خطبة لقس بن ساعدة الإيادى

٥٨٥ فقرة، ج ٢ ص ١٥١

الصفحة ٤ من ١٥

  1. * * * وقوله:
  2. إذا ما الثُريا في السماء تعرضت * تعرض أثناء الوشاح المفصل (٤) قد أنكر عليه قوم قوله: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت " ، وقالوا: الثريا لا تتعرض (٥) ، حتى قال بعضهم: سمى الثريا وإنما أراد الجوزاء، لأنها تعرض، والعرب تفعل ذلك، كما قال زهير: " كأحمر / عاد " (٦) وإنما هو أحمر ثمود (٧) .

    وقال بعضهم في تصحيح قوله [إنما] تعرض: أول ما تطلع [وحين

    ج ٢ ص ١٧٣تغرب] (١) ، كما أن الوشاح إذا طرح يلقاك بعرضه، وهو ناحيته (٢) .

  3. وهذا كقول الشاعر (٣) : تعرضت لي بمجاز خلٍ * تعرض المهرة في الطول (٤) يقول: تريك عرضها وهى في الرسن.

  4. / وقال أبو عمرو: يعني إذا أخذت الثريا في وسط السماء، كما يأخذ الوشاح وسط المرأة.

  5. والأشبه عندنا (٥) : أن البيت غير معيب من حيث عابوه به، وأنه من محاسن هذه القصيدة، ولولا أبيات عدة فيه لقابله ما شئت من شعر غيره، ولكن لم يأت فيه بما يفوت الشأو، ويستولي على الامد.

  6. أنت تعلم أنه ليس للمتقدمين ولا للمتأخرين في وصف شئ من النجوم مثل ما في وصف الثريا، وكل قد أبدع فيه وأحسن، فإما أن يكون قد عارضه أو زاد (٦) عليه.

  7. فمن ذلك قول ذي الرمة: وردت اعتسافاً والثريا كأنها * على قمة الرأس ابن ماء محلق (٧)

  8. ومن ذلك قول ابن المعتز: وترى الثُريا في السماء كأنها * بيضاتُ أدحى يلُحْن بفدفد (١) وكقوله: كأن الثريا في أواخر ليلها * تفتحُ نَوْرٍ أو لجام مُفَضَّضِ (٢) وقوله أيضاً: فناوَلِنيها والثريا كأنها * جنى نرجس حيى الندامى به الساقي (٣) / وقول الأشهب بن رميلة: ولاحت لساريها الثريا كأنها * لدى الأفقِ الغربيِّ فرط مسلسلِ (٤) ولابن المعتز: وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعه * كذاتِ قُرطٍ أرادَتْهُ وقد سقطا (٥) أخذه من ابن الرومي في قوله: طيبٌٌ ريقُه إذا ذُقتَ فاه * والثريا بجانب الغربِ قُرطُ (٦) ولابن المعتز: قد سقاني المدام وال * صبح بالليل مؤتزر والثريا كنور غص * ن على الأرض قد نُثِر (٧) وقوله: وتروم الثريا * في السماء مراما (٨)

    ج ٢ ص ١٧٤
  9. كانكبابِ طِمْرٍ * كاد يلقى لجاما ولابن الطثرية: إذا ما الثريا في السماء كأنها * جُمانٌ وهى من سلكه فتبددا (١) / ولو (٢) نسخت لك كل ما قالوا من البديع في وصف الثريا - لطال عليك الكتاب، وخرج (٣) عن الغرض، وإنما نريد أن نبين لك أن الإبداع في نحو هذا أمر قريب (٤) ، وليس فيه شئ غريب.

    ج ٢ ص ١٧٥
  10. وفي جملة ما نقلناه ما يزيد على تشبيهه (٥) في الحسن، أو يساويه، أو يقاربه (٦) .

  11. فقد علمت أن ما حلق (٧) فيه، وقدر المتعصب له أنه بلغ النهاية فيه - أمر مشترك، وشريعة مورودة، وباب واسع، وطريق مسلوك.

