باب بسر
٢٥ فقرة، ج ٢ ص ٣٤٥
- ج ٢ ص ٣٤٥
[٢٠٥] بُسرُ بنُ أَرْطَاةَ بن أبي أَرطَاةَ القُرَشِيُّ، واسمُ أَبي أَرطَاةَ عُمَيرٌ، وقِيلَ: عُوَيمِرٌ (١) ، العامِرِيُّ (٢) ، مِن بَنِي عَامِرِ بن لُؤَيِّ بن غالِبِ بن فِهرٍ، ويَنسِبُونَهُ: بُسرُ بنُ أَرطَاةَ بنَ عُوَيمِرِ، وهُو [أَبُو أَرطَاةَ] (٣) بن عِمرانَ بن الحُلَيْسِ (٤) بن سَيَّارِ (٥) بن نِزارِ بن مُعَيصِ بن عامِرِ بن لُؤَيِّ بن غالِبِ بن فِهرٍ، يُكنَى أَبا عَبدِ الرَّحمنِ.
-
يُقالُ: إِنَّهُ لم يَسمَعْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ وَهُوَ صَغِيرٌ، هَذَا قَولُ الواقِدِيِّ، وابنِ مَعينٍ، وأَحمَدَ، وغَيرِهِم (٦) ، وقالُوا: خَرِفَ في آخِرِ عُمُرِهِ، وَأَمَّا أَهلُ الشَامِ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَمِعَ مِنَ
ج ٢ ص ٣٤٦النَّبِيِّ ﷺ ، وهُوَ أَحَدُ الذِينَ بَعَثَهُم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه مَدَدًا إلى عَمرِو بن العاصي؛ لِفَتحِ مِصرَ، على اختِلافٍ فِيهِ أَيضًا، فمَن ذَكَرَهُ فِيهِم، قَالَ: كانُوا أَربَعَةً؛ الزُّبَيرُ، وعُمَيرُ بنُ وهَبٍ، وَخَارِجَةُ بنُ حُذافَةَ، وبُسرُ بنُ أَرطاةَ والأَكثَرُ يَقُولُونَ: الزُّبَيرُ، والمِقدادُ، وعُمَيرُ بن وهبٍ، وخَارِجَةُ بنُ حُذافَةَ، وهُوَ أَولَى بالصَّوَابِ إن شاء اللهُ، ثُمَّ لم يَختَلِفُوا أَنَّ المِقدَادَ شَهِدَ فَتَحَ مِصرَ.
-
لِبُسرِ بن أَرطاةَ عن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثانِ: أَحَدُهُما: "لا تُقطَعُ الأَيدِي (١) في المَغازِي" (٢) .
-
والثّاني: في الدُّعاءِ، أَنَّ رَسولَ الله ﷺ كانَ يَقولُ: "اللَّهُمَّ أَحسِنْ عاقِبَتَنَا في الأُمُورِ كُلِّها، وأَجِرْنَا مِن خِزيِ الدُّنيا وعَذَابِ الآخِرَةِ" (٣) .
- ج ٢ ص ٣٤٧
وكانَ يَحيَى بنُ مَعِينٍ يَقولُ: لا تَصِحُّ لَهُ صُحبَةٌ، وكانَ يَقُولُ فِيهِ: رَجُلُ سَوءٍ.
-
حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ يَحيَى (١) ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحمَدُ بنُ سَعِيدِ (٢) ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن الأَعرَابِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبَّاسٌ، قَالَ: سَمِعتُ يَحيَى بنَ مَعِينٍ، يَقُولُ: كَانَ بُسرُ بنُ أَرطَاةَ رَجُلَ سَوءٍ (٣) .
