الفصل الأول: أثر المذاهب العقدية الكلامية على علوم السنة.

٥٤ فقرة، ج ١ ص ٦٩

الصفحة ٢ من ٢

  1. ومع أن أبا الحسن الأشعري قد مر بمراحل، من اعتزاليته إلى كلابيته إلى أن ألف كتابه (الإبانة) في أواخر حياته، وهو

    ج ١ ص ٧٩أقرب كتبه إلى مذهب السلف؛ إلا أنه خلال ذلك كله كان إمام المتكلمين، يدافع عن علم الكلام، وله فيه مصنف: (رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، والرد على من ظن الاشتغال بالكلام بدعة) (١) .

    1. (١)تاريخ التراث العربي لسزكين (١ /٤ /٣٨) .
    ج ١ ص ٧٨
  2. غير أن موازنة سريعةً بين: مصنفات الأشعري كـ (الإنابة) و (مقالات الإسلاميين) ، ومصنفات متأخري المتكلمين (أشعرية وغيرهم) كـ (شرح المقاصد) للتفتازاني (سعد الدين مسعود بن عمر، المتوفي سنة

    ٧٩٣هـ) ، وقبله مؤلفات إمام الحرمين الجويني كـ (الشامل) و (لمع الأدلة) و (الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد) = مثل هذه الموازنة تظهر (من خلال النظرة الأولى) فرقاً واضحاً بين مؤسس المذهب وأتباعه من المتأخرين ‍‍لا في المسائل المقررة فحسب، بل وفي منهج الاستدلال أيضاً ‍‍من حيث إن كتب المتأخرين أغرقت بعيداً في علم الكلام، أكثر من الأشعري إمام المتكلمين في عصره ‍‍‍

    ولقد كان لذلك من الأثر، أن كان للأشعرية في انسياقها لعلم الكلام اتجاهان؛ الاتجاه الأول: فيه اعتناء بإثبات مسائله بأدلة الكتاب والسنة، مع الاعتناء بعلم الكلام. وهذا يمثله الأشعرية المحدثون كالبيهقي (أحمد بن الحسين ن المتوفي سنة ٤٥٨هـ) . والاتجاه الثاني: مغرق في علم الكلام، قليل الاعتناء بأدلة الكتاب والسنة. ويمثل هذا الاتجاه الأشعرية الفقهاء، من أمثال أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣هـ) ، وإمام الحرمين الجويني قبل رجوعه إلى مذهب السلف قبيل وفاته (٢) .

    1. (٢)انظر المقدمة التي كتبها الدكتور عبد المجيد تركي لكتاب (شرح اللمع) للشيرازي، متكلماً فيها عن عقيدة الشيرازي (٧٣ -٨٨)
  3. إن هذه الصفحة القصيرة في تاريخ الفرق الكلامية (وخاصة الأشعرية) ، إنما ذكرتها لأبين: كيف أثر علم الكلام والعلوم العقلية على علوم السنة؟ وكيف دخلت العلوم العقلية هذه على المحدثين علماً طارئاً دخيلاً عليهم وعلى علومهم؟

    ج ١ ص ٨٠
  4. وقد تبين ذلك ‍

    ومع أننا ـ أساساً ـ إنما نؤرخ لمصطلح الحديث، ومع أن ذلك قد يبدو بعيداً عن مذهب عقدي كالأشعرية؛ إلا أن كلامنا عن بداية تغلغل هذا المهذب العقدي في الوسط العلمي، ذلك المذهب المعروف بمنهجه الكلامي في الاستدلال والمناظرة، وبتأثره الكبير بالفلسفة = يظهر (بالتلازم) بداية تغلغل هذا المنهج والأثر في كثير من الأوساط العلمية، بجميع فنونها وعلومها. وليس أدل على ذلك، من وجود أئمةٍ في الحديث.. أشاعرةٍ في الوقت نفسه ‍‍مع أن ذلك (لولا هذا الواقع الذي أصبح مألوفاً) تناقض، كان من المفروض أن يكون مستحيلاً ‍‍إلا أن تلك العوامل لوقوع مثل هذا التناقض، هي التي فسرت لنا أسباب وقوعه، ومن قبل: جعلت المستحيل غير مستحيل ‍‍

    وإذا كان (الشافعية أسعد الناس بالحديث) ، وهي عبارة صادقة تعني أن أكثر المحدثين والمصنفين في الحديث وعلومه من الشافعية = فإن الأشعرية أيضاً (من وجه آخر) أسعد الناس بالشافعية. وهذا يبين لك: مقدار الأثر الذي سوف يكون لهذا المذهب العقدي على الحديث وعلومه.

  5. وإن كانا نخص (مصطلح الحديث) بالدراسة، فإنك إذا عرفت أن من أبرز سمات الأشعرية (كما تذكر ذلك دراسة جديدة قيمة) : ضرورة المقدمات المنطقية والعقلية لتحديد (المصطلحات) ، والإحالة عليه عند عرض ما يتعلق بها من

    ج ١ ص ٨١موضوعات العقيدة (١) = إذا عرفت هذا عرفت أيضاً: لم كان لهذا المذهب العقدي أثر

    على أصول الحديث ومصطلحاته ‍وسوف يكون لنا ـ فيما نستقبل من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى ـ وقفة مع المعرفات المنطقية،

    وأثرها في علوم الحديث (٢) .

