[باب ما يجتنبه من اللباس]
٢١ فقرة، ج ٥ ص ٥
- ج ٥ ص ٥
١٨٧٩ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعِمَامَةَ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، وَلَا زَعْفَرَانٌ، وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ.» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ رَجُلًا نَادَى فِي الْمَسْجِدِ مَاذَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ)
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
[بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ مِنْ اللِّبَاسِ]
-
؟ قَوْلُهُ: (مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ قَالَ لَا يَلْبَسُ) . . . إلَخْ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ فَحَصَلَ التَّصْرِيحُ بِهِ، وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ كَذَا أَيْ وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: سُئِلَ عَمَّا يُلْبَسُ فَأَجَابَ بِمَا لَيْسَ يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالْإِلْزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْعَارِضُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ؛ إذْ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ وَكَانَ اللَّائِقُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هَذَا شِبْهُ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ وَيَقْرُبُ مِنْ قَوْله تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ} [البقرة: ٢١٥] إلَخْ. فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ إلَى جِنْسِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْأَهَمُّ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا السُّؤَالُ عَنْ اللُّبْسِ
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيّ الْمَذْكُورَةِ فَلَيْسَ مِنْ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ وَقَدْ رَوَاهَا كَذَلِكَ أَبُو عَوَانَةَ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَهِيَ شَاذَّةٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو عَوَانَةَ
ج ٥ ص ٦١٨٨٠ - (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى النِّسَاءَ فِي الْإِحْرَامِ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ
ــ
[نيل الأوطار]
-
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلَفْظِ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ) ؟ » وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ بِلَفْظِ: مَا يَتْرُكُ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالرَّجُلِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْمَرْأَةُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسَ جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَشْتَرِكُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَنْعِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، أَوْ الْوَرْسُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ لَا يَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي فِي مَعْنَى النَّهْيِ.
-
وَرُوِيَ بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ قَالَ عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ وَقَدْ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى غَيْرِهِ وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ قَوْلُهُ: (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ) الْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ يُصْبَغُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَيْسَ الْوَرْسُ مِنْ الطِّيبِ وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَايَمَةِ الشَّمِّ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: مَسَّهُ، تَحْرِيمُ مَا صُبِغَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَلَكِنَّهُ لَا بُدَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْبُوغِ رَائِحَةٌ فَإِنْ ذَهَبَتْ جَازَ لُبْسُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ قَوْلُهُ: «إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ» ) فِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ بِهَا يَرْتَبِطُ ذِكْرُ النَّعْلَيْنِ بِمَا قَبْلَهُمَا وَهِيَ " وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ " وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجْدَانِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ.
-
قَوْلُهُ: (فَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ) هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مِفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ. وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ، وَتُعَقِّبُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ شَرْطٌ لِجَوَازِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي، وَأَجَابَ عَنْهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا فِي بَابِ مَا يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ
ج ٥ ص ٧وَالزَّعْفَرَانُ مِنْ الثِّيَابِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ: «وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا، أَوْ خَزًّا، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا» ) الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُد أَخْرَجَهَا أَيْضًا الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ
١٨٨١ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ) .
-
١٨٨٢ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَخْطُبُ يَقُولُ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا وَوَجَدَ سَرَاوِيلَ فَلْيَلْبَسْهَا وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ خُفَّيْنِ
ــ
[نيل الأوطار]
-
قَوْلُهُ: (لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ) نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَافِظِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تَنْتَقِبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ: هَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْخِلَافَ هَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ مِنْ حَدِيثِهِ وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَلَهُ طُرُقٌ فِي الْبُخَارِيِّ مَوْصُولَةٌ وَمُعَلَّقَةٌ، وَالِانْتِقَابُ لُبْسُ غِطَاءٍ لِلْوَجْهِ فِيهِ نَقْبَانِ عَلَى الْعَيْنَيْنِ تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ مِنْهُمَا وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: النِّقَابُ: الْخِمَارُ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْأَنْفِ أَوْ تَحْتَ الْمَحَاجِرِ قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ زَايٌ مَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعَهَا وَكَفَّهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الشَّيْءِ كَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ وَهُوَ لِلْيَدِ كَالْخُفِّ لِلرِّجْلِ قَوْلُهُ: (وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ) إلَخْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
-
قَوْلُهُ: (وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ) . . . إلَخْ ظَاهِرُهُ جَوَازُ لُبْسِ مَا عَدَا مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ وَالْمَصْبُوغِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ خَالَفَ مَالِكٌ فِي الْمُعَصْفَرِ فَقَالَ بِكَرَاهَتِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَشَبَّهَاهُ بِالْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَيْضًا الْعُلَمَاءُ فِي لُبْسِ النِّقَابِ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِنَصِّ الْحَدِيثِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعِهَا مِنْ سَتْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا بِمَا سِوَى النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ قَوْلُهُ: (أَوْ حَلْيَا) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِضَمِّ الْحَاءِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ وَهُوَ مَا تَتَحَلَّى بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ جُلْجُلٍ وَسِوَارٍ، وَتَتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
- ج ٥ ص ٨
فَلْيَلْبَسْهُمَا قُلْتُ: وَلَمْ يَقُلْ: لِيَقْطَعْهُمَا؟ قَالَ: لَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهَذَا بِظَاهِرِهِ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ لِأَنَّهُ قَالَ بِعَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَبَقَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيّ) .
