المراد من الحرفين المتقاربين
٧٢ فقرة، ج ١ ص ٢٢٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٢٥
اختلف في المراد من الحرفين المتقاربين على أكثر من قول نذكر منها هنا مضمون قولين:
الأول: ألا يكون بين مخرجي الحرفين المتقاربين مخرج فاصل بينهما وأن يكونا من عضو واحد وذلك مثل العين والحاء المهملتين لكل من الهمزة والهاء وللغين والخاء المعجمتين. هذا بالنسبة لمخارج الحلق. ومثل الجيم والشين والياء لكل من القاف والكاف وللضاد المعجمة من مخارج اللسان. ومثل الفاء لكل من الواو والباء الموحدة والميم بالنسبة لمخرجي الشفتين. وقد يكون الحرفان المتقاربان من عضوين بشرط ألا يفصل بين مخرجيهما فاصل وذلك في مسألتين بالاتفاق: -
الأول: الغين والخاء المعجمتان للقاف والكاف ذلك لأن الغين والخاء يخرجان من أدنى الحلق والقاف والكاف يخرجان من أقصى اللسان ولا فاصل بين المخرجين كما هو ظاهر.
-
الثانية: الظاء المشالة والذال المعجمة والثاء المثلثة للفاء وذلك لأن الظاء المشالة وأختيها يخرجن من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا والفاء تخرج من أطراف الثنايا العليا مع باطن الشفة السفلى ولا فاصل بين المخرجين أيضاً.
- ج ١ ص ٢٢٦
القول الثاني: أن المراد من الحرفين المتقاربين هو التقارب المناسب سواء أكانا من عضو واحد مثل الشين المعجمة والسين المهملة في نحو {ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: ٤٢] ونحو الدال المهملة مع الشين المعجمة في نحو {قَدْ شَغَفَهَا} [يوسف: ٣٠] وكذلك التاء المثناة فوق مع الثاء المثلثة في نحو {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} [الشعراء: ١٤١] أم كانا من عضوين مثل النون مع كل من الواو والميم في نحو {مِن وَلِيٍّ} [الرعد: ٣٧] {مِّن مَّالِ الله} [النور: ٣٣] . ويمكن أخذ هذا القول من تعريف المتقاربين في إحدى صوره المتقدمة التي هي التقارب في الصفة دون المخرج. وهذا القول هو أرجح من الأول بل وأرجح الأقوال الواردة في هذه المسألة التي اضطربت فيها كتب التجويد في القديم والحديث إذ بمقتضى القول الأول أنه لا يجوز إدغام شيء من الأمثلة التي أوردناها في القول الثاني لوجود فاصل بين كل من مخرجي الحرفين المذكورين في أمثلته فقد فصل بمخرج واحد بين التاء المثناة فوق والثاء المثلثة في نحو {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} [الشمس: ١١] المثال المذكور وبأكثر من مخرج في باقي الأمثلة. ومع هذا فقد ورد أدغامها في المتواتر في أكثر من قراءة في الأمثلة الثلاثة الأولى وبالإجماع في الرابع والخامس اي في النون مع كل من الواو والميم. ومن المقرر أن المسوغ للإدغام واحد من ثلاثة، التماثل أو التقارب أو التجانس. وحد التماثل والتجانس لا يصدق على الأمثلة المذكورة في القول الثاني. بقي من المسوغ التقارب وبه جاز الإدغام فيها. ومن ثم كان المراد من التقارب هو التقارب النسبي لما ذكرنا وكان هو أرجح الأقوال الواردة في هذه المسألة والتي تركنا ذكرها خوف التطويل. إذ ما ذكرنا هو أهم ما فيها.
-
هذا: ومما ينبغي معرفته أن كل حرفين صح إدغامهما سواء أكان الإدغام
ج ١ ص ٢٢٧واجباً أم جائزاً ولم ينطبق عليهما حد المثلين ولا حد المتجانسين كان المسوغ للإدغام حينئذ هو التقارب. إذ هو الباقي من أسباب الإدغام الثلاثة فإن فصل بين المخرجين بأكثر من مخرج كالأمثلة التي ذكرنا كان سبب الإدغام حينئذ هو التقارب النسبي وهو كثير في المدغم جوازاً. وسنذكر منه الكثير في باب الإدغام إن شاء الله تعالى.
