[باب صفة صلاة الاستسقاء وجوازها قبل الخطبة]
١٠ فقرات، ج ٤ ص ٨
- ج ٤ ص ٨
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ وَقَالَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْفَتْحِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهَا مَعَ مُعَارَضَتِهَا لِلرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَدْ أَخْرَجَ نَحْوَهَا ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْغَرِيبِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي تَقْدِيمِ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ أَوْ الْعَكْسِ فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ " أَنَّهُ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ " وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ خَطَبَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَحْوِيلَ الظَّهْرِ لِمُشَابَهَتِهَا لِلْعِيدِ.
-
وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُعْتَضَدُ الْقَوْلُ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ بِمُشَابَهَتِهَا لِلْعِيدِ وَكَذَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ أَمَامَ الْحَاجَةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالدُّعَاءِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ " فَاقْتَصَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَلَى شَيْءٍ، وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالدُّعَاءِ عَنْ الْخُطْبَةِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الشُّرُوعُ بِالصَّلَاةِ.
-
وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ كَذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَبِهِ قَالَ الْجَمَاهِيرُ وَقَالَ اللَّيْثُ: بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ صَحَّتَا، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتِهَا وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ انْتَهَى وَجَوَازُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ بِلَا أَوْلَوِيَّةٍ هُوَ الْحَقُّ وَحَكَى الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْهَادِي
ج ٤ ص ٩١٣٤٨ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي
ــ
[نيل الأوطار]
-
كَخُطْبَتِكُمْ " وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إنَّمَا نَفَى وُقُوعَ خُطْبَةٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُشَابِهَةٍ لِخُطْبَةِ الْمُخَاطَبِينَ، وَلَمْ يَنْفِ وُقُوعَ مُطْلَقِ الْخُطْبَةِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي سَتَأْتِي مِنْ حَدِيثِهِ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقِيَ الْمِنْبَرَ ".
-
وَقَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا أَبُو حَنِيفَةَ مُسْتَدِلًّا بِأَحَادِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الِاسْتِسْقَاءَ رَكْعَتَيْنِ " وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ مُنَافِيَةً فَلَا مَعْذِرَةَ عَنْ قَبُولِهَا، وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْمُثْبِتِينَ لِلصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهَا رَكْعَتَانِ كَمَا حَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لِلتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ قَالَ الْهَادِي: إنَّهَا أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى فِي الْجُمُعَةِ وَهِيَ بِالْخُطْبَةِ أَرْبَعٌ، وَنَصَبَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى مَطْلُوبِ الْمُسْتَدِلِّ بِمَرَاحِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مِنْ الْغَرَائِبِ الَّتِي يُتَعَجَّبُ مِنْهَا وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ أَيْضًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ كَمَا حَكَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ.
-
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُكَبَّرُ فِيهَا كَتَكْبِيرِ الْعِيدِ، وَبِهِ قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمَكْحُولٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّهُ لَا تَكْبِيرَ فِيهَا. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ دَاوُد: إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَتَرْكِهِ. اسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي بِلَفْظِ «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْعَدَدِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَكَوْنِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُكَبَّرُ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا كَالْعِيدِ، وَأَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا: بِسَبِّحْ، وَهَلْ أَتَاكَ وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَيُحَوِّلَ ظَهْرَهُ إلَى النَّاسِ وَيُحَوِّلَ رِدَاءَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَهْرِ ابْنُ بَطَّالٍ.
- ج ٤ ص ١٠
الْعِيدِ لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ. » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةٍ: «خَرَجَ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى فَرَقَى الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، لَكِنْ قَالَا: وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ التِّرْمِذِيُّ رُقِيَّ الْمِنْبَرِ) .
-
بَابُ الِاسْتِسْقَاءِ بِذَوِي الصَّلَاحِ وَإِكْثَارِ الِاسْتِغْفَارِ وَرَفْعِ الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ وَذِكْرِ أَدْعِيَةٍ مَأْثُورَةٍ فِي ذَلِكَ
١٣٤٩ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ «كَانَ إذَا قَحَطُوا، اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتُسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيَّكَ فَاسْقِنَا، فَيُسْقَوْنَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ قَوْلُهُ: (مُتَبَذِّلًا) أَيْ لَابِسًا لِثِيَابِ الْبِذْلَةِ تَارِكًا لِثِيَابِ الزِّينَةِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلُهُ: (مُتَخَشِّعًا) أَيْ مُظْهِرًا لِلْخُشُوعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى نَيْلِ مَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: (مُتَرَسِّلًا) أَيْ غَيْرَ مُسْتَعْجِلٍ فِي مَشْيِهِ قَوْلُهُ: (مُتَضَرِّعًا) أَيْ مُظْهِرًا لِلضَّرَاعَةِ وَهِيَ التَّذَلُّلُ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَةِ قَوْلُهُ: (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: (كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ) تَمَسَّكَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ مَعَهُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّبْكِيرِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ) النَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقَيْدِ لَا إلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَةُ بِالْخُطْبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " فَرَقَى الْمِنْبَرَ وَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ " فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. .