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
قَوْلُهُ: (فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ) تَمَسَّكَ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ أَحْمَدُ فَأَجَازَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسَ الْخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ لِلَّذِي لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ وَالْإِزَارَ عَلَى حَالِهِمَا وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ قَطْعَ الْخُفِّ وَفَتْقَ السَّرَاوِيلِ وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ عِنْدَهُمْ إذَا لَبِسَ شَيْئًا مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ: " فَلْيَقْطَعْهُمَا " فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيُلْحَقُ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: الْأَوْلَى قَطْعُهُمَا عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَكْثَرُ جَوَازُ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ بِغَيْرِ فَتْقٍ كَقَوْلِ أَحْمَدَ وَاشْتَرَطَ الْفَتْقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَطَائِفَةٌ.
-
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْعُ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا وَمِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ وَالْحَدِيثَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْبَابِ يَرُدَّانِ عَلَيْهِمَا، وَمَنْ أَجَازَ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ عَلَى حَالِهِ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى حَالَةِ لَوْ فَتَقَهُ لَكَانَ إزَارًا لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَكُونُ وَاجِدًا لِلْإِزَارِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ أَجَابَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا دَعْوَى النَّسْخِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
-
وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ بِعَرَفَاتٍ كَمَا حَكَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ هَذَا فَقَالَ: كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ فِيهَا أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَنْقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ اهـ.
-
وَسَلَكَ بَعْضُهُمْ طَرِيقَةَ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اُخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ وَعُورِضَ بِأَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ الْأَسَانِيدِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ وَسَالِمٌ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ: إنَّهُ شَيْخٌ مِصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ، كَذَا قَالَ، وَهُوَ شَيْخٌ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقِيَاسِ الْخُفِّ عَلَى السَّرَاوِيلِ فِي تَرْكِ الْقَطْعِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلنَّصِّ فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَطَاءٍ: إنَّ الْقَطْعَ فَسَادٌ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ بَلْ أَوْجَبَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا
ج ٥ ص ٩١٨٨٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ) .
-
١٨٨٤ - (وَعَنْ سَالِمٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ يَعْنِي: ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ حَدِيثَ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قَدْ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ فَتَرَكَ ذَلِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَقَالَ: فِي الْقَلْبِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَلَكِنْ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَهِيَ جَدَّتُهَا نَحْوَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَلَّقَ الْقَوْلَ فِيهِ يَعْنِي عَلَى صِحَّتِهِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْمَذْكُورُ قَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الذَّهَبِيِّ أَنَّهُ صَدُوقٌ وَقَدْ أُعِلَّ الْحَدِيثُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ ذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَابْنُ مَعِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ: مُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِأَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ وَالْحَدِيثُ الثَّانِي فِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَشْهُورٌ قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّرْحِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعَنْعَنْ.
-
ــ
[نيل الأوطار]
-
بِالْحَدِيثَيْنِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُتَكَلِّفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَالْجَمْعُ مَا أَمْكَنَ هُوَ الْوَاجِبُ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ وَلَوْ جَازَ الْمَصِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ لَأَمْكَنَ تَرْجِيحُ الْمُطْلَقِ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ كَمَا فِي الْبَابِ، وَرِوَايَةُ الِاثْنَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ.
-
قَوْلُهُ (فَإِذَا حَازَوْا بِنَا) فِي نُسَخِ الْمُصَنَّفِ هَكَذَا فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد فَإِذَا حَازُوا بِنَا بِالزَّايِ مَكَانَ الذَّالِ.
-
وَفِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا حَاذُونَا قَوْلُهُ: (جِلْبَابَهَا) أَيْ: مِلْحَفَتَهَا قَوْلُهُ: (مِنْ رَأْسِهَا) تَمَسَّكَ بِهِ أَحْمَدُ فَقَالَ إنَّمَا لَهَا أَنْ تُسْدِلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إذَا احْتَاجَتْ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا فَإِنَّهَا تُسْدِلُ الثَّوْبَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إلَى سَتْرِ وَجْهِهَا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مُطْلَقَا كَالْعَوْرَةِ لَكِنْ إذَا سَدَلَتْ يَكُونُ الثَّوْبُ مُتَجَافِيًا عَنْ وَجْهِهَا بِحَيْثُ لَا يُصِيبُ الْبَشَرَةَ هَكَذَا