[باب زكاة الفطر]

٢٤ فقرة، ج ٤ ص ٢١٣

  1. . قَوْلُهُ: (فَرَضَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ الْفَرَائِضِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، قَالُوا: إذْ لَا دَلِيلَ قَاطِعٌ تَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ. قَالَ الْحَافِظُ: فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ عُلِّيَّةَ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ كَيْسَانَ الْأَصَمَّ قَالَا: إنَّ وُجُوبَهَا نُسِخَ.

    ج ٤ ص ٢١٣
  2. وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِمَا رَوَى النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ» قَالَ: وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْفَرْضِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضٍ آخَرَ، وَنَقَلَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَابْنِ اللَّبَّانِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ " فَرَضَ " أَيْ قَدَّرَ وَهُوَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إلَى الْوُجُوبِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى

    وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: ١٤] نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ قَوْلُهُ: (زَكَاةُ الْفِطْرِ) أُضِيفَتْ الزَّكَاةُ إلَى الْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ كَذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَالْمُرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَدَقَةُ النُّفُوسِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ

    وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: " زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ " وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ " زَكَاةُ الْفِطْرِ " عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقِيلَ: وَقْتُ وُجُوبِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفِطْرُ الْحَقِيقِيُّ بِالْأَكْلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ. وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَيُقَوِّيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي: «أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» وَلَكِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ الْقَبْلِيَّةَ بِكَوْنِهَا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ: " زَكَاةُ الْفِطْرِ " عَلَى الْوَقْتِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ

    ج ٤ ص ٢١٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  3. ــ

    [نيل الأوطار]

  4. إلَى الْفِطْرِ لَا تَدُلُّ عَلَى وَقْتِ الْوُجُوبِ بَلْ تَقْتَضِي إضَافَةَ هَذِهِ الزَّكَاةِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَأَمَّا وَقْتُ الْوُجُوبِ فَيُطْلَبُ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: انْتَصَبَ صَاعًا عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ) ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُخْرِجُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا دَاوُد فَقَالَ: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُمَكِّنَ عَبْدَهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ لَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ كَوْنِ الْوُجُوبِ عَلَى السَّيِّدِ حَدِيثُ: «لَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ»

  5. قَوْلُهُ: (الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ سَوَاءً كَانَ زَوْجٌ أَوْ لَا، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: تَجِبُ عَلَى زَوْجِهَا تَبَعًا لِلنَّفَقَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ أُعْسِرَ وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَجَبَتْ فِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَافْتَرَقَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَخْرُجُ عَنْ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ مَعَ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَلْزَمُهُ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ مُرْسَلًا: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَزَادَ فِي إسْنَادِهِ ذِكْرُ عَلِيٍّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْلُهُ: (الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) وُجُوبُ فِطْرَةِ الصَّغِيرِ فِي مَالِهِ، وَالْمُخَاطَبُ بِإِخْرَاجِهَا وَلِيُّهُ إنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: هِيَ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ صَامَ.

  6. وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي بِلَفْظِ «صَدَقَةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ» قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يُذْنِبُ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ أَوْ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ، قَالَ فِيهِ: وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِينَ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَسْتَحِبُّهُ وَلَا يُوجِبَهُ. قَوْلُهُ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ الْفِطْرَةِ فَلَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَلْ يُخْرِجُهَا عَنْ غَيْرِهِ كَمُسْتَوْلَدَتِهِ الْمُسْلِمَةِ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهَلْ يُخْرِجُهَا الْمُسْلِمُ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ: لَا، خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ وَإِسْحَاقَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ يُبْنَى عُمُومُ قَوْلِهِ: " فِي عَبْدِهِ " عَلَى خُصُوصِ قَوْلِهِ: " مِنْ الْمُسْلِمِينَ " فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ: " مِنْ الْمُسْلِمِينَ " أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: " فِي عَبْدِهِ " مِنْ وَجْهٍ، وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ، فَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ تَحَكُّمٌ، وَلَكِنَّهُ يُؤَيِّدُ اعْتِبَارَ

    ج ٤ ص ٢١٥. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  7. ــ

    [نيل الأوطار]

  8. الْإِسْلَامِ مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: " عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ " . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى وُجُوبِ إخْرَاجِهَا عَنْ الْعَبْدِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ كَانَ يُخْرِجُ عَنْ عَبْدِهِ الْكَافِرِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمُرَادِ الْحَدِيثِ. وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ عَنْهُمْ تَطَوُّعًا وَلَا مَانِعَ فِيهِ. وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ

    وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ: إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَخْتَصُّ بِالْحَاضِرَةِ وَلَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ قَوْلُهُ: (أَعْوَزَ التَّمْرُ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ: أَيْ احْتَاجَ، يُقَالُ: أَعْوَزَنِي الشَّيْءُ: إذَا احْتَجْتُ إلَيْهِ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ أَفْضَلُ مَا يُخْرَجُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَوْلُهُ: (بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْجِيلِ الْفِطْرَةِ قَبْلَ يَوْمِ الْفِطْرِ. وَقَدْ جَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَجَوَّزَهُ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ وَأَبُو طَالِبٍ وَلَوْ إلَى عَامَيْنِ عَنْ الْبَدَنِ الْمَوْجُودِ

    وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهَا إلَّا مَا يُغْتَفَرُ كَيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالنَّاصِرُ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ مُطْلَقًا كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَأَجَابَ عَنْهُمْ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ رَدَّهَا إلَى الزَّكَاةِ أَقْرَبُ. وَحَكَى الْإِمَامُ يَحْيَى إجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى جَوَازِ التَّعْجِيلِ قَوْلُهُ: (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. . . إلَخْ) ظَاهِرُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ بَعْدَهُ. وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ لَهُ، قَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: قَدْ كَانَتْ لَفْظَةُ الطَّعَامِ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِنْطَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَتَّى إذَا قِيلَ: اذْهَبْ إلَى سُوقِ الطَّعَامِ، فُهِمَ مِنْهُ سُوقُ الْقَمْحِ، وَإِذَا عَقَبَ الْعُرْفُ نَزَلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا غَلَبَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ كَانَ خُطُورُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَغْلَبَ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: " صَاعًا مِنْ طَعَامٍ " حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ: " كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ " قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ: وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ لَمَّا ذَكَرُوا عِنْدَهُ صَدَقَةَ رَمَضَانَ: " لَا أُخْرِجُ إلَّا مَا كُنْتُ أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاعَ تَمْرٍ أَوْ صَاعَ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ أَوْ صَاعَ أَقِطٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ؟ فَقَالَ: لَا، تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا " قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ذِكْرُ الْحِنْطَةِ فِي خَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ الْوَهْمُ؟ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ. . . إلَخْ) إذْ لَوْ كَانَ أَبُو سَعِيدٍ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ مِنْهَا صَاعًا لَمَا قَالَ الرَّجُلُ " أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ " وَقَدْ أَشَارَ أَيْضًا أَبُو دَاوُد إلَى أَنَّ ذِكْرَ الْحِنْطَةِ فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. قَوْلُهُ: (حَتَّى

    ج ٤ ص ٢١٦. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  9. ــ

    [نيل الأوطار]

  10. قَدِمَ مُعَاوِيَةُ) زَادَ مُسْلِمٌ (حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ "

  11. قَوْلُهُ: (سَمْرَاءِ الشَّامِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ، وَبِالْمَدِّ هِيَ الْقَمْحُ الشَّامِيُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِحَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرًا ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَثُرَ زَمَنُ الصَّحَابَةِ رَأَوْا أَنَّ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهُ يَقُومُ مَقَامَ صَاعٍ مِنْ الشَّعِيرِ وَهُمْ الْأَئِمَّةُ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ قَوْلِهِمْ إلَّا إلَى قَوْلِ مِثْلِهِمْ، ثُمَّ أُسْنِدَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِأَسَانِيدَ. قَالَ الْحَافِظُ: صَحِيحَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ نِصْفَ صَاعِ قَمْحٍ انْتَهَى. وَهَذَا مُصَيَّرٌ مِنْهُ إلَى اخْتِيَارِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَلَا إجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ: (لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ أَوْ) يَعْنِي لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ التَّخْيِيرِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: (أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ لَبَنٌ يَابِسٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يُتَّخَذُ مِنْ اللَّبَنِ الْمَخِيضِ يُطْبَخُ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَتَّصِلَ

    وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَائِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقْتَاتٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ أَجَازَ إخْرَاجَهُ بَدَلًا عَنْ الْقِيمَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يُجْزِئُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ.

  12. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ عَدَمِ وُجْدَانِ غَيْرِهِ. وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ دُونَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُمْ بِلَا خِلَافٍ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: قَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَمِيعِ، قَوْلُهُ: (إلَّا صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ) ذِكْرُ الدَّقِيقِ ثَابِتٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّ ذِكْرَ الدَّقِيقِ وَهْمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ، مَنْ أَدَّى سُلْتًا قُبِلَ مِنْهُ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: مَنْ أَدَّى دَقِيقًا قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَدَّى سَوِيقًا قُبِلَ مِنْهُ» وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: مُنْكَرٌ لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الدَّقِيقِ كَمَا يَجُوزُ إخْرَاجُ السَّوِيقِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُكَالُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْفَقِيرُ، وَقَدْ كَفَى فِيهِ الْفَقِيرَ مُؤَنَةَ الطَّحْنِ.

    وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: إنَّهُ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُ قَدْ نَقَصَتْ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الْحَبِّ وَهُوَ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ

    ج ٤ ص ٢١٧١٦٢٢ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ) .