-
وَبِهذَا الإسنادِ عِندَنا "تَارِيخُ ابن مَعينٍ" كُلُّهُ مِن رِوايَةِ عَبّاسٍ عَنهُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ رضي الله عنه : ذَلِكَ لِأُمورٍ عِظامٍ (٤) رَكِبَها في الإسلامِ، منها (٥) فيما نَقَلَهُ أَهلُ الأَخبارِ وأهلُ (٦) الحَدِيثِ أيضًا ذَبْحُهُ ابنَيْ عُبَيدِ اللهِ بن العباسِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ، وهُما صَغِيرانِ بَينَ يَدَيْ أُمِّهِما، وكانَ مُعاوِيَةُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ على اليَمنِ أَيَّامَ صِفِّينَ، وكانَ عليها عُبَيدُ اللهِ بن العباسِ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه ، فَهَرَبَ [عُبَيدُ اللهِ] (٧) حينَ أَحَسَّ ببُسرِ بن أَرطَاةَ، ونَزَلها بُسرٌ، فَقَضى فيها هَذِهِ القَضِيَّةَ الشَّنْعَاءَ، واللهُ أَعلَمُ.
- ج ٢ ص ٣٤٨
وَقَد قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّما قَتَلَهُما بِالمَدِينَةِ، والأَكثَرُ على أَنَّ ذَلِكَ كان مِنهُ باليمنِ.
قَالَ أَبو الحَسنِ الدَّارَقُطنِيُّ (١) : بُسرُ بنُ أَرطاةَ أَبو عَبدِ الرَّحمنِ لهُ صُحبَةٌ، ولم تَكُنْ لهُ استِقَامَةٌ بَعدَ النَّبِيِّ ﷺ ؛ هُوَ الذِي قَتلَ طِفلَينِ لعُبَيدِ اللهِ بن عباسِ بن عَبدِ المطَّلِبِ باليمنِ في خِلافَةِ مُعاويةَ، وهُما عَبدُ الرَّحمنِ وقُثَمُ ابنَا عُبَيدِ اللهِ بن العباسِ.
-
وَذَكَرَ ابن الأَنبارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَحمدَ بن عُبَيدٍ، عَن هِشَامِ بن محمَّدٍ، عَن أَبي مِخْنَفٍ، قَالَ: لمّا تَوَجَّهَ بُسرُ بنُ أَرطَاةَ إلى اليمنِ أُخْبِرَ عُبَيدُ اللهِ بنُ العبَّاسِ بِذَلِكَ، وهُوَ عَامِلٌ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه عَليها، فَهَرَبَ ودَخلَ بُسرٌ اليمنَ، فأُتِي بابنَيْ عُبَيد اِللهِ بن العباسِ، وهما صَغيرانِ فذبَحَهُما، فنالَ أُمَّهُما عائشةَ (٢) بنتَ [عَبدِ المدانِ] (٣) مِن ذلكَ أَمرٌ عظيمٌ (٤) ، فأنشأَتْ تقولُ:
ها مَنْ أَحَسَّ بُنَيَّيَّ (٥) اللَّذَيْنِ هُما … كالدُّرَّتَينِ تَشَظَّى عَنهُما الصَّدَفُ
ج ٢ ص ٣٤٩ها مَنْ أَحَسَّ بُنَيَّيَّ (١) اللَّذَيْنِ هُما … سَمْعِي وعَقْلِي فَقَلْبِي اليومَ مُخْتَطَفُ (٢)
حُدِّثتُ بُسرًا ومَا صَدَّقْتُ ما زَعَمُوا … مِنْ قِيلِهم ومِنَ الإِفْكِ (٣) الذي اقتَرَفُوا
أَنْحَى عَلَى ودَجَيْ (٤) ابْنَيَّ مُرْهَفَةً … مَشحُوذَةً وكَذاكَ الإِثمُ (٥) يُقتَرَفُ
ثُمَّ وُسْوِسَتْ؛ فكانَتْ تَقِفُ في المَوسِمِ تُنشِدُ هذا الشِّعرَ، وتَهِيمُ علَى وجهِها، وذَكَرَ تمامَ الخبرِ (٦) ، وذكَرَ المُبَرِّدُ (٧) أيضًا نَحوَهُ.