    1. (١)انظر (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود (٢ /٦٩٤٩) . وقد كنت كتبت هذه الدراسة قبل صدور هذا الكتاب القيم، فلما صدر حاولت الاستفادة منه قدر الإمكان.
    2. (٢)انظر (ص ١٥٩ - ١٦٨) .
  6. إلا أنه مما يلزم التنبيه عليه: هو أن تأثير المذهب الأشعري وغيره من المذاهب الكلامية على العلوم الإسلامية، لم يكن على درجات متساوية، فليست (اصول الفقه) مثلاً في تأثرها بالعلوم العقلية مثل (أصول الحديث) . ومن أسباب هذا التفاوت: غلبة الأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية على علماء ذلك الفن أكثر من غيره، ثم طبيعة الفن نفسه في قابليته للتأثر بالعلوم العقلية أكثر من غيره من الفنون. ولا شك أن علماء الحديث وعلم الحديث، بناءً على الملاحظة النظرية لهذين السببين، من المفترض أن يكونا أقل تأثراً بالمذاهب الكلامية من غيرهما. ولا شك أن هذا صحيح، مع كل ما سبق. إلا أن عمق التأثر لم يزل يزداد على العلوم الإسلامية كلها، عبر العصور المتلاحقة، ومن بينها علوم الحديث.

  7. لكننا نستفيد من التقرير السابق: أن القرن الرابع الهجري، الذي بدأت فيه المذاهب الكلامية في استجلاب بعض المحدثين إليها (كما تقدم بيانه) ، لم تتعمق فيه آثار تلك المذاهب على علم الحديث ومصطلحه، عند من اتقد بها من محدثي هذا القرن.

  8. ذالك لأنه حتى من اعتقد المذهب الأشعري (مثلاً) من المحدثين في هذا العصر، فهو ـ غالباً إنما اعتقده لظنه أنه المنقذ أمام المد الاعتزالي، ولذلك كان بعضهم يزعم أن مذهبه الكلامي ذاك هو مذهب السلف، جهلاً منه بمذهب السلف. ومثل هذا الصنف من المحدثين، ممن عاش في القرن الرابع، لن يكون لاعتقاده الكلامي أثر ذو بالٍ على علوم السنة ومصطلحها، لأن تأثره في المعتقد، لم يبلغ إلى درجة أن يعمق فيه المنهج الكلامي، ليؤثر عليه ـ بعد ذلك ـ في علم الحديث، العلم السني ذي المناعة الذاتية من تلك العلوم الدخيلة (العوم العقلية) ‍

    غير أن أثر تلك المذاهب أخذ في الظهور خلال اقرون اللاحقة، كما ذكرناه سابقاً. فالقرن الخامس زاد فيه أثر تلك المذاهب على علوم السنة عن القرن الرابع، وهو ـ مع ذلك أقل تأثراً من القرن السادس ... وهكذا.

    ج ١ ص ٨٢
  9. أما من لم يتبع مذهباً كلامياً، من علماء الحديث في القرن الرابع، وهم فئام كبير منهم = فهؤلاء بعيدون كل البعد عن التأثر بالعلوم العقلية، وبالمنهج الكلامي لتلك المذاهب، في تقرير قواعد علوم الحديث وشرح مصطلحاته وفي غير ذلك من العلوم الشرعية. وهؤلاء المحدثون في الحقيقة لم يزالوا على إرث سلفهم (علماء القرن الثالث) ، وكأنهم امتداد (وهم كذلك) لذلك الإرث ولألئك العلماء.

  10. ومن أمثال هؤلاء: بعض أعلام نقاد الحديث في القرن الرابع، كأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) . الذي كان يقول: ((ما في الدنيا شيء أبغض إلي من الكلام) ) (١) ،

    فعلق

    ج ١ ص ٨٣الإمام الذهبي (محمد بن أحمد بن عثمان، المتوفي سنة ٧٤٨هـ) على هذا بقوله: ((لم يدخل الرجل أبداً في علم الكلام، ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفياً (١) .

    1. (١)سؤالات السلمي للدارقطني (رقم ٤٣٢) .
    2. (١)سير أعلام النبلاء (١٨ /٤٥٧) .
  11. إذن فالأشعرية وغيرها من المذاهب الكلامية لم تؤثر في علم الحديث، خلال القرن الرابع، إلا على ذكل القدر المشروح آنفاً. من أن أثرها إنما ينحصر في منم اعتقد بأحد المذاهب الكلامية من المحدثين، دون غيرهم، هذا إن كان لاعتقادهم ذاك أثر عليها، كما تقدم ذكره.

  12. وكان يمكن أن يستمر أثر المذاهب الكلامية محصوراً، على تلك الصورة المذكورة آنفاًَ، خلال القرون اللاحقة بعد القرن الرابع. إلا أن زيادة تعمق المذاهب الكلامية خلال القرون التالية للقرن الرابع، مع ما رافق ذلك من زيادة ضعف تلقي العلوم النقلية = أدى ذلك إلى ازدياد أثر المهج الكلامي على العلوم النقلية (ومنها علم الحديث) ، ازدياداً متدرجاً على مر القرون.

  13. مع ذلك أيضاً، كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية خلال القرون اللاحقة للقرن الرابع محصوراً فيمن اعتقد بها، خاصة وأن مسائل العقيدة، والأسماء والصفات بالأخص، ظلت عند علماء السنة وأتباع الأثر مسائل مصيرية، لا يتهاونون في الدفاع عن مذهب السلف فيها، وينابذون كل ما خالفها، عبر العوهد المتلاحقة.

  14. أقول: كان من الممكن أن يبقى أثر المذاهب الكلامية على علوم السنة محصوراً في من اعتقد بها، لولا أن العلوم العقلية

    ج ١ ص ٨٤والمنهج الكلامي فتح جبهةً جديدة للتأثير على علوم السنة. هذه الجبهة بعيدة كل البعد عن مسائل العقيدة ذا الحساسية البالغة عند المحدثين، إنها جبهة علم أصول الفقه ‍‍‍

    وهذا هو الفصل التالي: