محمد رسول الله ﷺ

٩٠ فقرة، ج ٢ ص ٥٠

الصفحة ١ من ٣

  1. لم يَختلف أهلُ العلمِ بالأنسابِ والأخبارِ، وسائِرُ العلماءِ بالأمصارِ، أنَّه ﷺ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بن قُصَيِّ بنِ كِلابِ بن مُرَّةَ بن كعَبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إِلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ.

    ج ٢ ص ٥٠
  2. هذا ما لم يختَلِفْ فيه أحدٌ مِن النَّاسِ، وقد رُوِي مِن أخبارِ الآحادِ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه نَسَبَ نفسَه كذلك إلى نِزَارِ بن مَعَدِّ بنِ عَدنانَ (٢) ، وما ذَكرْنا مِن إجماعِ أهلِ السِّيرِ والعِلمِ (٣) بالأثَرِ يُغنِي عمَّا سِوَاه (٤) .

  3. واختَلفوا فيما بينَ عَدْنانَ وإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ عليهما السلام ، وفيما بينَ إبراهيمَ وبينَ سامِ بنِ نوحٍ، بما (٥) لم أَرَ لذكرِه هاهنا وجهًا؛

  4. لكثرةِ الاضطرابِ فيه، وأنَّه لا يُوقَفُ منه على شيءٍ مُتَتابعٍ مُتَّفَقٍ عليه، وهُم مع (١) اختِلافِهم واضطرابِهم فيما ذَكَرْنا، مُجمِعون على أنَّ نِزَارًا بأَسرِها - وهي ربيعةُ ومُضَرُ - هي الصَّريحُ الصَّحِيحُ مِن ولدِ إِسماعِيلَ عليه السلام على ما ذكَرْنا في كتابِ "القبائلِ مِن الرُّواةِ" عنه ﷺ ، وهناك ذكرْنا أَصحَّ ما قيل في نَسبِه إلى آدمَ عليه السلام (٢) .

    ج ٢ ص ٥١
  5. وقال أبو الأسودِ محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عُروَةَ بن الزُّبيرِ، قال: قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه : إنَّما نَنْتَسِبُ إلى مَعَدٍّ، وما بعدَ مَعَدٍّ لا نَدرِي ما هو (٣) ؟.

  6. وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عكرمةَ: أَضَلَّتْ نِزَارٌ نَسَبَها مِن عدنانَ (٤) .

  7. وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ (٥) ، عن ابنِ (٦) الكَلبِيِّ، عن أبيه، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: من مَعَدِّ بنِ عدنانَ إلى إسماعِيلَ ثلاثون أبًا.

  8. وليس هذا الإسنادُ ممَّا يُقْطَعُ بصِحَّتِه، ولكنَّه عمَّن عِلْمُ الأنسابِ صَنْعَتُه.

  9. وأَمَّا عَشيرتُه ﷺ ورَهْطُه وبَطْنُه الذي يَتَمَيَّزُ به مِن سائرِ بُطُونِ قُريشٍ (١) : فهاشِمٌ، وقد ذكَرْنا بالأسانيدِ الحِسَانِ قولَه ﷺ : "إِنَّ اللهَ اصطفَى كِنانةَ مِن ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا مِن كِنانةَ، واصطفَى مِن قُريشٍ بني هاشمٍ، واصطَفَانِي مِن بني هاشمٍ" (٢) ، في كتابِ "الإنباهِ على (٣) القبائِلِ الرُّواةِ" عن النَّبِيِّ ﷺ (٤) ، وهو مُضافٌ إلى هذا الكتابِ، والحمدُ للهِ.

    ج ٢ ص ٥٢
  10. واسمُ هاشمٍ عمرٌو، وإنَّما قيل له: هاشِمٌ؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه فيما زعَموا، واسمُ قُصَيٍّ زيدٌ، وهذا هو الأكثرُ، وقد قيل: يزيدُ، وإنَّما قيل له: قُصَيٌّ؛ لأنَّه تَقَصَّى مع أُمِّه، فاطمةُ

    ج ٢ ص ٥٣بنتُ سعدٍ، من بني عُذْرَةَ، ونَشَأَ مع أخوالِه مِن كلبٍ في باديتِهم، وبَعُدَ في مَغِيبِه ذلك عن مَكَّةَ، فسُمِّيَ بذلك قُصَيًّا، واللهُ أعلمُ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا؛ لأنه جَمَّعَ قبائلَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ في حينِ انصرافِه إليها، وقد ذكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتابِ "القبائلِ" (١) ، وقِيل: اسمُ عبدِ مَنَافٍ المُغِيرةُ، ويُكْنَى أبا عبدِ شَمسٍ. وأمَّا عبدُ المُطَّلِبِ، فقيل: اسمُه عامِرٌ، ولا يَصِحُّ، واللهُ أعلمُ.