  12. وإذا كان هذا بيت القصيدة، ودرة القلادة، وواسطة العقد وهذا محله (٨) - فكيف بما تعداه؟ ! ثم فيه ضرب من التكلف، لأنه قال: " إذا ما الثريا في السماء تعرضت تعرض أثناء الوشاح " ، فقوله: " تعرضت " : من الكلام الذى يستغنى عنه، لانه يشبه أثناء الوشاح [بالثريا] (٩) ، سواء كان في وسط السماء، أو عند الطلوع والمغيب، فالتهويل بالتعرض، والتطويل بهذه الألفاظ، لا معنى له.

  13. وفيه: أن الثريا كقطعة من الوشاح المفصل، فلا معنى لقوله " تعرض

    أثناء الوشاح "، وإنما أراد أن يقول: تعرض قطعة من / أثناء الوشاح، فلم يستقم له اللفظ، حتى شبه ما هو كالشئ الواحد بالجمع (١٠) .

  14. وقوله: فجئت وقد نَضَّت لنومٍ ثيابَها * لدى السِّتر إلا لبَسة المتفضِّلِ فقالت: يمينُ اللهِ مالك حيلة * وما إن أرى عنك الغواية تنجلي (١) انظر إلى البيت الأول والأبيات التي قبله، كيف خلط في النظم، وفرط في التأليف! فذكر التمتع بها، وذكر الوقت والحال والحراس - ثم ذكر (٢) كيف كان صفتها لما دخل عليها ووصل إليها، من نزعها ثيابها إلا ثوبا واحد والمتفضل: الذي في ثوب واحد، وهو الفضل، فما كان من سبيله أن يقدمه إنما ذكره مؤخراً.

    ج ٢ ص ١٧٦
  15. وقوله: " لدى الستر " : حشو، وليس بحسن ولا بديع، وليس في البيت حسن، ولا شئ يفضل لاجله.

  16. وأما البيت الثاني ففيه تعليق (٣) واختلال، ذكر الأصمعي أن معنى قوله " مالك حيلة " ، أي ليست لك جهة تجئ فيها والناس أحوالى (٤) .

  17. / والكلام في المصراع الثاني منقطع عن الأول، ونظمه إليه فيه ضرب من التفاوت.

  18. * * * وقوله: فقمت بها أمشي تجُرُّ وراءنا * على إثرنا أذيال مِرطٍ مُرَجَّل فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى * بنا بطنُ خُبتٍ ذي حقافٍ عقنقل (٥) البيت الاول [يذكر من محاسنه] (٦) : من مساعدتها إياه، حتى قامت معه ليخلوا، وأنها (٧) كانت تجر على الأثر أذيال مرط مرجل، والمرجل: ضرب من البرود، يقال لوشيه (٨) : الترجيل، وفيه تكلف.

  19. لانه قال: " وراءنا على

    ج ٢ ص ١٧٧إثرنا "، ولو قال " على إثرنا " كان كافيا، والذيل إنما يجر (١) وراء الماشي، فلا فائدة لذكره " وراءنا "، وتقدير القول: فقمت أمشي بها، وهذا أيضاً ضرب من التكلف.

  20. وقوله " أذيال مرط "، كان من سبيله أن يقول: ذيل مرط.

  21. على أنه لو سلم من ذلك كان قريباً ليس مما يفوت بمثله غيره، ولا يتقدم به سواه.

  22. وقول ابن المعتز أحسن منه: / فبت أفرش خدي في الطريق له * ذلا وأسحب أكمامي على الاثر (٢) وأما البيت الثاني فقوله " أجزنا " بمعنى " قطعنا "، و " الخبت ": بطن من الارض، و " الحقف ": رمل منعرج، " العقنقل ": المنعقد من الرمل الداخل بعضه في بعض.

  23. وهذا بيت متفاوت (٣) مع الأبيات المتقدمة، لأن فيها ما هو سلس (٤) قريب يشبه كلام المولدين وكلام البذلة، وهذا قد أغرب فيه وأتى بهذه اللفظة الوحشية المتعقدة، وليس في ذكرها والتفضيل بإلحاقها بكلامه (٥) فائدة.