وقالَ أَبو عمرٍو الشَّيبانيُّ: لمّا وجَّهَ معاويةُ بُسرَ بنَ أَرطَاةَ الفِهرِيَّ لِقَتلِ شِيعَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قامَ (٨) إليهِ مَعْنٌ أَو عَمرُو بنُ يَزيدَ بن الأَخْنَسِ السُّلَمِيُّ (٩) وزِيادُ بنُ الأَشهَبِ الجَعدِيُّ، فقالا: يا أَمِيرَ المؤمِنينَ، نسأَلُكَ باللهِ والرَّحِمِ أَلا (١٠) تَجعلَ لِبُسرٍ عَلَى قَيسٍ سُلطانًا؛ فَيَقتُلَ قيسًا بِما قَتَلَتْ بَنو سُلَيمٍ مِن بَنِي فِهْرٍ وكِنانَةَ يَومَ دَخَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، فقالَ مُعاوِيَةُ: يا بُسرُ، لا إِمرَةَ لَكَ عَلَى قَيسٍ،
ج ٢ ص ٣٥٠فسارَ، حتَّى أَتَى المدينةَ، فَقَتَلَ ابنَيْ عُبَيدِ اللهِ بن العباسِ، وفَرَّ أَهلُ المدينةِ، ودَخَلُوا الحَرَّةَ؛ حَرَّةَ بَني سُلَيمٍ، وفي هَذِهِ الخَرجَةِ التي ذَكَرَ أَبو عَمرٍو الشَّيبانِيُّ أَغارَ بُسرُ بنُ أَرطَاةَ عَلَى هَمْدانَ، وَقَتلَ وسَبَي نِساءَهُمْ، فَكُنَّ أَوَّلَ مُسلِماتٍ سُبِينَ في الإِسلامِ، وقَتلَ أَحياءً مِن بَنِي سَعدٍ (١) .
-
حَدَّثَنَا أَحمَدُ بنُ عَبدِ اللهِ بن محمَّدِ بن عليٍّ، قالَ: حدَّثَنَا أَبي، قالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيُّ بنُ مَخلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ الحُبابِ، قَالَ: حَدَّثَني مُوسَى بنُ عُبَيدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمَنِ بن أَبِي سَلامَةَ أَبُو سَلامَةَ، عَن أَبِي الرَّبَابِ وصَاحِبٍ لَهُ، أَنَّهما سَمِعَا أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه يَدعُو (٢) ويَتَعوَّذُ في صَلاةٍ صَلّاهَا، أَطَالَ قِيَامَهَا ورُكُوعَها وسُجُودَها، قالَ: فَسَأَلنَاهُ: مِمَّ تَعَوَّذتَ؟ وفِيمَ دَعَوتَ؟ قَالَ: تَعَوَّذَتُ باللهِ مِن يومِ البلاءِ [ويَومِ العَورَةِ] (٣) ، فَقُلنا: ومَا ذلكَ (٤) ؟ قَالَ: أَمَّا يومُ البلاءِ؛ فَتَلتَقِي فِئَتَانِ مِنَ المُسلِمِينَ فَيَقتُلُ بَعضُهُم بَعضًا، وَأَمَّا يَومُ العَورَةِ؛ فَإِنَّ نِسَاءً مِنَ المُسلِمَاتِ يُسبَينَ (٥) ، فَيُكشَفُ عَن سُوقِهِنَّ؛
- ج ٢ ص ٣٥١
فَأَيَّتُهُنَّ كَانَت أعظَمَ سَاقًا اشُترِيَت عَلَى عِظَمِ سَاقِهَا، فَدَعَوتُ الله أَلّا يُدرِكَنِي هَذَا (١) الزَّمانُ، ولَعَلَّكُما تُدرِكَانِه، قَالَ: فَقُتِلَ عُثمانُ، ثُمَّ أَرسَلَ بُسرَ بنَ أَرطَاةَ مُعاويةُ إِلَى اليَمَنِ، فَسَبَى نِسَاءً مُسلِمَاتٍ، فَأُقِمنَ في السُّوقِ (٢) .
