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ، وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحَيْرَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قَالَ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ: الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى
وَنَقَلَ الْفَرَبْرِيُّ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ، وَيُقَالُ لِلدَّجَّالِ، وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إلَى التَّصْحِيفِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه لِبَرَكَتِهِ، قَالَ: وَذَكَرْت فِي اشْتِقَاقِهِ خَمْسِينَ قَوْلًا فِي شَرْحِي لِمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ، وَالدَّجَّالُ لِشُؤْمِهِ اهـ
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَمِ) فِي الْبُخَارِيِّ بِتَقْدِيمِ الْمَأْثَمِ عَلَى الْمَغْرَمِ، وَالْمَغْرَمُ الدَّيْنُ، يُقَالُ غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ ادَّانَ، قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَدَانُ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَوْ فِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَعَاذَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ.
-
وَفِي الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ قَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَائِلٌ: مَا أَكْثَرُ مَا تَسْتَعِيذُ مِنْ الْمَغْرَمِ؟ فَقَالَ: «إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ» .
-
[بَابُ جَامِعِ أَدْعِيَةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ]
-
. قَوْلُهُ: (ظَلَمْت نَفْسِي) قَالَ فِي الْفَتْحِ: أَيْ بِمُلَابَسَةِ مَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ أَوْ يُنْقِصُ الْحَظَّ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرَى عَنْ تَقْصِيرِهِ وَلَوْ كَانَ صِدِّيقًا. قَوْلُهُ: (كَثِيرًا) وَرُوِيَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيَقُولَ كَثِيرًا كَبِيرًا. قَالَ. الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيَأْتِيَ مَرَّةً بِالْمُثَلَّثَةِ وَمَرَّةً بِالْمُوَحَّدَةِ، فَإِذَا أَتَى بِالدُّعَاءِ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ نَطَقَ بِمَا نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَقِينٍ، وَإِذَا أَتَى بِمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَنْطِقْ بِهِ كَذَلِكَ اهـ
قَوْلُهُ: (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ)
- ج ٢ ص ٣٤٠
٧٨٨ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَالَ: رَمَقَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
قَالَ الْحَافِظُ: فِيهِ إقْرَارٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَاسْتِجْلَابٌ لِلْمَغْفِرَةِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ} [آل عمران: ١٣٥] فَأَثْنَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ، وَفِي ضِمْنِ ثَنَائِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَوَّحَ بِالْأَمْرِ بِهِ كَمَا قِيلَ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى فَاعِلِهِ فَهُوَ آمِرٌ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذَمَّ فَاعِلَهُ فَهُوَ نَاهٍ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدَك) قَالَ الطِّيبِيُّ: ذِكْرُ التَّنْكِيرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ غُفْرَانٌ عَظِيمٌ لَا يُدْرَكُ كُنْهُهُ وَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُرِيدًا بِذَلِكَ التَّعْظِيمَ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْإِشَارَةُ إلَى التَّوْحِيدِ الْمَذْكُورِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا أَنْتَ فَافْعَلْهُ أَنْتَ.