  24. والكلام الغريب واللفظة الشديدة المباينة (٦) لنسج الكلام قد تحمد إذا وقعت موقع الحاجة في وصف ما يلائمها، كقوله عز وجل في وصف يوم القيامة: (يَوْمَاً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) (٧) .

  25. فأما إذا وقعت في غير هذا الموقع، فهي مكروهة مذمومة، بحسب ما تحمد في موضعها.

  26. وروي أن جريراً أنشد بعض خلفاء بني أمية قصيدته (٨) : بان الخليطُ برامتينِ فودعوا * أو كلما جَدُّوا لبينٍ تجزعُ؟ / كيف العزاءُ ولم أجد مُذ بِنْتُمُ * قلباً يقرُّ ولا شراباً ينقع (٩) قال: وكان يزحف من حسن هذا الشعر، حتى بلغ قوله: وتقول بَوْزَعُ: قد دببت على العصا * هلاّ هزِئتِ بغيرنا يابوزع

    ج ٢ ص ١٧٨فقال: أفسدت شعرك بهذا الاسم! ! * * * وأما قوله: هصرتُ بغصني دوحةٍ فتمايلت * عليّ هضيم الكشحِ ريا المخلخَل (١) مهفهفةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضةٍ * ترائِبُها مصقولة كالسجنجل فمعنى قوله " هصرت " : جذبت وثنيت.

  27. وقوله " بغصني دوحة " ، تعسف، ولم يكن من سبيله أن يجعلهما اثنين.

  28. والمصراع الثاني أصح، وليس فيه شئ إلا ما يتكرر على ألسنة الناس من هاتين الصفتين.

  29. وأنت تجد ذلك في وصف كل شاعر، ولكنه - مع تكرره على الألسن - صالح.

  30. وأما معنى قوله " مهفهفة " : أنها مخففة ليست مثقلة.

  31. و " المفاضة " : التي اضطرب طولها.

  32. والبيت - مع مخالفته في الطبع الأبيات المتقدمة، ونزوعه فيه (٢) / إلى الألفاظ المستكرهة، وما فيه من الخلل، من تخصيص الترائب بالضوء، بعد ذكر جميعها بالبياض - فليس بطائل، ولكنه قريب متوسط.

  33. * * * وقوله: تَصُدُّ وتُبدي عن أسيل وتتقي * بناظرةٍ من وحشِ وجرةَ مُطفلِ وجيدٍ كجيد الرِّيم ليس بفاحشٍ * إذا هي نصته ولا بمعطل معنى قوله " عن أسيل " : أي بأسيل، وإنما يريد خدا ليس بكز.

  34. وقوله "، تتقى " يقال: اتقاه بحقه (٣) أي جعله بينه وبينه.

  35. وقوله: " تصد وتبدي عن أسيل " : متفاوت، لأن الكشف عن الوجه مع الوصل دون الصد.

    ج ٢ ص ١٧٩
  36. وقوله: " تتقي بناظرة " : لفظة مليحة، ولكن أضافها إلى ما نظم به (١) كلامه، وهو مختل، وهو قوله: " من وحش وجرة " ! وكان يجب أن تكون العبارة بخلاف هذا، كان من سبيله أن يضيف إلى عيون الظباء أو المها دون إطلاق الوحش، ففيهن ما تستنكر عيونها.

  37. / وقوله " مطفل " فسروه على أنها ليست بصبية، وأنها قد استحكمت، وهذا اعتذار متعسف.

  38. وقوله " مطفل " : زيادة لا فائدة فيها على هذا التفسير الذي ذكره الأصمعي.

  39. ولكن قد يحتمل - عندي - أن يفيد (٢) غير هذه الفائدة، فيقال: إنها إذا كانت مطفلاً لحظت أطفالها بعين رقة، ففي نظر هذه رقة نظر المودة، ويقع الكلام معلقاً تعليقاً متوسطا.

  40. وأما البيت الثاني فمعنى قوله: " ليس بفاحش " : أي ليس بفاحش الطول.