-
وَرَوَى ثَابِتٌ البُنَانِيُّ، عَن أَنَسِ بن مَالِكٍ، عَنِ المِقدَادِ بن الأَسوَدِ أَنَّهُ قَالَ: وَاللهِ لا أَشهَدُ لأَحَدٍ أَنَّهُ مِن أَهلِ الجَنَّةِ حَتَّى أَعلَمَ مَا يَمُوتُ عَلَيهِ، فَإِنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لَقَلبُ ابن آدَمَ أَسرَعُ انقِلابًا مِنَ القِدرِ إِذَا استَجمَعَت (٣) غَليًا (٤) " .
-
أَخبَرَنا أَبُو محمَّدٍ عَبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثَنا أبو محمَّدٍ إسماعيلُ بنُ عَلِيٍّ الخُطَبِيُّ (٥) بِبَغدَادَ في "تَارِيخِهِ الكَبِيرِ" ، قَالَ: حَدَّثَنا محمَّدُ بنُ مُؤمِنِ بن حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنا (٦) سُلَيمَانُ بنُ أَبِي شَيخٍ، قَالَ: حَدَّثَنا محمَّدُ بنُ الحَكَمِ، عَن عَوَانَةَ، قَالَ: وَذَكَرَهُ زِيادٌ
ج ٢ ص ٣٥٢أَيضًا عَن عَوَانَةَ، قَالَ: أَرسَلَ مُعَاوِيَةُ بَعدَ تَحكِيمِ الحَكَمَينِ بُسرَ ابنَ أَرطَاةَ في جَيشٍ، فَسَارُوا مِنَ الشَّامِ حتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، وَعَامِلُ المدينَةِ يَومَئِذٍ لِعَلِيٍّ أَبُو أَيُّوبَ الأَنصارِيُّ صَاحِبُ رسولِ اللهِ ﷺ فَفَرَّ أَبُو أَيُّوبَ ولَحِقَ بِعَلِيٍّ رضي الله عنه ، ودَخَلَ بُسرٌ المدينَةَ، فَصَعِدَ مِنبَرَها، فَقَالَ: أَينَ شَيخِي الَّذِي عَهِدتُهُ هُنا بِالأَمسِ؟ يَعنِي عُثمَانَ رضي الله عنه ، ثُمَّ قَالَ: يا أهلَ المدينَةِ، واللهِ لَولا مَا عَهِدَ (١) إِلَيَّ مُعاويةُ مَا تَرَكتُ فِيهَا مُحتَلِمًا إِلا قَتَلتُهُ، ثُمَّ أَمَرَ أَهلَ المَدِينَةِ بِالبَيعَةِ لِمُعاوِيَةَ، وأَرسَلَ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَقَالَ: مَا لَكُم عِندِي أَمَانٌ ولا مُبايَعَةٌ حتَّى تَأْتُونِي بِجَابِرِ بن عَبدِ اللهِ، فَأُخبِرَ جَابِرٌ فَانطَلَقَ حَتَّى جَاءَ (٢) أُمَّ سَلَمَةَ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ ، فقالَ لها: ماذا تَرَيْنَ، فإنّي خَشِيتُ أَن أُقتَلَ، وَهَذِهِ بَيعَةُ ضَلالَةٍ؟ فَقَالَت: أَرَى أَن تُبَايِعَ، وقَد أَمَرتُ ابنِي عُمَرَ بنَ أَبِي سَلَمَةَ أَن يُبَايِعَ، فَأَتَى جَابِرٌ بُسرًا فبايعَهُ لمعاويَةَ، وهدَم بُسرٌ دُورًا بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ انطَلَقَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ وبِهَا أَبُو مُوسَى، فَخَافَهُ (٣) أَبو مُوسَى عَلَى نفسِهِ أَن يَقتُلَهُ، فَهَرَبَ، فَقِيلَ ذَلِكَ لبُسرٍ، فَقَالَ: مَا كُنتُ لأَقتُلَهُ وقَد خَلَعَ عَلِيًّا، ولَم يَطلُبْهُ، وَكَتَبَ أَبو مُوسى إلى اليمنِ: إِنَّ خَيلًا مبعوثَةً مِن عِندِ مُعاويةُ تَقتُلُ النّاسَ؛ مَن أَبَى أَن يُقِرَّ بالحكومةِ، ثُمَّ مَضَى بُسرٌ إلى اليمنِ، وعامِلُ اليمنِ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه عُبَيدُ اللهِ بنُ العبّاسِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَمْرُ
ج ٢ ص ٣٥٣بُسرٍ فَرَّ إلى الكوفَةِ حتّى أَتَى عليًّا، واستَخلَفَ على اليمنِ عُبِيدَ (١) اللهِ بنَ عَبدِ المَدانِ الحارِثِيَّ، فأَتَى بُسرٌ فقتلَهُ وقَتلَ ابنَهُ ولَقِيَ ثَقَلَ (٢) عُبَيدِ اللهِ بن العبّاسِ وفيهِ ابنانِ صغيرانِ لِعُبَيدِ اللهِ بن العبّاسِ، فَقَتَلَهما ورَجَعَ إلى الشّامِ (٣) .
-
حَدَّثَنَا عَبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بن أَسَدٍ (٤) ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ عثمانَ بن السَّكنِ، قال: حدَّثَنا محمَّد بنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنا البُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بنُ أَبِي مَريَمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي محمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبُو حَازِمٍ، عَن سَهلِ بن سَعدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٥) ﷺ : "إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ، مَن مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لَم يَظمَأْ أَبَدًا، ولَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقوامٌ أَعرِفُهُم ويَعرِفُونَي، ثُمَّ يُحَالُ بَينِي وَبَينَهُم" .
قالَ أبو حازمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعمانُ بنُ أَبي عَيَّاشٍ، فقالَ: هَكَذَا سَمِعتَ مِن سَهلٍ؟ قُلتُ: نَعَم، قال: فإِنِّي أَشهَدُ علَى أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، سَمِعتُهُ وهُوَ يَزيدُ فيها: "فَأَقُولُ: إَنَّهُم مِنِّي، فيقالُ: إِنَّكَ لا تَدرِي ما أَحدَثُوا بَعدَكَ، فأَقولُ: سُحقًا سُحقًا لِمَن غَيَّرَ بَعدِي" (٦) .
-
والآثارُ في هَذَا المعنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا، قَد تَقَصَّيتُها في ذِكرِ
ج ٢ ص ٣٥٤الحَوضِ في بابِ خُبَيبٍ مِن كِتابِ "التَّمهيدِ" (١) ، والحمدُ للهِ.
-
وَرَوَى شُعبَةُ، عن المُغِيرةِ بن النُّعمانِ، عَن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّكُم مَحشورونَ إلى اللهِ عُراةً غُرلًا" ، فَذَكَرَ الحديثَ، وفيهِ: "فأَقولُ: يا رَبِّ، أَصحابي؟، فيقالُ: إِنَّكَ لا تَدرِي ما أَحدَثوا بَعدَك، إِنَّ هؤلاءِ لم يزالُوا مُرتَدَّينَ على أعقابِهم مُنذُ فَارَقتَهم" (٢) .
-
وَرَواهُ سفيانُ الثَّوريُّ، عن المُغيرةِ بن النُّعمانِ، عَن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ مِثلَهُ (٣) .
