النوع الثاني والخمسون: في حقيقته ومجازه

٥٥ فقرة، ج ٣ ص ١٢٠

الصفحة ١ من ٢

  1. لَا خِلَافَ فِي وُقُوعِ الْحَقَائِقِ فِي الْقُرْآنِ وَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ بَقِيَ عَلَى مَوْضُوعِهِ وَلَا تَقْدِيمَ فِيهِ وَلَا تَأْخِيرَ وَهَذَا أَكْثَرُ الْكَلَامِ.

    ج ٣ ص ١٢٠
  2. وَأَمَّا الْمَجَازُ فَالْجُمْهُورُ أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِ وَأَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الظَّاهِرِيَّةُ وَابْنُ الْقَاصِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الْمَجَازَ أَخُو الْكَذِبِ وَالْقُرْآنُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَعْدِلُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا ضَاقَتْ بِهِ الْحَقِيقَةُ فَيَسْتَعِيرُ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذِهِ شُبْهَةٌ بَاطِلَةٌ وَلَوْ سَقَطَ الْمَجَازُ مِنَ الْقُرْآنِ سَقَطَ مِنْهُ شَطْرُ الْحُسَنِ فَقَدِ اتَّفَقَ الْبُلَغَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَلَوْ وَجَبَ خُلُوُّ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَجَازِ وَجَبَ خُلُوُّهُ مِنَ الْحَذْفِ وَالتَّوْكِيدِ وَتَثَنِيَةِ الْقَصَصِ وَغَيْرِهَا

    وَقَدْ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بن عَبْدِ السَّلَامِ وَلَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي كِتَابٍ سَمَّيْتُهُ مَجَازُ الْفُرْسَانِ إِلَى مَجَازِ الْقُرْآنِ

  3. وَهُوَ قِسْمَانِ:
  4. الْأَوَّلُ: الْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ وَيُسَمَّى مَجَازُ الْإِسْنَادِ وَالْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ وَعَلَاقَتُهُ الْمُلَابَسَةُ وَذَلِكَ أَنْ يُسْنَدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ أَصَالَةً لِمُلَابَسَتِهِ لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} نُسِبَتِ الزِّيَادَةُ - وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ - إِلَى الْآيَاتِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لَهَا {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} {يَا هَامَانُ

    ج ٣ ص ١٢١ابْنِ لِي} نُسِبَ الذَّبْحُ وَهُوَ فِعْلُ الْأَعْوَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَالْبِنَاءُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَمَلَةِ إِلَى هَامَانَ لِكَوْنِهِمَا آمِرِينَ بِهِ

    وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} نُسِبَ الْإِحْلَالُ إِلَيْهِمْ لِتَسَبُّبِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ بِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ

    وَمِنْهُ قوله تعالى: {وْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً} نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الظَّرْفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ.

  5. {عِيشَةٍ راضية} أَيْ مَرْضِيَّةٍ

    {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ} أَيْ عُزِمَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ {فَإِذَا عَزَمْتَ}

  6. وَهَذَا الْقِسْمُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ:

    أَحَدُهَا: مَا طَرَفَاهُ حَقِيقِيَّانِ كَالْآيَةِ الْمُصَدَّرِ بِهَا وَكَقَوْلِهِ: {وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا}

  7. ثَانِيهَا: مَجَازِيَّانِ نَحْوُ: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أَيْ مَا رَبِحُوا فِيهَا وَإِطْلَاقُ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ هُنَا مَجَازٌ

    ثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا: مَا أَحَدُ طَرَفَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الْآخَرِ

    أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: فَكَقَوْلِهِ: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أَيْ بُرْهَانًا {كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو} فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِنَ النَّارِ مَجَازٌ

    ج ٣ ص ١٢٢وَقَوْلُهُ: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} وَاسْمُ الْأُمِّ الْهَاوِيَةُ مَجَازٌ أَيْ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ كَافِلَةٌ لِوَلَدِهَا وَمَلْجَأٌ لَهُ كَذَلِكَ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ كَافِلَةٌ وَمَأْوًى وَمَرْجِعٌ