  13. ــ

    [نيل الأوطار]

  14. لَهُ الدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ، قَوْلُهُ: (مِنْ سُلْتٍ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ: نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ وَهُوَ كَالْحِنْطَةِ فِي مَلَاسَتِهِ وَكَالشَّعِيرِ فِي بُرُودَتِهِ وَطَبْعِهِ. وَالرِّوَايَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْفِطْرَةِ صَاعٌ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إلَّا فِي الْبُرِّ وَالزَّبِيبِ. وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ إلَى أَنَّ الْبُرَّ وَالزَّبِيبَ كَذَلِكَ يَجِبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاعٌ. وَقَالَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَزَادَ فِي الْبَحْرِ أَبَا بَكْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْإِمَامُ يَحْيَى أَنَّ الْوَاجِبَ نِصْفُ صَاعٍ مِنْهُمَا

    وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ صَدَقَةَ الْفَطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَالْبُرُّ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الطَّعَامِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ غَالِبُهُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ الْبُرِّ إنَّمَا هُوَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ فَلَا يُجْزِئُ دُونَ الصَّاعِ مِنْهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْبُرَّ عَلَى تَسْلِيمِ دُخُولِهِ تَحْتَ لَفْظِ الطَّعَامِ مُخَصَّصٌ بِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «صَدَقَةُ الْفِطْرِ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ» وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا أَيْضًا. وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةِ بْنِ مَالِكٍ وَفِي إسْنَادِهِ الْفَضْلُ بْنُ الْمُخْتَارِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا بِلَفْظِ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صعير بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ» وَأَخْرَجَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا بِلَفْظِ: " نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ " وَهَذِهِ تَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِهَا لِلتَّخْصِيصِ. وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْحِنْطَةِ قَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اطِّلَاعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ.

  15. ١٦٢٢ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ)

  16. قَوْلُهُ: (قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: أَيْ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: يُقَدِّمُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ بَيْنَ يَدَيْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: ١٤] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: ١٥] ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ» وَحَمَلَ

    ج ٤ ص ٢١٨١٦٢٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) . .

  17. ١٦٢٤ - (وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّازِيّ قَالَ: «قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَمْ قَدْرُ صَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ أَنَا حَزَرْتُهُ فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ خَالَفْتَ شَيْخَ الْقَوْمِ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِنَا: يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدِّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ عَمِّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدَّتِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: فَاجْتَمَعَتْ آصُعٌ، فَقَالَ: مَا تَحْفَظُونَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ــ

    [نيل الأوطار]

  18. الشَّافِعِيُّ التَّقْيِيدَ بِقَبْلِ صَلَاةِ الْعِيدِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِصِدْقِ الْيَوْمِ عَلَى جَمِيعِ النَّهَارِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظٍ: «كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَهَا قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ فَإِذَا انْصَرَفَ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ وَقَالَ: أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّلَبِ» أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَلَكِنْ أَبُو مَعْشَرٍ ضَعِيفٌ وَوَهَمَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَزْوِهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِمُسْلِمٍ. وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ تَأْخِيرِهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَحَمَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى التَّحْرِيمِ.

  19. ١٦٢٣ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قَوْلُهُ:

    (طُهْرَةٌ) أَيْ تَطْهِيرًا لِنَفْسِ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ مِنْ اللَّغْوِ وَهُوَ مَا لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِنْ الْقَوْلِ وَالرَّفَثِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الرَّفَثُ هُنَا: هُوَ الْفُحْشُ مِنْ الْكَلَامِ قَوْلُهُ (وَطُعْمَةً) بِضَمِّ الطَّاءِ وَهُوَ الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ تُصْرَفُ فِي الْمَسَاكِينِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَأَبُو طَالِبٍ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ: هِيَ كَالزَّكَاةِ فَتُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا، وَقَوَّاهُ الْمَهْدِيُّ، قَوْلُهُ: (فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ) أَيْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، قَوْلُهُ: (فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ) الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ قَوْلُهُ: (فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ) يَعْنِي الَّتِي يُتَصَدَّقُ بِهَا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمْرُ الْقَبُولِ فِيهَا مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى

    وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ الْفِطْرَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُخْرِجْهَا بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي تَرْكِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ. وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ إخْرَاجَهَا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ إنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ، وَجَزَمُوا بِأَنَّهَا تُجْزِئُ إلَى آخِرِ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: إنَّهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي تَأْخِيرِهَا إثْمٌ كَمَا فِي إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا. وَحُكِيَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمَنْصُورِ بِاَللَّهِ أَنَّ وَقْتَهَا إلَى آخِرِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ شَهْرِ شَوَّالٍ.