  11. وقيل: اسمُه شَيْبةُ، وقيل: بل اسمُه عبدُ المُطَّلِبِ، وكان يُقال له: شَيْبةُ الحمدِ؛ لشَيْبَةٍ كانَتْ في ذُؤَابَتِه ظَاهِرةٍ، ومَن قال: اسمُه شَيْبةُ، قال: إنَّما قيل له: عبدُ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أباه هاشِمًا قال لأخيه المُطَّلِبِ وهو بمَكَّةَ حينَ حَضَرَتْه الوَفاةُ: أدرِكْ عبدَ (٢) المُطَّلِبِ بِيَثْرِبَ، فمِن هناك سُمِّيَ عبدَ المُطَّلِبِ (٣) ، ولا يَختَلِفون أنَّه يُكْنَى أبا الحارثِ بابنِه الحارثِ، وكان أكبرَ ولدِه.

  12. وأُمُّه سَلْمَى بنتُ زيدٍ، وقيل: بنتُ عمرِو بنِ زيدٍ، من بني عَدِيِّ ابنِ النَّجَّارِ، ويُقالُ: إِنَّه أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوَادِ.

  13. أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسِيُّ، قال: حدَّثنا [أبو العَبَّاسِ] (١) محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سعدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ، قال: سمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: اسمُ عبدِ المُطَّلِبِ شَيبةُ بنُ هاشمٍ؛ وهاشمٌ اسمُه عمرُو بنُ عبدِ مَنافٍ، وعبدُ مَنافٍ اسمُه المُغِيرَةُ بنُ قُصَيٍّ، وقُصَيٌّ اسمُه زيدُ بنُ كِلابِ (٢) بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، قال: وسَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: أبو طالبٍ اسمُه عبدُ مَنافِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ (٣) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : وأُمُّ رسولِ اللهِ ﷺ آمِنَةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ بن كِلابٍ، قُرَشِيَّةٌ زُهْرِيَّةٌ، تَزَوَّجَها عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، وقيل: بل كان يومَئذٍ ابنَ خمسٍ وعشرينَ سنةً، خرَج به أبوه عبدُ المُطَّلِبِ إلى وهبِ بنِ عبدِ مَنافٍ فزَوَّجَه ابنَتَه، وقيل: كانَتْ آمِنةُ في حَجْرِ عَمِّها وهَيبِ بنِ عبدِ مَنافِ ابنِ زُهْرَةَ، فأَتاه عبدُ المُطَّلِبِ، فخَطَبَ إليه ابنتَه هالةَ بنتَ وُهَيبٍ لنفسِه، وخطَب على ابنِه عبدِ اللهِ [ابنةَ أخيه] (٤) آمِنةَ بنتَ وهبٍ، فزَوَّجَه وزَوَّجَ

    ج ٢ ص ٥٥ابنَه في مَجلِسٍ واحدٍ، فَوَلَدَتْ آمِنةُ لعبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ ، ووَلَدَتْ هالةُ لعبدِ المُطَّلِبِ حمزةَ، فأَرضَعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ وحمزةَ ثُوَيبَةُ جاريةُ أبي لَهَبٍ، وأَرضَعَتْ معهما أبا سَلَمَةَ بن عبدِ الأَسَدِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُكرِمُ ثُوَيبَةَ، وكانَتْ تَدخُلُ على النبيِّ ﷺ بعدَ أَنْ تَزوَّجَ خديجةَ، وكانَتْ خديجةُ تُكرِمُها، وأَعتَقَها أبو لَهبٍ بعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ إليها مِن المدينةِ بكِسوَةٍ وصِلَةٍ حَتَّى ماتَتْ بعدَ فتحِ خيبرَ، فَبَلَغَتْ وَفَاتُها النبيَّ ﷺ ، فسأَلَ عن ابنِها مَسْروحٍ، وبلَبنِه أَرضَعَتْهم، فقيلَ له: قد مات، فسألَ عن قَرَابَتِها؛ فقيل له: لم يَبْقَ منهم أحدٌ.

