[باب صلاة الضحى]

٥٧ فقرة، ج ٣ ص ٧٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا النَّسَائِيّ. وَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ رِجَال مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فَذَكَرَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا حُمَيْدٍ بْنُ زَنْجُوَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، وَلَمْ يَعْزُهُ السُّيُوطِيّ فِي جُزْءِ الضُّحَى إلَّا إلَيْهِ. قَوْله: (سُلَامَى) قَالَ النَّوَوِيُّ: بِضَمِّ السِّينِ وَتَخْفِيفِ اللَّازِمِ، وَأَصْلُهُ عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْكَفِّ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي عِظَامِ الْبَدَنِ وَمَفَاصِلِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ عَلَى كُلِّ مَفْصِلٍ صَدَقَةٌ» .

    ج ٣ ص ٧٨
  2. وَفِي الْقَامُوسِ: أَنَّهَا عِظَامٌ صِغَارٌ طُولَ إصْبَعٍ أَوْ أَقَلَّ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ. انْتَهَى. وَقِيلَ: كُلُّ عَظْمٍ مُجَوَّفٍ مِنْ صِغَارِ الْعِظَامِ. وَقِيلَ: مَا بَيْن كُلِّ مَفْصِلَيْنِ مِنْ عِظَامِ الْأَنَامِلِ، وَقِيلَ: الْعُرُوقُ الَّتِي فِي الْأَصَابِعِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ أَوْ أَكْثَرُ. قَوْله: (وَيُجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ. . . إلَخْ) قَالَ النَّوَوِيّ: ضَبَطْنَا يُجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ، فَالضَّمُّ مِنْ الْإِجْزَاءِ، وَالْفَتْحُ مِنْ جَزَى يَجْزِي: أَيْ كَفَى

    وَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ فَضْلِ الضُّحَى وَكِبَرِ مَوْقِعِهَا وَتَأَكُّدِ مَشْرُوعِيَّتِهَا، وَأَنَّ رَكْعَتَيْهَا تُجْزِيَانِ عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ حَقِيقٌ بِالْمُوَاظَبَةِ وَالْمُدَاوَمَةِ. وَيَدُلَّانِ أَيْضًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَدَفْنِ النُّخَامَةِ وَتَنْحِيَةِ مَا يُؤْذِي الْمَارّ عَنْ الطَّرِيقِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ لِيَسْقُطَ بِفِعْلِ ذَلِكَ مَا عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ الصَّدَقَاتِ اللَّازِمَة فِي كُلّ يَوْمٍ.

  3. ٩٥٨ - (وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «قَالَ رَبُّكُمْ - عَزَّ وَجَلَّ -: يَا بْنَ آدَمَ صَلِّ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي اسْمِ هَمَّارٍ الْمَذْكُورِ، فَقِيلَ: هَبَّارٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: هَدَّارٌ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ

    وَقِيلَ: هَمَّامٌ بِالْمِيمَيْنِ، وَقِيلَ: خَمَّارٌ بِالْخَاءِ الْمَفْتُوحَةِ الْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ: حَمَّارٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ، وَالرَّاءُ مُهْمَلَةٌ فِي هَمَّارٍ وَهَبَّارٍ وَخَمَّارٍ وَحِمَار وَهَدَّارٍ

    قَوْلُهُ: (وَهُوَ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ بِدُونِ إثْبَاتِ الْأَلِفِ الَّتِي لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَالصَّوَابُ إثْبَاتُهَا، لِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّمَا رَوَى حَدِيثًا وَاحِدًا وَتَرَدَّدَ هَلْ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ أَوْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ وَلَمْ يَرْوِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدِيثًا،

    ج ٣ ص ٧٩٩٥٩ - (وَعَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ)

  4. ــ

    [نيل الأوطار]

  5. وَلَا رَوَى الْحَدِيثَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: ابْنَ آدَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ» قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ انْتَهَى.

  6. وَفِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَدِيثَهُ إذَا كَانَ عَنْ الشَّامِيِّينَ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، لِأَنَّ بَحِيرَ بْنَ سَعْدٍ شَامِيٌّ، وَإِسْمَاعِيلُ رَوَاهُ عَنْهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ قَدَّمْنَا الْإِشَارَةَ إلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى، لَكِنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَةِ صَلَاةُ الضُّحَى

    وَقَدْ قِيلَ: يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهَا فَرْضُ الصُّبْحِ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِي أَوَّلِ النَّهَارِ حَقِيقَةً، وَيَكُونُ مَعْنَاهُ: كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ» . قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ النَّهَارَ هَلْ هُوَ مِنْ طُلُوع الْفَجْرِ أَوْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ؟ . وَالْمَشْهُورُ الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ كَلَام جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَعُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ مِنْ طُلُوع الْفَجْرِ

    قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ النَّهَارُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا مَانِع مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ الرَّكَعَاتُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ مَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْحَدِيثِ وَعَمَلِ النَّاسِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتِ صَلَاةِ الضُّحَى. انْتَهَى

    وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ دُخُولِ الضُّحَى، فَرَوَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ وَقْتَ الضُّحَى يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ مِنْ الِارْتِفَاعِ، وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ. وَسَيَأْتِي مَا يُبَيِّنُ وَقْتَهَا فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -

    ٩٥٩ - (وَعَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ) . الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ عَائِشَةَ، فَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَتْ: لَا، إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

  7. وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

    وَقَدْ جُمِعَ بَيْن هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ قَوْلَهَا: " كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا. لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ " بَلْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوُقُوعِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مَدْلُولُ كَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ

    ج ٣ ص ٨٠٩٦٠ - (وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غُسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ»

  8. ٩٦١ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ مِنْ الضُّحَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ)

  9. ــ

    [نيل الأوطار]

  10. هَذَا الْإِثْبَاتُ أَنَّهَا رَأَتْهُ يُصَلِّي لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ رَوَتْ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ غَيْرِهَا.

