فصل في ذكر البديع من الكلام

١٬٠٣٤ فقرة، ج ١ ص ٦٦

الصفحة ٢٢ من ٢٦

  1. وكقول على بن أبى طالب في كتابه إلى ابن عباس، وهو عامله على البصرة: " أرغب راغبهم، واحلُلْ عُقْدَةَ الخوفِ عنهم ".

    ج ٢ ص ٦٨
  2. وقوله رضى الله عنه، حين سئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: " [غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي صلى الله عليه وسلم] إنما قال ذلك والدين في قُلَّ، فأما وقد اتسع نطاق الاسلام، فكل امرئ وما اختار " (١) .

  3. وسأل علي، رضي الله عنه، بعض كبراء فارس، عن أحد ملوكهم عندهم؟ فقال: لأردشير فضيلةُ السبقِ، غير أن أحمدهم أنوشروان.

    قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ قال: الحلم والأناة.

    فقال علي رضي الله عنه: " هما تَوْأَمانِ يُنْتِجُهُما عُلُو الهمة " (٢) .

    وقال: " قيمة كل امرئ ما يحسن ".

    وقال: " العلم قفل، ومفتاح المسألة " (٣) .

  4. وكتب خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس: " أما بعد، فالحمد لله / الذى فض خَدَمتكم، وفرَّقَ كلمتكم ".

  5. والخدمة: الحلقة المستديرة، ولذلك قيل للخلاخيل، خِدام (٤) .

    وقال الحجاج: " دلوني على رجل سمينِ الأمانة " (٥) .

  6. ولما عقدت الرئاسة لعبد الله بن وهب الراسبي (٦) على الخوارج، أرادوه

    ج ٢ ص ٦٩على الكلام، فقال: " لا خير في الرأي الفطير " (١) ، وقال: " دعوا الرأي يُغِبُّ " (٢) .

    وقال أعرابي في شكر نعمة (٣) : " ذاك عُنْوانُ نِعمة الله عز وجل " .

  7. / ووصف أعرابي قوماً فقال: " إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام، وإذا

    تصافحوا بالسيوف قعد الحمام " (٤) .

  8. وسئل أعرابي عن رجل؟ فقال: " صَفِرَتْ عِيابُ الوُدِّ بيني وبينه بعدَ امتلائِها، واكفَهَرَّتْ وجوهٌ كانت بمائِها " (٥) .

    وقال آخر: " من ركب ظَهْرَ الباطلِ نزل دارَ النَّدامة " (٦) .

  9. وقيل لرؤبة (٧) : كيف خلَّفتَ ما وراءك؟ فقال: " التراب يابس، والمال عابس " (٨) .

  10. * * * ومن البديع في الشعر طرق كثيرة، قد نقلنا منها جملة، لتستدل بها على ما بعدها: فمن ذلك قول امرئ القيس: وقد أغتِدي والطيرُ في وكناتها * بمنْجردٍ قيد الاوابد هيكل (٩)

  11. / قوله: " قيد الأوابد " عندهم من البديع ومن الاستعارة، ويرونه من الألفاظ الشريفة (١) ، وعنى بذلك أنه إذا أرسل هذا الفرس على الصيد صار قيداً لها، وكانت بحالة المقيد من جهة سرعة إحضاره.

    ج ٢ ص ٧٠
  12. واقتدى به الناس، واتبعه الشعراء، فقيل: " قيدُ النواظر " و " قيدُ الألحاظ " و " قيد الكلام " و " قيد الحديث " و " قيد الرهان " .

    وقال الاسود بن يعفر: بمقلص عتد جَهِيزٍ شده * قيدُ الأوابد والرهان جواد (٢) وقال أبو تمام: لها منظر قيدُ الأوابدِ لم يَزَل * يروحُ ويغدو في خفارته الحُبُّ (٣) / وقال آخر: ألحاظُهُ قيدُ عيونِ الورى * فليس طَرُفٌ يَتَعَدَّاهُ (٤) وقال آخر: * قَيَّدَ الحُسْنُ عليه الحَدَقَا (٥) * وذكر الاصمعي وأبو عبيد وحماد، وقبلهم أبو عمرو: أنه أحسن في هذه

    ج ٢ ص ٧١اللفظة، وأنه اتبع فلم يلحق، وذكروه في باب الاستعارة البليغة.