    ج ٢ ص ٥٤
  14. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ مُسْهِرٍ، عن ابنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُرِيدَ على ابنةِ حمزةَ، فقال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ، وإنَّه يَحْرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ" (١) .

  15. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، عن شُعبَةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،

    ج ٢ ص ٥٦قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : أَلَا تَتَزَوَّجُ ابنةَ حمزةَ؟ قال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ" (١) .

  16. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ ابنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ أخبَرتْه، أنَّ أمَّ حبيبةَ، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّا قد تَحَدَّثْنا أَنَّك ناكِحٌ دُرَّةَ (٢) بنتَ (٣) أَبي سَلَمَةَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أعلى أمِّ سَلَمَةَ؟ لو أنِّي لم أَنكِحْ أُمَّ سَلَمةَ لم تَحِلَّ لي؛ إنَّ أَباها أخي مِن الرَّضاعةِ" (٤) .

  17. ثُمَّ (٥) استُرضِعَ له ﷺ في (٦) بني سعدِ بنِ بكرٍ حَلِيمةُ بنتُ أبي ذُؤَيبٍ السَّعْدِيةُ، ورَدَّتْه ظِئْرُه حَلِيمةُ إِلى أُمِّه آمِنةَ بنتِ وهَبٍ بعد خمسِ

    ج ٢ ص ٥٧سنينَ ويومينِ مِن مَولِده، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن عامِ الفِيلِ، فَأَخْرَجَتْه أُمُّه آمِنةُ إلى أخوالِ أبيه بني النَّجَّارِ تَزُورُهم به بعدَ سبعِ سنينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوُفِّيَتْ أُمُّه آمِنةُ بعدَ ذلك بشهرٍ بالأَبْوَاءِ (١) ومعها النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَدِمَتْ به أُمُّ أيمنَ مَكَّةَ بعد موتِ أُمِّهِ بخَمسةِ أيَّامٍ، وسنذكُرُ خبرَ حَلِيمةَ وخبرَ أُمِّ أيمنَ في بابَيْهما مِن (٢) كتابِ النِّساءِ (٣) إنْ شاء اللهُ تعالى.

    قال الزُّبَيرُ (٤) : حَمَلَتْ (٥) به أُمُّه ﷺ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ في شِعْبِ أبي طالبٍ عندَ الجَمْرةِ الوُسْطَى، ووُلِدَ ﷺ بمَكَّةَ فِي الدَّارِ التي كانَتْ تُدْعَى لمُحمَّدِ بن يُوسُفَ أخي الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، وذلك يومَ الاثنَينِ لاثنتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شهرِ رمضانَ (٦) ، وقيل: بل وُلِدَ يومَ الاثنَينِ في ربيعٍ الأوَّلِ لليلَتَينِ خَلَتَا منه.

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : وقد قيل: لثَمانٍ خَلَونَ منه، وقيل: إنَّه وُلِدَ (٧)

  18. أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وقيل: لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه عامَ الفيلِ؛ إذْ ساقَه الحَبَشةُ إلى مَكَّةَ في جيشِهم يَغْزُونَ البيتَ، فرَدَّهم اللهُ عنه، وأرسَل عليهم طَيْرًا أبابيلَ فأَهلَكَهُم (١) . وقيل: إنَّه وُلِد في شِعْبِ بني هاشمٍ.

    ج ٢ ص ٥٨
  19. ولا خلافَ أنَّه وُلِد عامَ الفيلِ، فرُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الفيلِ (٢) .

  20. وهذا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ أرادَ اليومَ الذي حَبَسَ اللهُ الفيلَ فيه عن وَطْءِ الحَرَمِ (٣) ، وأهلَكَ الذينَ جاءُوا به، ويَحتَمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِه: يومَ الفيلِ: عامَ الفيلِ.

  21. وقيل: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ قُدُومِ الفيلِ بشَهرٍ، وقيل: بأربعينَ يومًا، وقيل: بخمسينَ يومًا.

  22. فأمَّا (٤) الخُوَارِزمِيُّ محمدُ بنُ موسى (٥) ، فقال: كان قُدُومُ الفِيلِ

    ج ٢ ص ٥٩مَكَّةَ وأصحابِه لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً بَقِيَتْ (١) مِن المُحَرَّمِ (٢) ، وقد قال ذلك غيرُ الخُوَارِزمِيِّ أيضًا، وزادَ: يومَ الأحدِ، قال: وكان أَوَّلَ المُحَرَّمِ تلك السَّنةِ يومُ الجُمُعَةِ.