  8. الْقِسْمُ الثَّانِي:
  9. الْمَجَازُ في المفرد ويسمى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا وَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ:

    أَحَدُهَا: الْحَذْفُ وَسَيَأْتِي مبسوطا في نوع المجاز فَهُوَ بِهِ أَجْدَرُ خُصُوصًا إِذَا قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَنْوَاعٍ الْمَجَازِ

    الثَّانِي: الزِّيَادَةُ وَسَبْقُ تَحْرِيرِ الْقَوْلِ فِيهَا فِي نَوْعِ الْإِعْرَابِ.

  10. الثَّالِثُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ نَحْوُ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} أَيْ أَنَامِلُهُمْ وَنُكْتَةُ التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْأَصَابِعِ الْإِشَارَةُ إِلَى إِدْخَالِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ مُبَالَغَةً مِنَ الْفِرَارِ فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَصَابِعَ {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ} أَيْ وُجُوهُهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ جُمْلَتَهُمْ، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أطلق الشهر وهو إسم لثلاثين ليلة وأراد جزء مِنْهُ كَذَا أَجَابَ بِهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنِ اسْتِشْكَالِ أَنَّ الْجَزَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ أَنْ يَشْهَدَ الشَّهْرَ وَهُوَ اسْمٌ لِكُلِّهِ حَقِيقَةً فَكَأَنَّهُ أَمَرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ شَهِدَ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ جَمِيعَهُ وَإِنْ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ.

  11. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ أَيْضًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْحَذْفِ

    ج ٣ ص ١٢٣الرَّابِعُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} أَيْ ذَاتُهُ {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَيْ ذَوَاتُكُمْ إِذِ الِاسْتِقْبَالُ يَجِبُ بِالصَّدْرِ {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ} {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} عَبَّرَ بِالْوُجُوهِ عَنْ جَمِيعِ الْأَجْسَادِ لِأَنَّ التَّنَعُّمَ والنصب حاصل لكلها {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أَيْ قَدَّمْتَ وَكَسَبْتُمْ وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيْدِي لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَعْمَالِ تُزَاوَلُ بِهَا {قُمِ اللَّيْلَ} {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ} أَطْلَقَ كُلًّا مِنَ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ بَعْضُهَا {هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أَيِ الْحَرَمِ كُلِّهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُذْبَحُ فِيهَا.

  12. تَنْبِيهٌ
  13. أُلْحِقَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ شَيْئَانِ:
  14. أَحَدُهُمَا: وَصْفُ الْبَعْضِ بِصِفَةِ الْكُلِّ كَقَوْلِهِ: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} فَالْخَطَأُ صِفَةُ الْكُلِّ وُصِفَ بِهِ الناصية عكسه كقوله: {إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} وَالْوَجَلُ صِفَةُ الْقَلْبِ {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً} وَالرُّعْبُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ

    وَالثَّانِي: إِطْلَاقُ لَفْظِ بَعْضٍ مُرَادًا بِهِ الْكُلُّ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: {وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} أَيْ كُلَّهُ {وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} وَتُعُقِّبُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّبِيِّ

    ج ٣ ص ١٢٤بَيَانُ كُلِّ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ بِدَلِيلِ السَّاعَةِ وَالرُّوحِ وَنَحْوِهِمَا وَبِأَنَّ مُوسَى كَانَ وَعَدَهُمْ بِعَذَابٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ فَقَالَ: "يُصِبْكُمْ هَذَا الْعَذَابُ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ بَعْضُ الْوَعِيدِ مِنْ غَيْرِ نَفْيِ عَذَابِ الْآخِرَةِ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ.

    قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوَعِيدَ مِمَّا لَا يُسْتَنْكَرُ تَرْكُ جَمِيعِهِ فَكَيْفَ بَعْضُهُ وَيُؤَيِّدُ ما قاله ثعلب قوله {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ}

  15. الْخَامِسُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ نَحْوُ: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ رُسُلُهُ

    السَّادِسُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} أَيِ الِمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

  16. السَّابِعُ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللازم نحو

    الثَّامِنُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} أَيْ هَلْ يَفْعَلُ أَطْلَقَ الِاسْتِطَاعَةَ عَلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ

    التَّاسِعُ: إِطْلَاقُ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً} {قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} أَيْ مَطَرًا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ الرِّزْقُ وَاللِّبَاسُ، {لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً} أَيْ مُؤْنَةً مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَمَا لَا بُدَّ لِلْمُتَزَوِّجِ مِنْهُ.

  17. الْعَاشِرُ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ} أَيِ الْقَبُولَ وَالْعَمَلَ بِهِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ السَّمْعِ.

    ج ٣ ص ١٢٥
  18. تَنْبِيهٌ

    مِنْ ذَلِكَ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى سَبَبِ السَّبَبِ كَقَوْلِهِ: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} فَإِنَّ الْمُخْرِجَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَبَبُ ذَلِكَ أَكْلُ الشَّجَرَةِ وَسَبَبُ الْأَكْلِ وَسُوسَةُ الشَّيْطَانِ.

  19. الْحَادِي عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ نَحْوُ: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} أَيِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَامَى إِذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ {فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} أَيْ الَّذِينَ كَانُوا أَزْوَاجَهُنَّ {مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً} سَمَّاهُ مُجْرِمًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْإِجْرَامِ.

  20. الثَّانِي عَشَرَ: تَسْمِيَتُهُ بِاسْمِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ نَحْوُ: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} أَيْ عِنَبًا يَؤُولُ إِلَى الْخَمْرِيَّةِ، {وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} أَيْ صَائِرًا إِلَى الْكُفْرِ وَالْفُجُورِ، {تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} سَمَّاهُ زَوْجًا لِأَنَّ الْعَقْدَ يَؤُولُ إِلَى زَوْجِيَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تُنْكَحُ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِ زَوْجًا {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} {نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} وَصَفَهُ فِي حَالِ الْبِشَارَةِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ

    الثَّالِثَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ اسْمِ الْحَالِ عَلَى الْمَحَلِّ نَحْوُ: {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ

    ج ٣ ص ١٢٦فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الرَّحْمَةِ، {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ} أَيْ فِي اللَّيْلِ، {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ} أي في عينك عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ.

  21. الرَّابِعَ عَشَرَ: عَكْسُهُ نَحْوُ: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} أَيْ أَهْلَ نَادِيهِ أَيْ مَجْلِسَهُ

    وَمِنْهُ التَّعْبِيرُ بِالْيَدِ عَنِ الْقُدْرَةِ نحو: {بِيَدِهِ الْمُلْكُ} وَبِالْقَلْبِ عَنِ الْعَقْلِ نَحْوُ: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} أَيْ عُقُولٌ وَبِالْأَفْوَاهِ عَنِ الْأَلْسُنِ نَحْوُ: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ} وَبِالْقَرْيَةِ عَنْ سَاكِنِيهَا نَحْوُ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} قد اجْتَمَعَ هَذَا النَّوْعُ وَمَا قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فَإِنَّ أَخْذَ الزِّينَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِأَنَّهَا مَصْدَرٌ فَالْمُرَادُ مَحَلُّهَا فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْحَالِّ وَأَخُذُهَا لِلْمَسْجِدِ نفسه لا يجب فالمراد الصَّلَاةُ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ.

  22. الْخَامِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ آلَتِهِ نَحْوُ: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} أَيْ ثَنَاءً حَسَنًا لِأَنَّ اللِّسَانَ آلَتُهُ، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أَيْ بِلُغَةِ قَوْمِهِ.