-
تنبيه: قال صاحب انشراح الصدور: وأما حروف المد الثلاثة مع غيرها من حروف الهجاء فلا يقال بينهما متقاربان ولا متجانسان ولا متباعدان لأنه لم يكن لحروف المد مخرج من حيز مخصوص كغيرها والله أعلم أهـ بحروفه.
-
وقال صاحب السلسبيل الشافي بنحو ما قاله صاحب انشراح الصدور.
قلت: ويستثنى من اجتماع حروف المد مع غيرها الياء المدية إذا جاورت الياء المتحركة مثل: {الذى يُوَسْوِسُ} [الناس: ٥] وكذلك الواو المدية إذا جاورت الواو المتحركة مثل: {قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ} [يوسف: ٧١] فإن الياء والواو المدِّيتان مع ما جاورهما يوصفان حينئذ بالمثلين لصدق الحد عليهما لأن اسمهما واحد ورسمهما واحد وقد تقدم ذلك في صدر الباب، فتأمل وبالله التوفيق.
- ج ١ ص ٢٣٢
وأما الشرط الخاص بالمدغم فيه فهو أن يكون أكثر من حرف إذا كان الإدغام في كلمة، فيدخل القاف والكاف في نحو {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} [المرسلات: ٢٠] بالاتفاق ونحو {خَلَقَكُمْ} [الروم: ٤٠] و {رَزَقَكُمْ} [الروم: ٤٠] و {يَخْلُقُكُمْ} [الزمر: ٦] و {سَبَقَكُمْ} [العنكبوت: ٢٨] عند من أدغم ويخرج نحو {خَلَقَكَ} [الكهف: ٣٧] و {نَرْزُقُكَ} [طه: ١٣٢] فلا إدغام فيه.
-
كيفية الإدغام
أما كيفيته فهي جعل المدغم وهو الحرف الأول من جنس المدغم فيه وهو الحرف الثاني فمثلاً إذا أدغمت النون في اللام أو في الراء في نحو {مِن لَّدُنَّا} [الكهف: ٦٥] . {مِن رِّزْقِ الله} [البقرة: ٦٠] فتقلب النون لاماً في المثال الأول وراء في المثال الثاني وتدغم اللام في اللام والراء في الراء وحنيئذ يصير النطق بلام مفتوحة مشددة بعد الميم في {مِن لَّدُنَّا} [الكهف: ٦٥] وبراء مكسورة مشددة بعد الميم في {مِن رِّزْقِ الله} [البقرة: ٦٠] .
-
ومن ثم يتضح أن هذه الكيفية تمت بعملين هما: قلب المدغوم وهو الحرف الأول من جنس المدغم فيه وهو الحرف الثاني. ثم إدغامه في المدغم فيه. وهذان العملان فيما إذا كان الإدغام في غير المثلين.
-
أما إذا كان الإدغام في المثلين فكيفته تتم بعمل واحد وهو إدغام الأول في الثاني
ج ١ ص ٢٣٣كالفاء في نحو {َلاَ يُسْرِف فِّي القتل} [الإسراء: ٣٣] .
-
وكل من العملين اللذين في إدغام غير المثلين والعمل الواحد الذي في إدغام المثلين فيما إذا سكن الحرف الأول من المثلين أو المتقاربين أو المتجانسين.
-
أما إذا تحرك الحرفان في كل من الثلاثة فتتم كيفية الإدغام بعملين اثنين في المثلين وبثلاثة أعمال في المتقاربين والمتجانسين.
-
أما عملا إدغام المثلين فهما تسكين المدغم ثم إدغامه في المدغم فيه كالميمين في نحو {الرحيم مالك} [الفاتحة: ٣-٤] وحينئذ يصير النطق بميم واحدة مفتوحة مشددة بعد الياء المدية.
-
وأما الأعمال الثلاثة التي في إدغام المتقاربين والمتجانسين فهي قلب المدغم من جنس المدغم فيه. ثم تسكينه. ثم إدغامه في المدغم فيه مثال إدغام المتقاربين القاف في الكاف من نحو {خَلَقَكُمْ} [البقرة: ٢١] .