-
وَالثَّانِي وَهُوَ أَحْسَنُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى طَلَبِ مَغْفِرَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِهَا لَا يَقْتَضِيهَا سَبَبٌ مِنْ الْعَبْدِ مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَوْلُهُ: (إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قَالَ الْحَافِظُ: هُمَا صِفَتَانِ ذُكِرَتَا خَتْمًا لِلْكَلَامِ عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَالْغَفُورُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ اغْفِرْ لِي، وَالرَّحِيمُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ ارْحَمْنِي وَهِيَ مُقَابَلَةٌ مُرَتَّبَةٌ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَحَلِّهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ مَوْطِنَيْنِ: السُّجُودِ أَوْ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ أَمَرَ فِيهِمَا بِالدُّعَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى مَحَلِّهِ فَأَوْرَدَهُ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: فِي الْحَدِيثِ مِنْ الْفَوَائِدِ اسْتِحْبَابُ طَلَبِ التَّعْلِيمِ مِنْ الْعَالِمِ خُصُوصًا مَا فِي الدَّعَوَاتِ الْمَطْلُوبِ فِيهَا جَوَامِعُ الْكَلِمِ
٧٨٨ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْقَعْقَاعِ قَالَ: رَمَقَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) . عُبَيْدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَيُقَالُ حُمَيْدٍ بْنُ الْقَعْقَاعِ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَالرَّاوِي عَنْهُ أَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيِّ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى شُعْبَةَ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْمَنْفَعَةِ: وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى فِي الدُّعَاءِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيِّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إيَاسٍ، ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ الْجَمَاعَةُ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا يُعْرَفُ حَالُهُ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَحَلٍّ مِنْهَا مَخْصُوصٍ، وَجَهَالَةُ الرَّاوِي عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ مُغْتَفَرَةٌ، كَمَا ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ، وَقَدْ ذَكَرْت الْأَدِلَّةَ عَلَى ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ الَّتِي سَمَّيْتهَا " الْقَوْلُ الْمَقْبُولُ فِي رَدِّ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ صَحَابَةِ الرَّسُولِ " . قَوْلُهُ: (رَمَقَ رَجُلٌ) الرَّمْقُ: اللَّحْظُ الْخَفِيفُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
- ج ٢ ص ٣٤١
٧٨٩ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُك شُكْرَ نِعْمَتِك وَحَسُنَ عِبَادَتِك، وَأَسْأَلُك قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُك لِمَا تَعْلَمُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ)
-
٧٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
٧٨٩ - (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُك شُكْرَ نِعْمَتِك وَحَسُنَ عِبَادَتِك، وَأَسْأَلُك قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا، وَأَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُك لِمَا تَعْلَمُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ) الْحَدِيثُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ عِنْدَ أَدْعِيَةِ الِاسْتِخَارَةِ بِلَفْظِ: " عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ قَالَ: صَحِبْت شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ فَقَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُك مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا؟ تَقُولُ إذَا رَوَيْنَا أَمْرًا فَذَكَرَهُ وَزَادَ: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: ١١٦] » أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ بِمَعْنَاهُ " إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ " وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إذَا رَوَيْنَا أَمْرًا. وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الصَّلَاةِ
وَأَمَّا صَاحِبُ التَّيْسِيرِ فَسَاقَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ. قَوْلُهُ: (كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ) هَذَا الدُّعَاءُ وَرَدَ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ. قَوْلُهُ: (الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ) سُؤَالُ الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ النَّبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُثَبِّتْهُ اللَّهُ فِي أُمُورِهِ عُصِمَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُوبِقَاتِ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ أَمْرٌ عَلَى خِلَافِ مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى
قَوْلُهُ: (وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ) هِيَ تَكُونُ بِمَعْنَى إرَادَةِ الْفِعْلِ وَبِمَعْنَى الْجِدِّ فِي طَلَبِهِ، وَالْمُنَاسِبُ هُنَا هُوَ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (قَلْبًا سَلِيمًا) أَيْ غَيْرَ عَلِيلٍ بِكَدَرِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا مَرِيضٍ بِالِاشْتِمَالِ عَلَى الْغِلِّ وَالِانْطِوَاءِ عَلَى الْإِحَنِ
قَوْلُهُ: (مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ) هُوَ سُؤَالٌ لِخَيْرِ الْأُمُورِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّعَوُّذُ مِنْ شَرِّ مَا يَعْلَمُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِمَا يَعْلَمَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ وَأَسْتَغْفِرُك لِكُلِّ ذَنْبٍ.
-
٧٩٠ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد) . قَوْلُهُ: (ذَنْبِي كُلَّهُ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ نِسْبَةِ الذَّنْبِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ مَذْكُورَةٍ فِي الْأُصُولِ:
أَحَدُهَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِشَرَفِهِمْ لَوْلَا مُخَالَفَتُهُ لِصَرَائِحِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُشْعِرَةِ بِأَنَّ لَهُمْ ذُنُوبًا. قَوْلُهُ: (دِقَّهُ وَجِلَّهُ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِمَا: أَيْ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ. قَوْلُهُ: (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ
قَوْلُهُ: (وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) هُوَ كَذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ
ج ٢ ص ٣٤٢٧٩١ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ فَقَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَمَا إنِّي دَعَوْت فِيهَا بِدُعَاءٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْت الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُك خَشْيَتَك فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
تَكْثِيرُ أَلْفَاظِ الدُّعَاءِ وَتَوْكِيدُهُ وَإِنْ أَغْنَى بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.