  23. السَّادِسَ عَشَرَ: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمٍ ضِدِّهِ نَحْوُ: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وَالْبِشَارَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْخَبَرِ السَّارِّ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الدَّاعِي إِلَى الشَّيْءِ بِاسْمِ الصَّارِفُ عَنْهُ ذَكَرَهُ السَّكَّاكِيُّ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} يَعْنِي مَا دَعَاكَ إِلَى أَلَّا تَسْجُدَ وَسَلِمَ بِذَلِكَ مِنْ دَعْوَى زِيَادَةِ "لَا"

    ج ٣ ص ١٢٧
  24. السَّابِعَ عَشَرَ: إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَشْبِيهًا نَحْوُ: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} وَصَفَهُ بِالْإِرَادَةِ وَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيِّ تَشْبِيهًا لِمَيْلِهِ لِلْوُقُوعِ بِإَرَادَتُهُ.

  25. الثَّامِنَ عَشَرَ: إِطْلَاقُ الْفِعْلِ وَالْمُرَادُ مُشَارَفَتُهُ وَمُقَارَبَتُهُ وَإِرَادَتُهُ نَحْوُ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} أَيْ قَارَبْنَ بُلُوغَ الْأَجَلِ أَيِ انِقِضَاءَ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ لَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ} حَقِيقَةً {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} ، أَيْ فَإِذَا قَرُبَ مَجِيئُهُ وَبِهِ يَنْدَفِعُ السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِيهَا أَنَّ عِنْدَ مَجِيءِ الْأَجَلِ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ، {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ} الْآيَةَ أَيْ لَوْ قَارَبُوا أَنْ يَتْرُكُوا خَافُوا لَأَنَّ الْخِطَابَ لِلْأَوْصِيَاءِ وَإِنَّمَا يتوجه إليهم قَبْلَ التَّرْكِ لِأَنَّهُمْ بَعْدَهُ أَمْوَاتٌ، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} أَيْ أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} أَيْ أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ، لِتَكُونَ الِاسْتِعَاذَةُ قَبْلَهَا، {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} أَيْ أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ

    ج ٣ ص ١٢٨وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ} أَيْ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا لِئَلَّا يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ.

  26. التَّاسِعَ عَشَرَ: الْقَلْبُ إِمَّا قَلْبُ إِسْنَادٍ نَحْوُ: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ} أَيْ لَتَنُوءُ الْعُصْبَةُ بِهَا {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أَيْ لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ، {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} أَيْ حَرَّمْنَاهُ عَلَى الْمَرَاضِعِ {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ} أَيْ تُعْرَضُ النَّارُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْمَعْرُوضَ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي لَهُ الِاخْتِيَارُ {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} أَيْ وَإِنَّ حُبَّهُ لِلْخَيْرِ {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ} أَيْ يُرِدْ بِكَ الْخَيِّرَ {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} لِأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ حَقِيقَةً هُوَ آدَمُ كَمَا قُرِئَ بِذَلِكَ أَيْضًا

    أَوْ قَلْبُ عَطْفٍ نَحْوُ: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ} ، أَيْ فَانْظُرْ ثُمَّ تَوَلَّ {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} أَيْ تَدَلَّى فَدَنَا لِأَنَّهُ بِالتَّدَلِّي مَالَ إِلَى الدُّنُوِّ

    أَوْ قَلْبُ تَشْبِيهٍ وَسَيَأْتِي فِي نَوْعِهِ.

  27. الْعِشْرُونَ: إِقَامَةُ صِيغَةٍ مَقَامَ أُخْرَى وَتَحْتَهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ:
  28. مِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ نَحْوُ: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ وَعَلَى الْمَفْعُولِ نَحْوُ: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} أَيْ مِنْ مَعْلُومِهِ، {صُنْعَ اللَّهِ} أَيْ مَصْنُوعَهُ، {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ

    ج ٣ ص ١٢٩كَذِبٍ} أَيْ مَكْذُوبٍ فِيهِ لِأَنَّ الْكَذِبَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْوَالِ لَا الْأَجْسَامِ وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْبُشْرَى عَلَى الْمُبَشَّرِ بِهِ وَالْهَوَى عَلَى الْمَهْوِيِّ وَالْقَوْلِ عَلَى الْمَقُولِ.