-
ومثال إدغام المتجانسين التاء المثناة فوق في الطاء المهملة في نحو {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار} [هود: ١١٤] وهنا يصير النطق في {خَلَقَكُمْ} [البقرة: ٢١] بكاف واحدة مضمومة مشددة بعد اللام. وبطاء واحدة مفتوحة مشددة بعد الفاء المد المعانقة للام في {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ} [هود: ١١٤] .
-
وهنا يتضح جليّاً أن المدغم في الأمثلة الواردة ذكرها في كيفية الإدغام هذه لم يبق له أثر لاستهلاكه في المدغم فيه كما هو واضح في النطق، والله أعلم.
-
أقسام الإدغام
أما أقسامه فأثنان: صغير وكبير:
فالصغير هو إدغام ساكن في متحرك كإدغام التاء في الدال في نحو {
ج ١ ص ٢٣٤حَصَدتُّمْ} [يوسف: ٤٧] والميم في الميم في نحو {كَم مِّن فِئَةٍ} [البقرة: ٢٤٩] والقاف في الكاف من {أَلَمْ نَخْلُقكُّم} [المرسلات: ٢٠] .
-
وسمي صغيراً لقلة أعمال المدغم حال الإدغام بالنسبة للكبير. وقيل لكونه إدغام ساكن في متحرك.
-
والكبير هو إدغام متحرك في متحرك كإدغام اللام في اللام في نحو {جَعَلَ لَكُمُ} والتاء المثناة فوق في السين وفي الطاء المهملتين في نحو {الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ} [النساء: ٥٧، ١٢٢] و {الصالحات طوبى} [الرعد: ٢٩] .
-
وسمي كبيراً لكثرة أعمال المدغم وقد تقدم آنفاً تفصيل ذلك أثناء الكلام على كيفية الإدغام وقيل لكونه إدغام متحرك في متحرك وقيل لكثرة وقوعه. وقيل لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه. وقيل لشموله المثلين والمتقاربين والمتجانسين وقيل غير ذلك.
-
موانع الإدغام
أما موانعه بالنسبة للإدغام الكبير فهي مبسوطة في كتب الخلاف تركنا ذكرها هنا طلباً للاختصار لأن الإدغام الكبير لم يقع في رواية حفص عن عاصم إلا في كلمتين تقدم ذكرهما عند الكلام على تعريف المثلين.
- ج ١ ص ٢٣٥
وأما موانع الإدغام بالنسبة للصغير فسنذكرها إن شاء الله تعالى عند ذكر الإدغام الممتنع منه.
-
المقصود ذكره من الإدغام في هذا المختصر أما المقصود ذكره منه في هذا المختصر فهو الإدغام الصغير لأنه الأهم بالنسبة للمبتدئين في هذا الفن وبالأخص معرفة الواجب منه ولأنه أشد تعلقاً برواية حفص عن عاصم المشهورة في كثير من الأمصار.
-
أما الإدغام الكبير فلم يقع في رواية حفص عن عاصم إلا في كلمات يسيرة كما تقدم منها كلمة {مَكَّنِّي} [الكهف: ٩٥] بالكهف وتقدم الكلام عليها في المثلين.
-
وكلمة {لاَ تَأْمَنَّا} [يوسف: ١١] بيوسف وسنذكرها في خاتمة باب الإدغام بعون الله سبحانه ولذا تركنا ذكر الكبير في هذا المختصر وفيما يلي الكلام على ما قصدنا ذكره وهو الإدغام الصغير.
-
الكلام على الإدغام الصغير
وهو ما كان الحرف الأول ساكناً والثاني متحركاً كما تقدم ويقع في كل من المثلين والمتقاربين والمتجانسين وينقسم هذا الإدغام إلى ثلاثة أقسام: واجب وجائز وممتنع ثم إلى كامل وناقص.
-
١- فالواجب هو ما وجب إدغامه عند كل القراء.
-
٢- والممتنع هو ما امتنع إدغامه عندهم كذلك.