    قال الخُوَارِزمِيُّ: ووُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلك بخمسينَ يومًا، يومَ الاثنينِ لثَمانٍ خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وذلك يومَ عشرينَ مِن نَيْسانَ (٣) ، قال: وبُعِثَ نَبِيًّا يومَ الاثنَينِ لثَمانٍ أيضًا مِن ربيعٍ الأولِ، سنةً إِحدَى وأربَعِينَ مِن عامِ الفيلِ، فكانَ مِن مَولدِه ﷺ إلى أن بعَثهُ اللهُ عز وجل أربعونَ سنةً ويومٌ، ومِن مَبْعَثِهِ إِلَى أَوَّلِ المُحَرَّمِ مِن السَّنةِ التي هاجَر فيها اثنتا عَشْرَةَ سنةً وتسعةُ أَشْهُرٍ وعشرونَ يومًا، وذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً تامَّةً مِن أَوَّلِ عامِ الفيلِ.

  23. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٤) ، حدَّثنا [محمدُ بنُ] (٥) معاويةَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِريَابِيُّ، حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال:

    ج ٢ ص ٦٠وُلِدَ نَبِيُّكُم ﷺ يومَ الاثنَين، وخرَج مِن مَكَّةَ يوم الاثنَينِ، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وكانَتْ بدرٌ يومَ الاثنَينِ، وتُوُفِّي يومَ الاثنينِ ﷺ (١) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : الأكثرُ على أن وَقعَةَ بدرٍ كانَتْ يومَ الجُمعةِ صَبِيحةَ سبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وما رأيتُ أَحَدًا ذكَر أنَّها كانَتْ يومَ الاثنَينِ إِلَّا في هذا الخبرِ مِن روايةِ ابنِ لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ عندَ جميعِهم، إذْ خالَفه مَن هو أكثرُ منه.

    قال الخُوَارِزمِيُّ: وقَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنينِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أَرَبَعٍ وخمسينَ [مِن عامِ الفِيلِ] (٢) ، وهي سَنَةُ إحدَى (٣) مِن الهجرةِ، ويومُ عشرينَ مِن أَيلُولَ (٤) ، فكانَ مِن مَبْعَثِه إلى يومِ هاجَر ودخَل المدينةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً كاملةً، ومَكَثَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ وشَهرَينِ إلى أن مات ﷺ ، وذلك يومَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ أربعٍ وسِتِّينَ مِن عامِ

    ج ٢ ص ٦١الفيلِ، ومِن الهجرةِ سنةَ إحدَى عَشْرَةَ.

  24. هذا كُلُّه قولُ الخُوَارِزمِيِّ، وهذا الذي قال الخُوارِزميُّ هو مَعْنَى قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقام بمِكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً - يعني:

    بعدَ المَبْعَثِ - وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ (١) ، ويشهدُ لصِحَّةِ ذلك قولُ أبي قَيْسٍ صِرْمَةَ بن قَيسٍ الأَنصارِيِّ (٢) :

    ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضِعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صديقًا مُواتِيَا (٣)

    ويَعرِضُ في أهلِ المَواسِمِ نَفْسَهُ … فلَمْ يَرَ مَن يُؤوِي ولَمْ يَرَ دَاعِيَا

    فلمَّا أَتَانَا واستَقَرَّتْ به النَّوَى … وأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا

    وأَصْبَحَ لا يَخْشَى ظُلامَةَ ظَالِمٍ … بَعِيدٍ ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا

    بَذَلْنا له الأموالَ مِن جُلِّ مالِنا … وأَنفُسَنا عندَ الوَغَى والتَّآسِيَا

    نُعَادِي الذي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِم … جَمِيعًا وإن كان الحَبِيبَ المُوَاتِيَا

    ونَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لا شَيءَ غيرُه … وأنَّ كِتابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا

    ورُوِّينا هذه الأبياتَ مِن طُرُقٍ عن سفيانَ بنِ عُيَينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ، وهذه (٤) أَكمَلُ الرِّوَايَاتِ فيها:

    حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبِي، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا قَاسِمُ بنُ محمدٍ إملاءً،

    ج ٢ ص ٦٢قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: سَمِعتُ عمرَو بنَ دينارٍ، يقولُ (١) : قلتُ لِعُرُوةَ بن الزُّبَيرِ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قال: عَشْرَ سِنِينَ، فقلتُ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان (٢) يقولُ: لَبِثَ بِمَكَّةَ بضعَ عَشْرَةَ سنةً، فقال: إِنَّما أَخَذه مِن قولِ الشَّاعِرِ.

    قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ: وأخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ عَجُوزًا مِن الأنصارِ تقولُ: رأيتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَختَلِفُ إِلى صِرْمَةَ بنِ قَيْسٍ يَتَعَلَّمُ منه هذه الأبياتَ:

    ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو ألْفَى (٣) صَدِيقًا مُوَاتِيَا

    فذَكَر الأبياتَ كما ذكَرتُها سَوَاءً إلى آخِرِها (٤) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : وماتَ أبوه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وأُمُّه حَامِلٌ به، وقيل: بل تُوفِّيَ أبوهُ بالمدينةِ والنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثمانيةٍ وعشرينَ شهرًا، وقبرُه بالمدينةِ في دارٍ مِن دُورِ بَنِي عَدِيٍّ بَنِ النَّجَّارِ، وكان خرَج إلى المدينةِ يَمتارُ تَمرًا، وقيل: بل خرَج به إلى أخوالِه زائِرًا وهو ابنُ سَبعَةِ أَشهُرٍ، وقيل (٥) : تُوفِّيَ أبوه وهو ابنُ شهرينِ، فَكَفَلَه جَدُّه عبد المُطَّلِب.

  25. وفي خبرِ سيفِ بنِ ذِي يَزَنَ: ماتَ أبوهُ وأُمُّه، فكَفَلَه جَدُّه وعَمُّه (١) ، وقد قيل: إِنَّ عبدَ اللهِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ تُوفِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثَمَانِيةٍ وعشرينَ شهرًا.

    ج ٢ ص ٦٣
  26. وروى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: بعَث عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللهِ يَمْتَارُ له تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فماتَ بها (٢) .

  27. وكانت وفاتُه وهو شابٌّ عندَ أخوالِه بني النَّجَّارِ بالمدينةِ، ولم يَكُنْ له ولدٌ غيرُ رسولِ اللهِ ﷺ .

  28. وتُوفِّيتْ أُمُّه آمِنَةُ بالأَبْوَاءِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو ابنُ سِتِّ سِنينَ، وقيل: ابنُ سبعِ سنينَ، وقال محمدُ بنُ حبِيبٍ (٣) في كتابِه "المُحَبَّرِ" (٤) : تُوفِّيتْ أمُّه ﷺ وهو ابنُ ثَمَانِ سِنينَ، قال (٥) : وتُوفِّي جَدُّه عبد المُطَّلِبِ بعدَ ذلك بسنةٍ وأحدَ عَشَرَ شَهرًا، سنةَ تِسعٍ (٦) مِن أوَّلِ عام الفِيلِ.

  29. وقيل: إنَّه تُوفِّيَ جَدُّه عبدُ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثَمانِ سِنينَ، وقيل: بل تُوفِّيَ جَدُّه وهو ابنُ ثلاثِ سِنِينَ، فأَوصَى به إلى أبي طالبٍ، فصَارَ في حَجْرِ عَمِّه أبي طالبٍ حتى بَلَغَ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وكان أبو طالِبٍ يُحِبُّه، ثمَّ انفرد بنفسِه، وكان مائلًا إلى عمِّه أبي طالبٍ؛ لوَجاهَتِهِ في بني هاشمٍ وسِنِّه، وكان مع ذلك شَقِيقَ أبيه.

    ج ٢ ص ٦٤
  30. وخرَج النَّبِيُّ ﷺ مع عمِّهِ في تجارةٍ إلى الشَّامِ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ مِن الفيلِ، فرَآه بَحِيرَا الرَّاهِبُ، فقال: احتَفِظوا به فإِنَّه نَبِيٌّ.