  29. وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ عَلَى الْمَصْدَرِ نَحْوُ: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} أي تكذيب {بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ} أَيِ الِفِتْنَةُ عَلَى أَنَّ الْبَاءَ غَيْرُ زَائِدَةٍ

    وَمِنْهَا إِطْلَاقُ فَاعِلٍ عَلَى مَفْعُولٍ نَحْوُ: {مَاءٍ دَافِقٍ} أَيْ مَدْفُوقٍ {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ} أَيْ لَا مَعْصُومَ {جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً} أَيْ مَأْمُونًا فِيهِ

    وَعَكْسُهُ نَحْوُ: {إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً} أي آتيا {حِجَاباً مَسْتُوراً} أي ساترا وقيل: على بابه أي مستورا على الْعُيُونِ لَا يُحِسُّ بِهِ أَحَدٌ

    وَمِنْهَا إِطْلَاقُ "فَعِيلٍ" بِمَعْنَى "مَفْعُولٍ" نَحْوُ: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً} وَمِنْهَا إِطْلَاقُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ عَلَى آخَرَ مِنْهَا

    مِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْمُثَنَّى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} أَيْ يُرْضُوهُمَا فَأُفْرِدَ لِتَلَازُمِ الرِّضَاءَيْنِ

    وَعَلَى الْجَمْعِ نَحْوُ: {إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} أَيِ الِأَنَاسِيَّ بِدَلِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} بدليل {إِلاَّ الْمُصَلِّينَ} وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُفْرَدِ: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ} أَيْ أَلْقِ

    ج ٣ ص ١٣٠وَمِنْهُ كُلُّ فِعْلٍ نُسِبَ إِلَى شَيْئَيْنِ وَهُوَ لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ نَحْوُ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمِلْحُ دُونَ الْعَذْبِ وَنَظِيرُهُ {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وَإِنَّمَا تَخْرُجُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمِلْحِ، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} أَيْ فِي إِحْدَاهُنَّ {نَسِيَا حُوتَهُمَا} وَالنَّاسِي يُوشَعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِمُوسَى: {فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} وَإِنَّمَا أُضِيفَ النِّسْيَانُ إِلَيْهِمَا مَعًا لِسُكُوتِ مُوسَى عَنْهُ {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ} وَالتَّعْجِيلُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قَالَ الْفَارِسِيُّ أَيْ مِنْ إِحْدَى الْقَرْيَتَيْنِ وَلَيْسَ مِنْهُ {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} وَأَنَّ الْمَعْنَى جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ وَفِي كِتَابِ "ذَا الْقَدِّ" لِابْنِ جِنِّي أَنَّ مِنْهُ {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ} وَإِنَّمَا الْمُتَّخَذُ إِلَهًا عِيسَى دُونَ مَرْيَمَ

    وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْجَمْعِ {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أَيْ كَرَّاتٍ لِأَنَّ الْبَصَرَ لَا يُحْسَرُ إِلَّا بِهَا وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ قَوْلَهَ: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ}

  30. وَمِثَالُ إِطْلَاقِ الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ} ، أَيْ أَرْجِعْنِي وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ فَارِسٍ: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} وَالرَّسُولُ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ} وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَاطَبَ رَئِيسَهُمْ لا سيما

    ج ٣ ص ١٣١وعادة الملوك جارية ألا يُرْسِلُوا وَاحِدًا وَجَعَلَ مِنْهُ {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ} {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ} أَيْ جِبْرِيلَ {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} وَالْقَاتِلُ وَاحِدٌ

    وَمِثَالُ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْمُثَنَّى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} {قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ} ، {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} أَيْ أَخَوَانِ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أَيْ قَلْبَاكُمَا {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} إِلَى قَوْلِهِ {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ}