  13. وسماها بعض أهل الصنعة (١) باسم آخر، وجعلوها من باب " الارداف " ، وهو: أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ هو تابع له وردف (٢) .

    قالوا: ومثله قوله (٣) : * نَؤُوم الضُحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّلِ * وإنما أراد ترفهها بقوله: " نؤوم الضحى " (٤) .

  14. / ومن هذا الباب قول الشاعر (٥) : بعيدةُ مَهوى القُرْط إما لنوفلٍ * أبوها، وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ

    وإنما أراد أن يصف طول جيدها، فأتى بردفه (٦) .

  15. ومن ذلك قول امرئ القيس: * وليل كموجِ البحر أرخى سُدُوله (٧) * وذلك من الاستعارة المليحة.

  16. ويجعلون من هذا القبيل ما قدمنا ذكره (٨) من القرآن: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ

    ج ٢ ص ٧٢شَيباً) ، (واخْفِضْ لَهما جَنَاحَ الذُلِّ من الرحمةِ) .

  17. ومما يعدونه من البديع " الثشبيه الحسن " كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا * وأرحلنا الجَزْعَ الذي لم يُثَقَّبِ (١) / وقوله: كأن قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً * لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالى (٢) واستبدعوا تشبيه شيئين بشيئين على حسن تقسيم، ويزعمون أن أحسن ما وجد في هذا للمحدثين (٣) قول بشار: كأن مثار النقع فوق رؤوسهم * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه (٤) وقد سبق امرؤ القيس إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل.

  18. وكذلك عدوا (٥) من البديع قول امرئ القيس في أذني الفرس: / وسَامِعَتَان يُعرَف العِتْقُ فيهما * كسامعتي مذعورة وسط ربرب (٦)

  19. اتبعه طرفة، فقال فيه: وسامعتان يُعرف العِتْقُ فيهما * كسامعتي شاة بحومل مفرد (١) ومثله قول امرئ القيس في وصف الفرس: وعينان كالماويَّتَيْنِ ومَحْجَرٍ * إلى سند مثل الصفيح المنصب (٢) وقال طرفة في وصف عيني ناقته: وعينان كالماويتين استكنتا * بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد (٣) ومن البديع في التشبيه قول امرئ القيس: له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامةٍ * وإرخاء سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُل (٤) / وذلك في تشبيه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها.

    ج ٢ ص ٧٣
  20. * * * ومن التشبيه الحسن في القرآن قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبحرِ كَالأَعْلاَمِ) (٥) .

  21. وقوله تعالى: (كَأَنَّهُنَّ بيض مكنون) (٦) .

  22. ومواضع نذكرها بعد هذا.

  23. ومن البديع في " الاستعارة " قول امرئ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولُهُ * عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي (١) فقلت له لما تمطى بِصُلبِهِ * وأَردَفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ / وهذه كلها استعارات أتى بها في ذكر طول الليل.

    ج ٢ ص ٧٤
  24. ومن ذلك قول النابغة: وصدر أراح الليلُ عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كل جانبِ (٢)

  25. فاستعارة من أراحه الراعي إبله إلى مواضعها التي تأوي إليها بالليل.

  26. وأخذ منه ابن الدمينة فقال: اقضى نهاري بالحديث وبالمُنَى * ويجمَعُني والهم بالليل جامعُ (٣) ومن ذلك قول زهير: صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله * وعرى أفراس الصبا ورواحله (٤) ومن ذلك قول امرئ القيس: سَمَوتُ.

  27. إليها بعدَ ما نام أهلها * سمو حباب الماء حالا على حال (٥)

  28. / وأخذه أبو تمام فقال: * سُمُوَّ عُباب الماء جاشت غواربه * وإنما أراد امرؤ القيس إخفاء شخصه.