  20. ١٦٢٤ - (وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ الرَّازِيّ قَالَ: «قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَمْ قَدْرُ صَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ أَنَا حَزَرْتُهُ فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ خَالَفْتَ شَيْخَ الْقَوْمِ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قُلْتُ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِنَا: يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدِّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ عَمِّكَ، يَا فُلَانُ هَاتِ صَاعَ جَدَّتِكَ قَالَ إِسْحَاقُ: فَاجْتَمَعَتْ آصُعٌ، فَقَالَ: مَا تَحْفَظُونَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

    ج ٤ ص ٢١٩وَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَخِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا أَدَّتْ بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ مَالِكٌ: أَنَا حَزَرْتُ هَذِهِ فَوَجَدْتُهَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ)

  21. ــ

    [نيل الأوطار]

    وَقَالَ هَذَا: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَخِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَدِّي بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْآخَرُ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا أَدَّتْ بِهَذَا الصَّاعِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ مَالِكٌ: أَنَا حَزَرْتُ هَذِهِ فَوَجَدْتُهَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ) هَذِهِ الْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ أَخْرَجَهَا أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُخْرِجُونَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُدِّ الَّذِي يَقْتَاتُ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ» وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي زَكَاةَ رَمَضَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُدِّ الْأَوَّلِ» وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي الصَّاعِ وَقَدْرِهِ مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا أَنَّهُ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ، وَهُوَ قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وَتَدْفَعُهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ الْمُسْنَدَةُ إلَى صِيعَانِ الصَّحَابَةِ الَّتِي قَرَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدْ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَتَرَكَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ، قَوْلُهُ: (أَنَا حَزَرْتُهُ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ بَعْدَهَا زَايٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ: أَيْ قَدَّرْتُهُ قَوْلُهُ: (آصُعٌ) جَمْعُ صَاعٍ

    قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ إجْمَاعًا

    (فَائِدَةٌ) قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُعْتَبَرُ مِلْكُهُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْفِطْرَةُ، فَقَالَ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الْمُؤَيَّدِ بِاَللَّهِ أَنْ يَعْتَبِرَ أَنْ يَمْلِكَ قُوتَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَاضِلًا عَمَّا اسْتَثْنَى لِلْفَقِيرِ، وَغَيْرُ الْفِطْرَةِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي صَغِيرٍ عَنْ أَبِيهِ فِي رِوَايَةٍ بِزِيَادَةِ " غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ " بَعْدَ " حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ " . وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِأَنَّهُ وَإِنْ أَفَادَ عَدَمَ اعْتِبَارِ الْغِنَى الشَّرْعِيِّ فَلَا يُفِيدُ اعْتِبَارَ مِلْكِ قُوتِ عَشْرٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ غَنِيًّا غِنًى شَرْعِيًّا

    وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَتْ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَبِالْقِيَاسِ عَلَى زَكَاةِ الْمَالِ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ لِأَنَّهُ بِلَفْظِ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَمُعَارَضٌ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدُ الْمُقِلِّ» .

  22. وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ سِرٌّ إلَى فَقِيرٍ وَجَهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ» وَفَسَّرَهُ فِي النِّهَايَةِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِلُ حَالَ قَلِيلِ الْمَالِ. وَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ أَخَذَ مِنْ عَرْضِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا، وَرَجُلٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا دِرْهَمَانِ فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِهِ، فَهَذَا تَصَدَّقَ بِنِصْفِ

    ج ٤ ص ٢٢٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  23. ــ

    [نيل الأوطار]

  24. مَالِهِ» الْحَدِيثَ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، إذْ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَبْدَانِ، وَالزَّكَاةِ بِالْأَمْوَالِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجُ الْفِطْرَةِ مَالِكًا لِقُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ

    وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فِي ذَلِكَ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ بِمَنْ يَمْلِكُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ أُطْلِقَتْ وَلَمْ تَخُصَّ غَنِيًّا وَلَا فَقِيرًا، وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَعْيِينِ الْمِقْدَارِ الَّذِي يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجُ الْفِطْرَةِ مَالِكًا لَهُ، لَا سِيَّمَا الْعِلَّةُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا الْفِطْرَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَهِيَ التَّطْهِرَةُ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَاعْتِبَارُ كَوْنِهِ وَاجِدًا لِقُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرَعِ الْفِطْرَةِ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقَالَ: أَغْنُوهُمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ " أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ " وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ، فَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّ الْمُخْرِجِ ذَلِكَ لَكَانَ مِمَّنْ أَمَرَنَا بِإِغْنَائِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَا مِنْ الْمَأْمُورِينَ بِإِخْرَاجِ الْفِطْرَةِ وَإِغْنَاءِ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا اعْتَرَضَ بِهِ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ إيجَابُ الْفِطْرَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا دُونَ قُوتِ الْيَوْمِ وَلَا قَائِلَ بِهِ.