فصل في ذكر البديع من الكلام
١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦
الصفحة ١٨ من ٢٦
- ج ٢ ص ٤٩
فهذا وما أشبهه فصل.
-
* * * / وأما الوجه الثاني الذي ذكرناه، من إخباره من قصص الأولين، وسير المتقدمين فمن العجيب الممتنع على من لم يقف على الإخبار، ولم يشتغل بدرس الآثار (٥) .
-
وقد حكى في القرآن تلك الأمور حكاية من شهدها وحضرها.
-
ولذلك قال الله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك، إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (٦) .
وقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِب الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (٧) .
وقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطّورِ إِذْ نَادَيْنَا، وَلَكِن رَّحْمَةً مِن رَّبِّكَ، لِتُنْذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُمْ مِنْ نّذَيرٍ مِن قَبْلِكَ) (٨) .
-
فبين وجه دلالته من إخباره بهذه الامور الغائبة السالفة.
- ج ٢ ص ٥٠
/ وقال: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ، مَا كُنْتَ تُعْلَمُها أَنْتَ وَلاَ قَوْمَكَ مِن قبل هذا، فاصبر، إن العاقبة للمتقين) (١) .
-
* * * فأما الكلام في الوجه الثالث، وهو الذي بيناه من الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف، فقد ذكرنا من هذا الوجه وجوهاً: منها: أنا قلنا: إنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم.
-
ومن ادعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحح أنه ليس من قبيل الشعر، ولا السجع، ولا الكلام الموزون غير المقفى، لأن قوماً من كفار قريش ادعوا أنه شعر.
-
ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعراً.
-
ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع، إلا أنه أفصح مما قد اعتادوه من أسجاعهم.
-
ومنهم من يدعي أنه كلام موزون.
-
فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب.
- ج ٢ ص ٥١
/ فصل في نفى الشعر من القرآن قد علمنا أن الله تعالى نفى الشعر عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (١) .
وقال في ذم الشعراء: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُون.
-
أَلَم تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (٢) إلى آخر ما وصفهم به في هذه الآيات.
وقال: (وَمَا هو بقول شاعر) (٣) .
-
وهذا يدل على أن ما حكاه عن الكفار - من قولهم: إنه شاعر، وإن هذا شعر - لابد من أن يكون محمولاً على أنهم نسبوه [إلى أنه يشعر بما لا يشعر به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، لا أنهم نسبوه] في القرآن إلى أن الذي أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة.
-
أو يكون محمولاً على ما كان يطلق الفلاسفة على حكمائهم وأهل الفطنة منهم في وصفهم إياهم بالشعر، لدقة نظرهم في وجوه الكلام وطرق لهم في المنطق.
-
وإن كان ذلك الباب خارجاً عما هو عند العرب شعر على الحقيقة.
-
/ أو يكون محمولا على أنه أطلقه (٤) بعض الضعفاء منهم في معرفة أوزان الشعر.
-
وهذا أبعد الاحتمالات.
-
فإن حمل على الوجهين الأولين كان ما أطلقوه صحيحاً، وذلك أن الشاعر يفطن لما لا يفطن له غيره، وإذا قدر على صنعة الشعر كان على ما دونه - في رأيهم وعندهم - أقدر، فنسبوه إلى ذلك لهذا السبب.
-
فإن زعم زاعم أنه قد وجد في القرآن شعراً كثيراً، فمن ذلك ما يزعمون
أنه بيت تام أو أبيات تامة، ومنه ما يزعمون أنه مصراع، كقول القائل: قد قلت لما حاولوا سلوتي * (هيهاتَ هيهاتَ لِما تُوعَدُون) (٥) ومما يزعمون أنه بيت، قوله: ، (وجِفَانٍ كالجواب وقَدَورٍ رَاسِياتِ) (٦) قالوا: هو من الرمل، من البحر الذى قيل فيه:
ج ٢ ص ٥٢ساكن الريح نطوف ال * - مزن منحل العزالى (١ / وقوله: (مَنْ تَزَكَّى فإِنما يَتَزكْى لِنَفْسِهِ) (٢) .