  31. وشَهِدَ بعدَ ذلك بثَمانِ سِنينَ يومَ الفِجارِ سَنَةَ إحدى وعِشْرِينَ، وخرَج إلى الشَّامِ في تِجارةٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيلِدٍ، فرَآه نُسْطُورُ الرَّاهِبُ وقد أَظَلَّتْه غَمَامةٌ، فقال: هذا نَبِيٌّ، وذلك سنةَ خَمسٍ وعشرينَ، وتزَوَّج رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ بنتَ خُوَيلدِ بنِ أَسَدٍ بعدَ ذلك بشَهرَينِ وخمسةٍ وعشرينَ يومًا، في عَقِبِ صفرٍ سنةَ سِتٍّ وعشرينَ، وذلك بعدَ خمسٍ وعشرينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن يومِ الفيلِ، وقال الزُّهْرِيُّ: كانَتْ سِنُّ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ تَزَوَّجَ خديجةَ إحدَى وعشرينَ سنةً (١) ، وقال أبو بكرِ بنُ عثمانَ وغيرُه: كان يومَئذٍ ابنَ ثلاثينَ سنةً (٢) ، قالوا: وخديجةُ يومَئذٍ بنتُ أربعينَ سنةً، وُلِدَت قبلَ الفيلِ بخَمْسَ عَشْرَةَ سنةً. وشَهِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بُنيانَ الكَعبةِ، وتَرَاضَتْ قُرَيشٌ بحُكمِه في

    ج ٢ ص ٦٥وَضعِ الحَجَرِ (١) بعدَ ذلك بعَشْرِ سنينَ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (٢) .

    قال أبو عمرَ رضي الله عنه : لو صَحَّ هذا لكانَتْ سِنُّ خديجةَ يومَ تَزَوَّجَها خمسًا وأربعينَ سنةً.

    وقال محمدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ: بُنَيَتِ الكعبةُ على رأسِ خمسٍ وعشرينَ سنةً من عامِ الفيلِ (٣) ، وقيل: بل كان بينَ بُنيانِ الكعبةِ وبينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خمسُ سنينَ.

  32. ثُمَّ تَنبَّأَه اللهُ تعالى وهو ابنُ أربعين سنةً، وكان أولَ يومٍ [أَوْحَى اللهُ إليه فيه] (٤) يومَ الاثنَينِ، فَأَسَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ أمرَه ثلاثَ سنينَ أو نحوَها، ثمَّ أمَره اللهُ عز وجل بإظهارِ دِينِه والدُّعاءِ إليه، فأظهَره بعدَ ثلاثِ سنينَ (٥) مِن مَبْعَثِه. وقال الشعبيُّ: أُخبِرْتُ أنَّ إسرافيلَ تَرَاءَى له ثلاثَ سنينَ (٦) .

  33. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا

    ج ٢ ص ٦٦حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ لأربعين، وُكِّلَ به إسرافيلُ عليه السلام ثلاثَ سنينَ، ثمَّ وُكِّلَ به جِبْرِيلُ عليه السلام (١) .

    قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: نُبِّئَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَر مثلَه. قال: ثُمَّ بُعِثَ إليه جبريلُ عليه السلام بالرِّسالةِ.

    قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، قال: أُنزِلَتْ عليه النُّبُوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بِنُبُوَّتِه إسرافيلُ عليه السلام ثلاثَ سنينَ، فكان يُعَلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم يَنْزِلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مَضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جبريلُ عليه السلام ، فَنَزَلَ القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً (٢) .

  34. وقيل: كان مَبْعَثُه ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وقيل: بل كان مَبْعَثُه ﷺ لتَمامِ أربعينَ سنةً مِن مَولِده يومَ الاثنينِ للَيلتَينِ خَلَتَا مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعينَ، وممِّن قال: إِنَّه نُبِّئَ وهو ابنُ أربعينَ: عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، ومحمدُ بنُ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، وَقَبَاثُ بنُ

    ج ٢ ص ٦٧أَشْيَمَ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأنسُ بنُ مالكٍ (١) ، وهو الصَّحِيحُ عند أهلِ السِّيَرِ وأهل العلمِ بالأَثَرِ.

  35. فلمَّا دَعا قومَه إلى دِينِ اللهِ تعالى نابَذوه (٢) ، فَأَجَارَهُ عمُّه أبو طالبٍ، ومنَع منه قريشًا؛ لأنَّهم أرَادوا قتلَه؛ لِمَا دَعَاهُمْ إِليه مِن تَرْكِ ما كانوا عليه هُم وآباؤُهُم، ومُفارَقتِه لهم في دِينِهم، وتَسفِيهِ أحلامِهم في عبادةِ أصنامٍ (٣) لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ، ولا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، فَلَم يَزَلْ في جِوَارِ عمِّهِ أبي طالبٍ إلى أنْ تُوفِّيَ (٤) ، وذلك في النَّصفِ مِن شَوالٍ في السَّنةِ الثَّامِنَةِ، وقيل: العاشِرةِ مِن مَبْعَثِ النَّبيِّ ﷺ .