-
٧٩١ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ؟ فَقَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَمَا إنِّي دَعَوْت فِيهَا بِدُعَاءٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِك الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْت الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، أَسْأَلُك خَشْيَتَك فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك، وَالشَّوْقَ إلَى لِقَائِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَمِنْ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ) الْحَدِيثُ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ، وَسَاقَهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ، وَإِسْنَادُهُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ هَكَذَا: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى عَمَّارٌ فَذَكَرَهُ، وَفِي إسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَقَدْ اخْتَلَطَ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا بِآخَرَ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، وَوَالِدُ عَطَاءٍ هُوَ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْكُوفِيُّ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيّ
قَوْلُهُ: (فَأَوْجَزَ فِيهَا) لَعَلَّهُ لَمْ يُصَاحِبْ هَذَا الْإِيجَازَ تَمَامُ الصَّلَاةِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَهِدُوا عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِ وَجْهٌ، فَقَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: «مَا صَلَّيْت خَلْفَ أَحَدٍ أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَمَامٍ» . قَوْلُهُ: (فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ) فِيهِ جَوَازُ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ أَخَفَّ الصَّلَاةَ مِنْ دُونِ اسْتِكْمَالٍ. قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُتِمَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ غَيْرَهُمَا وَلِذَلِكَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو بِهِ) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَيَكُونُ فِعْلُ عَمَّارٍ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالِ الصَّلَاةِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْكَلَامِ
قَوْلُهُ: (بِعِلْمِك الْغَيْبَ وَقُدْرَتِك عَلَى الْخَلْقِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ إلَيْهِ تَعَالَى بِصِفَاتِ كَمَالِهِ وَخِصَالِ جَلَالِهِ. قَوْلُهُ: (أَحْيِنِي) إلَى قَوْلِهِ: (خَيْرًا لِي) هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ بِهَذَا، لَكِنْ عِنْدَ نُزُولِ الضَّرَرِ كَمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيَا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إلَى آخِرِهِ» . قَوْلُهُ: (خَشْيَتَك فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أَيْ فِي مَغِيبِ النَّاسِ
ج ٢ ص ٣٤٣٧٩٢ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَقِيَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «إنِّي أُوصِيك بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد)
-
٧٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا فَقَدَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَضْجَعِهَا، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا فَوَقَعَتْ
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَحُضُورِهِمْ؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَطْ لَيْسَتْ مِنْ الْخَشْيَةِ لِلَّهِ بَلْ مِنْ خَشْيَةِ النَّاسِ
قَوْلُهُ: (وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا) إنَّمَا جَمَعَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّ الْغَضَبَ رُبَّمَا حَالَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ الصَّدْعِ بِالْحَقِّ وَكَذَلِكَ الرِّضَا بِمَا قَادَ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ إلَى الْمُدَاهَنَةِ وَكَتْمِ كَلِمَةِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: (وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى) الْقَصْدُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ: بِمَعْنَى اسْتِقَامَةِ الطَّرِيقِ وَالِاعْتِدَالِ وَبِمَعْنًى ضِدَّ الْإِفْرَاطِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ هُنَا؛ لِأَنَّ بَطَرَ الْغِنَى رُبَّمَا جَرَّ إلَى الْإِفْرَاطِ، وَعَدَمُ الصَّبْرِ عَلَى الْفَقْرِ رُبَّمَا أَوْقَعَ فِي التَّفْرِيطِ، فَالْقَصْدُ فِيهِمَا هُوَ الطَّرِيقَةُ الْقَوِيمَةُ
قَوْلُهُ: (وَلَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك) فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِلْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ، وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ وَمَحَلُّهَا عِلْمُ الْكَلَامِ وَقَدْ أَفْرَدْتهَا بِرِسَالَةٍ مُطَوَّلَةٍ سَمَّيْتهَا: الْبُغْيَةُ فِي الرُّؤْيَةِ. قَوْلُهُ: (وَالشَّوْقُ إلَى لِقَائِك) إنَّمَا سَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلِقَاءِ عَبْدِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» وَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ
قَوْلُهُ: (مُضِرَّةٍ) إنَّمَا قَيَّدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرَّاءَ رُبَّمَا كَانَتْ نَافِعَةً آجِلًا أَوْ عَاجِلًا فَلَا يَلِيقُ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْهَا. قَوْلُهُ: (مُضِلَّةٍ) وَصَفَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ الْفِتَنِ مَا يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِمَّا لَا يُسْتَعَاذُ بِهِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْفِتْنَةُ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ.