  11. وَقَوْلُهَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ يُفِيدُ تَقْيِيدَ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ بِوَقْتِ الْمَجِيء مِنْ السَّفَرِ. وَقَوْلُهَا: مَا رَأَيْته يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى نَفْيٌ لِلرُّؤْيَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهَا ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ، أَوْ نَفْيٌ لِمَا عَدَا الْفِعْلَ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتِ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَمَّا بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهَا. وَغَيْرُهَا مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ أَخْبَرَ بِمَا يَدُلّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ وَتَأَكُّدِ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَمَنْ عَلِمَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَا سِيَّمَا وَذَلِكَ الْوَقْتُ الَّذِي تُفْعَلُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُعْتَادُ فِيهَا الْخَلْوَةُ بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَا هُوَ الْحَقُّ.

  12. ٩٦٠ - (وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى غُسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَالْتَحَفَ بِهِ، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ» ) قَوْله: (وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِ رَكَعَاتٍ» . وَيَجْمَعُ بَيْنهمَا بِأَنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْهَا أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَتَرَهُ لَمَّا اغْتَسَلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِي بَيْتِهَا بِأَعْلَى مَكَّةَ وَكَانَتْ فِي بَيْتٍ آخَرَ بِمَكَّةَ، فَجَاءَتْ إلَيْهِ فَوَجَدَتْهُ يَغْتَسِلُ فَيَصِحُّ الْقَوْلَانِ، ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ: (فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ) فِيهِ جَوَازُ الِاغْتِسَالِ بِحَضْرَةِ امْرَأَةٍ مِنْ مَحَارِم الرَّجُلِ إذَا كَانَ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ عَنْهَا وَجَوَازُ تَسْتِيرِهَا إيَّاهُ بِثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ قَوْلُهُ: (ثَمَانِ رَكَعَاتٍ) زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ " يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ " وَزَادَهَا أَيْضًا أَبُو دَاوُد كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ

    وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ صَلَاةَ الضُّحَى مَوْصُولَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَمَانِ رَكَعَاتِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ صَلَاةُ الْفَتْحِ لَا صَلَاةَ الضُّحَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَيْهِ

    ٩٦١ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى، فَقَالَ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ مِنْ الضُّحَى» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .

  13. ٩٦٢ - (وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: «سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهَارِ فَقَالَ: كَانَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ أَمْهَلَ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ الْمَشْرِقِ، مِقْدَارُهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ هَاهُنَا قِبَلَ الْمَغْرِبِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مِقْدَارُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ يَتْبَعُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد) .

    ج ٣ ص ٨١
  14. ــ

    [نيل الأوطار]

  15. الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ.

  16. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «إنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنْ الضُّحَى فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ؟ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «خَرَجَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ قُبَاءَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقَالَ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ» زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ " وَهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى فَقَالَ: صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إذَا رَمِضَتْ الْفِصَالُ مِنْ الضُّحَى " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ: " وَهُمْ يُصَلُّونَ بَعْد مَا ارْتَفَعَتْ الشَّمْسُ " وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " أَنَّهُ وَجَدَهُمْ قَدْ بَكَّرُوا بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فَقَالَ ذَلِكَ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ " أَنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ صَلَاةَ الضُّحَى حِينَ أَشَرَقَتْ الشَّمْسُ " قَوْلُهُ: (الْأَوَّابِينَ) جَمْعُ أَوَّابِ وَهُوَ الرَّاجِعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ آبَ إذَا رَجَعَ قَوْلُهُ: (إذَا رَمِضَتْ) بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْر الْمِيم وَفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة أَيْ احْتَرَقَتْ مِنْ حَرّ الرَّمْضَاءِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ. وَالْمُرَادُ إذَا وَجَدَ الْفَصِيلُ حَرَّ الشَّمْسِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا

    وَالْحَدِيثُ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ فِعْلُ الضُّحَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضُّحَى وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ تَأْخِيرَ الضُّحَى إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ.

  17. ٩٦٢ - (وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: «سَأَلْنَا عَلِيًّا عَنْ تَطَوُّعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّهَارِ فَقَالَ: كَانَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ أَمْهَلَ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ الْمَشْرِقِ، مِقْدَارُهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ هَاهُنَا قِبَلَ الْمَغْرِبِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُمْهِلُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مِقْدَارُهَا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ هَاهُنَا، يَعْنِي مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَأَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ يَتْبَعُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد) . الْحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَسَانِيدُهُ ثِقَاتٌ وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ فِيهِ مَقَالٌ، وَلَكِنْ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ مِنْ هَهُنَا، يَعْنِي مِنْ الْمَشْرِقِ مِقْدَارُهَا مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ هَهُنَا قِبَلَ الْمَغْرِبِ) الْمُرَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى رَكْعَتِي الضُّحَى وَمِقْدَارُ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ كَمِقْدَارِ ارْتِفَاعِهَا مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَفِيهِ تَبْيِينُ وَقْتِهَا قَوْلُهُ: (حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ، إلَى قَوْلِهِ: قَامَ فَصَلَّى أَرْبَعًا) .