-
وذَكَرَ أَبو الحسنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ الدّارَقُطنِيُّ، قَالَ: قَدِمَ حريُّ (٤) بنُ ضَمرَةَ النَّهِشَلِيُّ عَلَى مُعاويةَ، فعاتَبَهُ في بُسرِ بن أَرطَاةَ (٥) ، وقالَ في أبياتٍ ذَكَرَها:
ج ٢ ص ٣٥٥وَإِنَّكَ مُستَرعًى وإِنَّا رَعِيَّةٌ … وكُلٌّ سَيلقَى رَبَّهُ فَيُحَاسِبُهْ
وكانَ بُسرُ بنُ أرطاةَ مِنَ الأبطالِ الطُّغاةِ، وكانَ مَعَ معاويةَ بِصِفِّينَ، وأَمَرَهُ أَن يَلقَى عَلِيًّا في القتالِ، وقالَ لَهُ: سَمِعتُكَ تتمَنَّى لقاءَهُ، فلو أَظفَرَكَ اللهُ بِهِ وصَرَعتَهُ حَصَلتَ علَى دنيا وآخرةٍ، ولم يَزلْ بِهِ يُشَجِّعُهُ ويُمَنِّيهِ حتَّى رآهُ، فَقَصَدَهُ في الحَربِ والتَقَيا، فَصَرَعَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه ، وعَرَضَ لَهُ مَعَهُ مِثلُ مَا عَرَضَ فيما ذكَروا لِعَلِيٍّ رضي الله عنه مَعَ عَمرِو بن العاصِي.
-
ذَكَرَ ابن الكَلبِيِّ في كِتابِهِ في "أخبارِ صِفِّينَ" ؛ أَنَّ بُسرَ بنَ أرطاةَ بَارَزَ علِيًّا رضي الله عنه يَومَ صِفِّينَ، فَطَعَنَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه فَصَرَعَهُ، فَانكَشَفَ لَهُ، فَكَفَّ عَنهُ كَما عَرَضَ لَهُ فِيمَا ذَكَرُوا مَعَ عَمرٍو.
-
ولهَم فيها أَشعارٌ مَذكُورَةٌ في مَوضِعِها مِن ذَلِكَ الكتابِ؛ مِنها فيما (١) ذَكَرَ ابن الكَلبِيِّ والمدائنيُّ قولُ الحارِثِ بن النَّضرِ السَّهميِّ، قَالَ ابن الكَلبِيِّ (٢) : وكانَ عَدُوًّا لِعَمرٍو وبُسرٍ:
أَفِي كُلِّ يَومٍ فَارِسٌ لَيسَ يَنتَهِي … وعَورَتُهُ وسْطَ العَجاجَةِ بادِيَهْ
يَكُفُّ لها عَنهُ عَلِيٌّ سِنانَهُ … ويَضحَكُ مِنهُ في الخلاءِ مُعاوِيَهْ
بَدَتْ أَمْسِ مِن عَمرٍو فَقَنَّعَ رَأسَهُ … وعورَةُ بُسرٍ مِثلُها حَذْوَ حَاذِيَهْ
فَقُولا لِعَمرٍو ثُمَّ بُسرٍ أَلا انظُرا … سَبيلَكما لا تَلقَيَا اللَّيْثَ ثَانِيَهْ
ج ٢ ص ٣٥٦وَلا تَحمَدا إِلَّا الحَيَا وخُصاكُما … هُما كانَتا واللهِ للنَّفسِ واقِيَهْ
ولَولاهُما لم تَنْجُوَا مِنْ سِنانِهِ … وتِلكَ بِما فِيها عَنِ العَوْدِ نَاهِيَهْ
مَتى تَلقَيا الخَيْلَ المُشِيحَةَ (١) صُبْحَةً … وفيها عَلِيٌّ فَاتْرُكَا الخَيْلَ ناحِيَهْ
وكُونا بَعيدًا حَيثُ لا تَبلُغُ (٢) القَنا … نُحُورَكما إِنَّ التَّجارِبَ كافِيَهْ
قَالَ أبو عُمَرَ رضي الله عنه : إِنَّما كانَ انصِرافُ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنهُما وَعَنْ أَمثالِهما مِنْ مَصرُوعٍ أو مُنهَزِمٍ؛ لأَنَّهُ كان لا (٣) يَرَى فِي قِتالِ الباغِينَ عَليهِ مِنَ المسلمينَ؛ أنْ (٤) يُتْبَعَ مُدبِرٌ (٥) ، ولا يُجْهَزَ عَلَى جَريحٍ، ولا يُقتَلَ أَسِيرٌ (٦) ، وتِلكَ كانت سِيرَتَهُ في حُروبِهِ في الإسلامِ رضي الله عنه .