  31. وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْمَاضِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نَحْوُ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} أَيِ السَّاعَةُ بِدَلِيلِ {فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ} {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} الآية {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً} {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ}

  32. وَعَكْسُهُ لِإِفَادَةِ الدَّوَامِ وَالِاسْتِمْرَارِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَاسْتَمَرَّ نَحْوُ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ} {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي تلت {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} أَيْ عَلِمْنَا {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} أَيْ عَلِمَ، {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ} أي قتلتم، {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً

    ج ٣ ص ١٣٢تَقْتُلُونَ} {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً} أَيْ قَالُوا

    وَمِنْ لَوَاحِقَ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ لَا فِي الِاسْتِقْبَالِ نَحْوُ: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ}

  33. وَمِنْهَا إِطْلَاقُ الْخَبَرِ عَلَى الطَّلَبِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ دُعَاءً مُبَالِغَةً فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ وَقَعَ وَأَخْبَرَ عَنْهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وُرُودُ الْخَبَرِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ أَوِ النَّهْيُ أَبْلَغُ مِنْ صَرِيحِ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ كَأَنَّهُ سُورِعَ فِيهِ إِلَى الِامْتِثَالِ وَأُخْبِرَ عَنْهُ نَحْوُ: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحج" على قراءة، الرافع {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ {لَا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} أي لا يمسسه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ} ، أَيْ لَا تَعْبُدُوا بِدَلِيلِ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} ، أَيِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَعَكْسُهُ، نَحْوُ: {فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً} أَيْ يَمُدُّ، {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} أي ونحن حاملون بدليل {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} وَالْكَذِبُ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْخَبَرِ، {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً}

    ج ٣ ص ١٣٣قَالَ الْكَوَاشِيُّ: فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى الْأَمْرُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ أَبْلَغُ مِنَ الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِهِ اللُّزُومَ نَحْوُ: "إِنْ زُرْتَنَا فَلْنُكْرِمْكَ" يُرِيدُونَ تَأْكِيدَ إِيجَابِ الْإِكْرَامِ عَلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ فَشُبِّهَ الخبر به في إيجابه.

  34. منها: وَضَعُ النِّدَاءِ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ نَحْوُ: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} قال الفراء: معناه فيالها حَسْرَةً وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: هَذِهِ مِنْ أَصْعَبِ مَسْأَلَةٍ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْحَسْرَةَ لَا تُنَادَى وَإِنَّمَا يُنَادَى الْأَشْخَاصُ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ التَّنْبِيهُ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى عَلَى التَّعَجُّبِ.

  35. وَمِنْهَا وَضْعُ جَمْعِ الْقِلَّةَ مَوْضِعَ الْكَثْرَةِ، نَحْوُ: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} وَغُرَفُ الْجَنَّةِ لَا تُحْصَى، {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وَرُتَبُ النَّاسِ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنَ الْعَشَرَةِ لَا مَحَالَةَ، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} وَنُكْتَةُ التَّقْلِيلِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّسْهِيلُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ

    وَعَكْسُهُ نَحْوُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ}

  36. وَمِنْهَا تَذْكِيرُ الْمُؤَنَّثِ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِمُذَكَّرٍ، نَحْوُ: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} أَيْ وُعِظَ {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} عَلَى تَأْوِيلِ الْبَلْدَةِ بِالْمَكَانِ {فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي} أَيِ الشَّمْسُ أَوِ الطَّالِعُ {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ذُكِرَتْ عَلَى مَعْنَى الْإِحْسَانِ

    ج ٣ ص ١٣٤وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي قَوْلِهِ: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} : إِنَّ الْإِشَارَةَ لِلرَّحْمَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ "وَلِتِلْكَ" لِأَنَّ تَأْنِيثَهَا غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي تَأْوِيلِ "أَنْ يَرْحَمَ"