    ج ٢ ص ٧٥
  29. ومن ذلك قوله: * كأني وأصحابي على قرن أعفرا (٢) * يريد أنهم غير مطمئنين.

  30. ومن ذلك ما كتب إليَّ الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرنا عسل بن ذكوان، أخبرنا (٣) أبو عثمان المازني، قال: سمعت الأصمعي يقول: أجمع أصحابنا أنه لم يقل أحسن ولا أجمع من قول النابغة: فإنكَ كالليلِ الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع (٤) قال الحسن بن عبد الله: وأخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عون بن / محمد الكندي، أخبرنا قعنب بن محرز، قال (٥) : سمعت الأصمعي يقول: سمعت أبا عمرو يقول: كان زهير يمدح السوق، ولو ضرب على أسفل قدميه مئتا دقل صينى (٦) على أن يقول كقول النابغة: فإنَّكَ كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

    ج ٢ ص ٧٦- لما قال.

  31. يريد أن سلطانه كالليل إلى كل مكان.

  32. واتبعه الفرزدق فقال: ولو حملتني الريح ثم طلبتني * لكنت كشئ أدركتني مقادِرُه (١) فلم يأت بالمعنى ولا اللفظ على ما سبق إليه النابغة.

  33. ثم أخذه الأخطل فقال: وإن أمير المؤمنين وفعلَهُ * لكالدهرِ لا عار بما فعل الدهر (٢) وقد روي نحو هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم: " نُصِرتُ بالرعب، وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلنَّ هذا الدين على ما دخل عليه الليلُ " .

  34. / وأخذه علي بن جبلة (٣) فقال: وما لامرئ حاولته منك مهرب * ولو رفعته في السماء المطالعُ (٤) بلى، هاربٌ لا يهتدي لمكانه * ظلام ولا ضوء من الصبح ساطع (٥) ومثله قول سلم الخاسر:

    فأنت كالدهرِ مبثوثاً حبائله * والدهر لا ملجأ سنه ولا هَرَبُ (٦) ولو ملكتُ عِنانَ الريح أصرفُهُ * في كل ناحيةٍ ما فاتك الطَلَبُ فأخذه البحتري فقال: ولو أنهم ركبوا الكواكبَ لم يكنْ * ينجِّيهُمُ عن خوفِ بأسك مَهْرَبُ (٧) ومن بديع الاستعارة قول زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصى الحاضر المتخيم (٨)

  35. وقول الأعشى: وإن عتاقَ العِيسِ سوف يزوركم * ثناءٌ على أعجازِهنَّ مُعَلَّقُ (١) / ومنه أخذ نصيب فقال: فعاجوا فأَثْنَوا بالذي أنت أهلُهُ * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ (٢)

    ج ٢ ص ٧٧
  36. ومن ذلك قول تأبط شراً: فخالط سهل الأرضِ لم يكدح الصفا * به كدحة والموت خزيان ينظر (٣) ومن الاستعارة في القرآن كثير، كقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكْ) (٤) يريد ما يكون الذكر عنه شرفاً.

  37. وقوله: (صِبْغَةَ اللَّه وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) (٥) .

  38. قيل: دين الله أراد.

  39. وقوله: (اشتَرَوُاْ الضَّلاَلَة بِالهُدَى، فَمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (٦) .

  40. * * * ومن البديع عندهم [الغلو والافراط في الصفة] ، كقول النَّمِر بن تَوْلب: / أبقى الحوادثُ والأيامُ من نمر * أسباد سيف قديم بأثره بادي (٧) تظلُ تحفرُ عنه إن ضربتَ بِهِ * بعد الذراعين والقيدين والهادي (٨) وكقول النابغة: تقدُّ السلوقيّ المضاعف نسجه * ويُوقدن بالصُّفّاح نار الحُباحب (٩) وكقول عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكا إلى بعبرة وتحمحم (١٠)