-
٧٩٢ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَقِيَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «إنِّي أُوصِيك بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد) . الْحَدِيثُ قَالَ الْحَافِظُ سَنَدُهُ قَوِيٌّ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا فِي الْكِتَابِ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ بِلَفْظِ " دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ " وَهُوَ عِنْدَ دَاوُد بِلَفْظِ " فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ "
-
وَكَذَلِكَ رَوَيْته مِنْ طَرِيقِ مَشَايِخِي مُسَلْسَلًا بِالْمَحَبَّةِ، فَلَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ بَعْدَهَا عَلَى الْأَقْرَبِ كَمَا سَيَأْتِي، وَيَحْتَمِلُ دُبُرُ الصَّلَاةِ آخِرَهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ دُبُرَ الْحَيَوَانِ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ إيرَادُهُ لِأَدْعِيَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِذَلِكَ فِي بَابِ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَحَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ الْآتِيَيْنِ. قَوْلُهُ: (إنِّي أُوصِيك بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " لَا تَدَعْهُنَّ " وَالنَّهْيُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، فَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقِيلَ إنَّهُ نَهْيُ إرْشَادٍ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى قَرِينَةٍ
وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْوَصِيَّةِ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جَمِيعِ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
-
٧٩٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا فَقَدَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَضْجَعِهَا، فَلَمَسَتْهُ بِيَدِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا زَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
- ج ٢ ص ٣٤٤
عَلَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا زَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ)
-
٧٩٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ أَوْ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا» . مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ)
-
بَابُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ
٧٩٥ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: «فَقَدْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَلَمَسْت الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك» فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مِنْ أَحَدِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا مُسْتَقِلًّا وَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ. قَوْلُهُ (أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا) أَيْ اجْعَلْهَا مُتَّقِيَةً سَامِعَةً مُطِيعَةً. قَوْلُهُ: (زَكِّهَا) أَيْ اجْعَلْهَا زَاكِيَةً بِمَا تَفَضَّلْت بِهِ عَلَيْهَا مِنْ التَّقْوَى وَخِصَالِ الْخَيْرِ. قَوْلُهُ: (أَنْتَ وَلِيُّهَا) أَيْ مُتَوَلِّي أُمُورِهَا وَمَوْلَاهَا: أَيْ مَالِكُهَا. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
-
٧٩٤ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فَجَعَلَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ أَوْ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا أَوْ قَالَ: وَاجْعَلْنِي نُورًا» . مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمٍ) . الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَجَمِيعُ الرِّوَايَاتِ مُقَيَّدَةٌ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ
قَوْلُهُ: (فِي صَلَاتِهِ أَوْ فِي سُجُودِهِ) هَذَا الشَّكُّ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ فِي مُسْلِمٍ: " فَخَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ " الْحَدِيثَ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: " وَكَانَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ " . . . إلَخْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِحَالِ الْخُرُوجِ. قَوْلُهُ: (اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: سَأَلَ النُّورَ فِي أَعْضَائِهِ وَجِهَاتِهِ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِّ وَضِيَاؤُهُ وَالْهِدَايَةُ إلَيْهِ، فَسَأَلَ النُّورَ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ وَجِسْمِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ وَحَالَاتِهِ وَجُمْلَتُهُ وَفِي جِهَاتِهِ السِّتِّ حَتَّى لَا يَزِيغَ شَيْءٌ فِيهَا عَنْهُ.
- ج ٢ ص ٣٤٥
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) .
-
٧٩٦ - (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]