-
كقول الشاعر من بحر الخفيف: كل يوم بشمسه * وغدٌ مثل أمسه وكقوله عزوجل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهِ يَجْعَلْ لَّهْ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتسِبُ) (٣) قالوا: هو من المتقارب.
-
وكقوله: (وَدَانِيةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلِتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا) (٤) .
-
ويشبعون حركة الميم، فيزعمون أنه من الرجز.
-
وذكر عن أبي نواس أنه ضمن ذلك شعراً، وهو قوله (٥) : وفتيةٍ في مجلسٍ وجوههم * * ريحانُهم قد عَدِموا التثقيلا (دانيةً عَليْهِمُ ظِلالُها * وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلا) وقوله عز وجل: (وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ) (٦) .
-
زعموا أنه من الوافر، كقول الشاعر (٧) : لنا غنمٌ نُسَوِّقُها غِزار * كانّ قرونَ جلّتها عصيُّ (٨) / وكقوله عز وجل: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ.
-
فّذَلِكَ الَّذِي يَدُعّ الْيَتِيِمَ) (٩) ضمنه أبو نواس في شعره ففصل، وقال: " فذاك الذي " وشعره: وقرا مُعلناً ليصدعَ قلبي * والهوى يصدعُ الفؤاد السقيما (١٠) أرأيت الذي يُكِذّبُ بالدي * - ن فذاك الذي يدع اليتيما
ج ٢ ص ٥٣وهذا من الخفيف.
-
كقول الشاعر: وفؤادي كعهده بُسليمى * بهوىً لم يَحُلْ ولم يتغيرْ (١) وكما ضمنه في شعره من قوله: سبحان من سَخّر هذا لنا * (حقَّا) وما كنا له مُقْرنين (٢)
-
فزاد فيه حتى انتظم له الشعر.
-
وكما يقولونه في قوله عز وجل: (وَالْعَادِيَاتِ ضبحا، فالموريات قدحا) (٣) ونحو ذلك من القرآن كثير، كقوله: (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً.
-
فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً.
-
فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً) (٤) .
-
وهو عندهم شعر من بحر البسيط.
-
والجواب عن هذه الدعوى التي ادعوها، من وجوه: / أولها: أن الفصحاء منهم حين أورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعراً، ولم يروه خارجاً عن أساليب كلامهم - لبادروا إلى معارضته، لان الشعر مسخر لهم مسهل عليهم، ولهم فيه ما علمت من التصرف العجيب، والاقتدار اللطيف.
-
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، ولا عولوا عليه -: علم أنهم لم يعتقدوا فيه شيئاً مما يقدره الضعفاء في الصنعة، والمرمدون في هذا الشأن.
-
وإن استدراك من يجئ الآن على فصحاء قريش وشعراء العرب قاطبة في ذلك الزمان وبلغائهم وخطبائهم، وزعمه أنه قد ظفر بشعر في القرآن [وقد] ذهب أولئك النفر عنه وخفى عليهم مع شدة حاجتهم (٥) [عندهم] إلى الطعن في القرآن والغض منه والتوصل إلى تكذيبه بكل ما قدروا عليه - فلن يجوز أن يخفى على أولئك، وأن يجهلوه، ويعرفه من جاء الآن، وهو بالجهل حقيق! إذا كان كذلك، علم أن الذي أجاب به العلماء عن هذا السؤال سديد، وهو أنهم قالوا: أن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعرا، وأقل الشعر
ج ٢ ص ٥٤بيتان فصاعدا.
-
وإلى ذلك ذهب أكثر أهل صناعة العربية من أهل الإسلام.
وقالوا أيضاً: إن ما كان على وزن بيتين، إلا أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما (١) - فليس بشعر.
-
/ ثم منهم من قال: إن الرجز ليس بشعر أصلاً، لا سيما إذا كان مشطوراً أو منهوكا.
-
وكذلك ما كان يقاربه (٢) في قلة الأجزاء.
-
وعلى هذا يسقط السؤال.