  36. وحَصَرَتْ قُرَيشٌ النَّبيَّ ﷺ وأهلَ بيتِه بني (٥) هاشمٍ، ومعهم بنو المُطَّلِبِ في الشِّعْبِ بعدَ المَبْعَثِ بسِتِّ سِنِينَ، فَمَكَثوا في ذلك الحِصَارِ ثلاثَ سنِينَ، وخرَجوا منه في أَوَّلِ سنةِ خمسينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوفِّيَ أبو طالبٍ بعدَ ذلك بسِتَّةِ أشهُرٍ، وتُوفِّيتْ خديجةُ بعدَه بثلاثةِ أيامٍ، وقد قيل غيرُ ذلك، ووُلِد عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنه في الشِّعْبِ قبلَ خُرُوجِ بني هاشمٍ منه، وقيل: إِنَّه وُلِدَ قبلَ الهِجْرةِ بثَلاثِ سنينَ، وكان ابنَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً يومَ ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان أبو طالبٍ قد أسلَم ابنَه عَليًّا

    ج ٢ ص ٦٨إلى رسولِ اللهِ ﷺ ؛ وذلك أنَّ قُرَيشًا أَصابَتْهم أَزمَةٌ شديدةٌ، وكان أبو طالبٍ ذا عِيَالٍ كثيرٍ (١) ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ للعبَّاسِ عمِّهِ، وكان مِن أَيسَرِ بني هاشمٍ: "يا عَبَّاسُ، إنَّ أخاكَ أبا طالبٍ كثيرُ العِيَالِ، فَانطَلِقُ بِنا فلنُخَفِّفْ (٢) عنه مِن عِيالِه" ، فقال: نَعَمْ، فَانطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أبا طالبٍ، فقالا له: إِنَّا نُرِيدُ أن نُخَفِّفَ عنك مِن عِيالك حتى يَكشِفَ اللهُ عن النَّاسِ ما هُم فيه، فقال لهما أبو طالبٍ: إذا تَرَكْتُما لى عَقِيلًا فاصْنَعَا ما شِئْتُما، فأخَذ رسولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَضَمَّه إليه، وأخَذَ العَبَّاسُ جعفرًا فضَمَّه إليه، فلَم يَزَلْ عَليٌّ رضي الله عنه مع رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ابتَعَثَه اللهُ نَبِيًّا، وحتَّى أزَوجَه (٣) منِ ابنتِه فاطمةَ رضي الله عنهما (٤) .

  37. وتزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ وهو ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنةً، على اختلافٍ في ذلك قد ذكَرْناه (٥) .

  38. وكان مَوتُها بعدَ موتِ عمِّهِ أبي طالبٍ بأيَّامٍ يَسيرةٍ، قيل: ثلاثةِ أيَّامٍ (٦) ، وقيل: سبعةٍ (٧) ، وقيل: كان بينَ مَوتِ أبي طالبٍ ومَوتِ

    ج ٢ ص ٦٩خديجةَ شهرٌ وخمسةُ أَيَّامٍ.

  39. وتُوفِّيَ أبو طالبٍ وهو ابنُ بِضْعٍ وثمانينَ سنةً، وتُوفِّيتْ خديجةُ وهي ابنةُ خمسٍ وستينَ سنةً، فكانَتْ مُصِيبَتَانِ تَوَالَتَا على رسولِ اللهِ ﷺ بوَفاةِ عمِّهِ أبي طالبٍ ووفاةِ خديجةَ رضي الله عنها ، وقيل: بل تُوفِّيتْ خديجةُ بعدَما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ بأربعٍ وعشرينَ سنةً وستةِ أشهُرٍ وأربعةِ أيَّامٍ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ وثلاثةِ أَشهُرٍ ونصفِ شهرٍ.

  40. وفى عامِ وفاةِ خديجةَ تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ [سَوْدةَ وعائشةَ] (١) ، ولم يَتَزَوَّجُ على خديجةَ حتَّى ماتَتْ رضي الله عنها .