-
٣- والجائز هو ما جاز أدغامه وإظهاره عند بعضهم.
-
١- الإدغام الكامل هو سقوط المدغم ذاتاً وصفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفاً واحداً مشدداً نحو {مِن لَّدُنِّي} [الكهف: ٧٦] وسمي إدغاماً كاملاً لاستكمال التشديد.
- ج ١ ص ٢٣٦
٢- والإدغام الناقص هو سقوط المدغم ذاتاً لا صفة بإدغامه في المدغم فيه وبذلك يصير المدغم والمدغم فيه حرفاً واحداً مشدداً تشديداً ناقصاً نحو {فَرَّطَتُ} [الزمر: ٥٦] وسمي بذلك لأنه غير مستكمل التشديد وفيما يلي الكلام على كل مفصلاً.
-
الكلام على الإدغام الواجب
وسمي بذلك لإجماع القراء على وجوب إدغامه ويكون في المثلين والمتقاربين والمتجانسين وإليك بسط الكلام على كل.
-
الإدغام الواجب في المثلين وضابطه
وهو مشروط بشرطين:
الأول: متفق عليه.
-
والثاني: مختلف فيه.
-
أما الشرط المتفق عليه فهو ألا يكون أول المثلين حرف مد كالواوين في نحو قوله تعالى: {اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠] وكالياءين في نحو {الذى يُوَسْوِسُ} [الناس: ٥] فإن كان كذلك فحكمه الإظهار بالإجماع لئلا يذهب المد بسبب الإدغام. فلذا بقي الإظهار محافظة على المد.
-
أما إذا سكنت الواو الأولى وانفتح ما قبلها وجب إدغامها في المتحركة بعدها نحو قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} [المائدة: ٩٣] {آوَواْ ونصروا} [الأنفال: ٧٢، ٧٤] وذلك لأن حرف اللين بمنزلة الصحيح. ولم يقع في القرآن الكريم ياء لينية بعدها ياء متحركة ولو وقعت لوجب الإدغام.
- ج ١ ص ٢٣٧
وأما الشرط المختلف فيه فهو ألا يكون أول المثلين هاء سكت. ولم يقع من ذلك في التنزيل إلا موضع واحد وهو لفظ {مَالِيَهْ} من {مَالِيَهْ هَّلَكَ} [بالحاقة، الآيتان: ٢٨، ٢٩] . وقد اختلف فيه. فقال البعض بالإدغام على القاعدة العامة، "أي أن أول المثلين ساكن وليس حرف مد، والثاني متحرك كما سيأتي بعد" . وقال البعض الآخر بالإظهار وهو الأرجح والمقدم في الأداء وعليه الجمهور.
-
ووجهه أن هاء السكت لا حظ لها في الإدغام. وكيفية الإظهار الوقف على هاء "ماليه" وقفة لطيفة من غير تنفس. وهذان الوجهان أي الإظهار والإدغام جائزان في حال وصل ماليه بهلك لمن أثبت الهاء من القراء حينئذ ومنهم حفص عن عاصم.
-
أما في حالة الوقف فلا خلاف في إثبات الهاء للكل.
-
وفيما سوى هذين الشرطين يدغم أول المثلين في الثاني وجوباً لكل القراء سواء كان في كلمة نحو {يُدْرِككُّمُ} [النساء: ٧٨] {يُوَجِّههُّ} [النحل: ٧٦] {الم} [البقرة: ١] {المر} [الرعد: ١] أو في كلمتين نحو {رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} {اضرب
ج ١ ص ٢٣٨بِّعَصَاكَ} [الأعراف: ١٦٠] . {فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل} [الإسراء: ٣٣] {وَقَدْ دَّخَلُواْ} [المائدة: ٦١] {كَانَت تَّأْتِيهِمْ} [التغابن: ٦] {قُل لَّكُم} [سبأ: ٣٠] {عَصَوْاْ وَّكَانُواْ} [آل عمران: ١١٢] {إِن نَّشَأْ} [الشعراء: ٤] . {إِذ ذَّهَبَ} [لأنبياء: ٨٧] وما إلى ذلك.