-
وعلى ما رُوِيَ عن عَلِيٍّ رضي الله عنه في ذَلِكَ مذاهبُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجازِ والعراقِ إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ، قَالَ: إِنِ انهزمَ الباغِي إلى فئةٍ (٧) اتُّبِعَ، وإنِ انهزَمَ إلى غَيرِ فئةٍ لم يُتَّبَعْ (٨) .
-
يُعَدُّ بُسرُ بنُ أَرطاةَ في الشّامِيِّينَ، وأتَى اليمنَ، ولهُ دارٌ بالبصرةِ، وَماتَ بالمدينةِ، وقِيلَ: بَل ماتَ بالشّامِ في بَقِيَّةِ أَيامِ معاويةَ.
- ج ٢ ص ٣٥٧
[٢٠٦] بُسرُ بنُ سُفيانَ بن عمرِو بن عُوَيمرٍ الخُزاعِيُّ (١) ، أسلمَ سنةَ ستٍّ منَ الهجرةِ، وبعثَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَينًا [إلى قريشٍ إلى مكةَ] (٢) ، وشَهِدَ الحُدَيبيَةَ، وهُو المذكورُ في حديثِ الحديبيةِ مِن رِوايةِ الزُّهريِّ، عن عُروة، عن المِسْوَرِ ومَرْوانَ قولَهُ: حتّى إذا كانَ (٣) بِغَدِيرِ الأَشْطاطِ (٤) لقِيَه عَينُهُ الخُزاعِيُّ، فأخبَره خبرَ قريشٍ وجموعَهم (٥) ، قالوا: هو بُسرُ بن سفيانَ هذا.
- ج ٢ ص ٣٥٨
[٢٠٧] بُسرٌ السُّلمِيُّ (١) ، ويُقالُ: المازِنِيُّ (٢) ، نزَلَ عندَهم النَّبِيُّ ﷺ فأَكلَ عندَهم ودَعا لهم (٣) ، لا أعرِفُ له غيرَ هذا الخبرِ، وهُو والدُ عَبدِ اللهِ بن بُسرٍ، لم يَروِ عَنهُ غيرُ ابنِهِ عَبدِ اللهِ بن بُسرٍ، وليسَ مِن الصَّمّاِء في شيءٍ (٤) ، يُعَدُّ في أهلِ الشّامِ.
- ج ٢ ص ٣٥٩
[٢٠٨] بُسرُ بنُ جَحَّاشٍ القرشِيُّ (١) ، هكذا ذكَرَه ابن أبي حاتِمٍ (٢) في بابِ بُسرٍ، وقَد تَقَدَّم ذكرُهُ في بابِ بِشرٍ، وهو الأكثرُ في اسمِهِ (٣) ، رَوَى عنهُ جُبيرُ بنُ نُفَيرٍ، وقالَ أبو الحسنِ علِيُّ بنُ عمرَ الدّارَقُطنيُّ: هو بُسرُ بنُ جَحَّاشٍ القرشيُّ، ولا يصِحُّ فيهِ بِشرٌ (٤) .