[باب إمامة الأعمى والعبد والمولى]
١٢ فقرة، ج ٣ ص ١٩٢
- ج ٣ ص ١٩٢
حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَائِشَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَفِي إسْنَادِهِ الْوَاقِدِيُّ.
-
وَفِي الْبَاب عَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْخِطْمِيَّ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمّ قَوْمه بَنِي خَطْمَةَ وَهُوَ أَعْمَى عَلَى عَهْد رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَده وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ قَوْلُهُ: (يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ أَعْمَى) فِيهِ جَوَازُ إمَامَةِ الْأَعْمَى وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْغَزَالِيُّ بِأَنَّ إمَامَةَ الْأَعْمَى أَفْضَل مِنْ إمَامَة الْبَصِير لِأَنَّهُ أَكْثَرُ خُشُوعًا مِنْ الْبَصِيرِ لِمَا فِي الْبَصِيرِ مِنْ شُغْلِ الْقَلْبِ بِالْمُبْصَرَاتِ.
-
وَرَجَّحَ الْبَعْضُ أَنَّ إمَامَةَ الْبَصِيرِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَوَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ، وَاَلَّذِي فَهَمَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إمَامَةَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ سَوَاءٌ فِي عَدَم الْكَرَاهِيَةِ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَضِيلَةً، غَيْرُ أَنَّ إمَامَةَ الْبَصِيرِ أَفْضَلُ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ جَعَلَهُ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَامًا الْبُصَرَاءُ. وَأَمَّا اسْتِنَابَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي غَزَوَاتِهِ، فَلِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ الْغَزْو مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إلَّا مَعْذُورٌ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبُصَرَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَوْ لَمْ يَتَفَرَّغ لِذَلِكَ، أَوْ اسْتَخْلَفَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ.
-
وَأَمَّا إمَامَةُ عِتْبَانُ بْنِ مَالِكٍ لِقَوْمِهِ فَلَعَلَّهُ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ فِي قَوْمه مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ مِنْ الْبُصَرَاءِ قَوْله: (كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي» وَهُوَ أَصْرَحُ مِنْ اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِمَا فِيهِ مِنْ ظُهُورِ التَّقْدِيرِ بِدُونِ احْتِمَالٍ، قَوْلُهُ: (وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ) فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " جَعَلَ بَصَرِي يَكِلُّ " وَفِي أُخْرَى: " قَدْ أَنْكَرْت بَصَرِي " وَلِمُسْلِمٍ: " أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ " ، وَاللَّفْظ الَّذِي ذَكَره الْمُصَنِّفُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي الْمَطَرِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْمَى.
-
وَبَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَلَغَ إلَى حَدّ الْعَمَى. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: " إنَّهُ عَمِيَ فَأَرْسَلَ " . وَقَدْ جُمِعَ بَيْن الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْعَمَى لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي فَوَات بَعْضِ الْبَصَرِ الْمَعْهُودِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ أَنَّ عِتْبَانُ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمّ قَوْمَهُ وَهُوَ أَعْمَى، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَقِيَهُ حِينَ سَمِعَ
ج ٣ ص ١٩٣١٠٨٥ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ نَزَلُوا الْعَصْبَةَ، مَوْضِعًا بِقُبَاءَ، قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد) .
-
١٠٨٦ - (وَعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ عَائِشَةَ بِأَعْلَى الْوَادِي هُوَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، فَيَؤُمّهُمْ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ وَأَبُو عَمْرٍو غُلَامُهَا حِينَئِذٍ لَمْ يُعْتَقْ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
مِنْهُ الْحَدِيثَ وَهُوَ أَعْمَى، قَوْلُهُ: (مَكَانًا) هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّة.
-
وَفِي حَدِيث عِتْبَانُ فَوَائِدٌ: مِنْهَا إمَامَةُ الْأَعْمَى، وَإِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ عَاهَةٍ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ، وَاِتِّخَاذُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ لِلصَّلَاةِ وَإِمَامَة الزَّائِرِ إذَا كَانَ هُوَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ، وَالتَّبَرُّكُ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَإِجَابَةُ الْفَاضِلِ دَعْوَةَ الْمَفْضُولِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. .
-
ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَنَسَبَهَا إلَى الشَّافِعِيِّ كَمَا نَسَبَهَا الْمُصَنِّفُ، وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّهَا رَوَاهَا أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالَ: وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْن أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ غُلَامًا لَهَا عَنْ دُبُرٍ، فَكَانَ يَؤُمّهَا فِي رَمَضَانَ فِي الْمُصْحَفِ. وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ قَوْله: (قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ) أَيْ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيُّ قَوْلُهُ: (الْعَصَبَةُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَة الْمَفْتُوحَة، وَقِيلَ مَضْمُومَة وَإِسْكَان الصَّادِ الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا مُوَحَّدَةٌ: اسْمُ مَكَان بِقُبَاءَ.
-
وَفِي النِّهَايَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. قِيلَ: وَالْمَعْرُوفُ الْمُعَصَّبُ بِالتَّشْدِيدِ قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَؤُمّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) هُوَ مَوْلَى امْرَأَة مِنْ الْأَنْصَار فَأَعْتَقَتْهُ، وَكَانَتْ إمَامَتُهُ بِهِمْ قَبْل أَنْ يُعْتَق، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ لِأَنَّهُ لَازَمَ أَبَا حُذَيْفَةَ بَعْد أَنْ أُعْتِقَ فَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا نُهُوا عَنْ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ مَوْلَاهُ. وَاسْتُشْهِدَ سَالِمٌ بِالْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ قَوْلُهُ: (وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا) إشَارَةٌ إلَى سَبَبِ تَقْدِيمِهِمْ لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ أَشْرَفَ مِنْهُ.
-
وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ " لِأَنَّهُ كَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا " قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) . . . إلَخْ، زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ " أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ " وَاسْتَشْكَلَ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمْ، إذْ فِي الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ رَفِيقَهُ. وَوَجَّهَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ الْمَذْكُورُ اسْتَقَرَّ عَلَى الصَّلَاةِ بِهِمْ فَيَصِحُّ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