ومن كلام علي بن أبى طالب رضي الله عنه
٩ فقرات، ج ٢ ص ١٤٣
- ج ٢ ص ١٤٣
كتابة إلى علي حين حصر - رضي الله عنهما أما بعد، فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين، وطمع فيَّ من لا يدفع عن نفسه.
-
فإذا أتاك كتابي هذا: فأقبل إلى، على كنت أم لى.
-
/ فإن كنت مأكولا: فكن خيرآكل * وإلا فأدركني ولمّا أُمزَّقِ (٢) * * * ومن كلام علي بن أبى طالب رضي الله عنه قال: لما قبض أبو بكر رضي الله عنه ارتجت المدينة بالبكاء، كيوم قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عليّ باكياً مسترجعاً (٣) ، وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر،
فقال: رحمك (٤) الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنسه، وثقته وموضع سره، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً، وأشدهم يقيناً، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسول الله (٥) ، وأثبتهم (٦) على الاسلام، وأيمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، / وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله (٧) صلى الله عليه وسلم سنناً (٨) وهدياً، ورحمة وفضلاً، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه، وأوثقهم عنده.
- ج ٢ ص ١٤٤
فجزاك (١) الله عن الإسلام وعن رسوله خيراً، كنت عنده بمنزلة السمع
والبصر.
-
صدقت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين كذّبه الناس، فسماك في تنزيله صديقا، فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به) (٢) .
-
وآسيته حين بخلوا، وقمت معه عند المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدائد أكرم الصحبة، ثاني اثنين وصاحبه (٣) في الغار، والمنزل عليه السكينة والوقار، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وفى أمته - أحسن الخلافة - حين ارتد الناس، فنهضت حين وهن أصحابك، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، وقمت بالامر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتعوا (٤) ، مضيت بنور إذ وقفوا، واتبعوك فهدوا.
-
/ وكنت أصوبهم منطقا، وأطولهم صمتاً، وأبلغهم قولاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم نفساً، وأعرفهم بالأمور، وأشرفهم عملاً.
-
كنت للدين يَعْسُوباً (٥) ، أولاً: حين نفر عنه الناس، وآخراً: حين قفلوا (٦) ، وكنت للمؤمنين أباً رحيماً، إذ صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه (٧) ، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، شمّرت إذ خنعوا، وعلوت إذ هلعوا، وصبرت إذ جزعوا، وأدركت أوتار ما طلبوا، وراجعوا رشدهم برأيك فظفروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا.
-
وكنت كما قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم آمن الناس عليه في صحبتك وذات يدك، وكنت كما قال: ضعيفاً في بدنك، قوياً في أمر الله، متواضعاً في نفسك، عظيماً عند الله، جليلاً في أعين الناس (٨) ، كبيرا في أنفسهم.