  37. وَمِنْهَا تَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ نَحْوُ: {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا} أَنَّثَ الْفِرْدَوْسَ وَهُوَ مُذَكَّرٌ حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْجَنَّةِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أنت "عَشْرًا" حَيْثُ حَذَفَ الْهَاءَ مَعَ إِضَافَتِهَا إِلَى "الْأَمْثَالِ" وَوَاحِدُهَا مُذَكِّرٌ فَقِيلَ لِإِضَافَةِ الْأَمْثَالِ إِلَى مُؤَنَّثٍ وَهُوَ ضَمِيرُ الْحَسَنَاتِ فَاكْتَسَبَ مِنْهُ التَّأْنِيثَ وَقِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى لِأَنَّ "الْأَمْثَالَ" فِي الْمَعْنَى مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّ مِثْلَ الْحَسَنَةِ حَسَنَةٌ وَالتَّقْدِيرُ فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالُهُا وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْقَوَاعِدِ الْمُهِمَّةِ قَاعِدَةً فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ

    وَمِنْهَا التَّغْلِيبُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ حُكْمَ غَيْرِهِ: وَقِيلَ تَرْجِيحُ أَحَدِ المعلومين عَلَى الْآخَرِ وَإِطْلَاقُ لَفْظِهِ عَلَيْهِمَا إِجْرَاءً لِلْمُخْتَلِفِينَ مَجْرَى الْمُتَّفِقِينَ، نَحْوُ: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} {إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} وَالْأَصْلُ "مِنَ الْقَانِتَاتِ" وَ "الْغَابِرَاتِ" فَعُدَّتِ الْأُنْثَى مِنَ الْمُذَكِّرِ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أَتَى بِتَاءِ الْخِطَابِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ "أَنْتُمْ" عَلَى جَانِبِ "قَوْمٌ" وَالْقِيَاسُ أَنْ يُؤْتَى بِيَاءِ الْغَيْبَةِ لِأَنَّهُ صفة "لقوم" وَحَسَّنَ الْعُدُولَ عَنْهُ وُقُوعُ الْمَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ {قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ} غَلَبَ فِي الضَّمِيرِ الْمُخَاطَبِ

    ج ٣ ص ١٣٥وَإِنْ كَانَ "مَنْ تَبِعَكَ" يَقْتَضِي الْغَيْبَةَ وَحَسَّنَهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَائِبُ تَبَعًا لِلْمُخَاطِبِ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْعُقُوبَةِ جُعِلَ تَبَعًا لَهُ فِي اللَّفْظِ أَيْضًا وَهَوَ مِنْ مَحَاسِنِ ارْتِبَاطِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} غَلَّبَ غَيْرَ الْعَاقِلِ حَيْثُ أَتَى بِ "مَا" لِكَثْرَتِهِ وَفِي آيَةٍ أُخْرَى بِ "مِنْ" فَغَلَّبَ الْعَاقِلَ لشرفه {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أَدْخَلَ شُعَيْبٌ فِي "لَتَعُودُنَّ " بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلَّتِهِمْ أَصْلًا حَتَّى يَعُودَ فِيهَا وَكَذَا قَوْلُهُ {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ} {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ} عُدَّ مِنْهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَغْلِيبًا لِكَوْنِهِ كَانَ بَيْنَهُمْ {يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ} أَيِ الِمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: وَغَلَّبَ الْمَشْرِقَ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ الجهتين {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} أَيِ الِمِلْحِ وَالْعَذْبِ وَالْبَحْرُ خَاصٌّ بِالْمِلْحِ فَغُلِّبَ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ} أَيْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَالدَّرَجَاتُ لِلْعُلُوِّ وَالدَّرَكَاتُ لِلسُّفْلِ فَاسْتَعْمَلَ الدَّرَجَاتِ فِي الْقِسْمَيْنِ تَغْلِيبًا لِلْأَشْرَفِ

    قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: وَإِنَّمَا كَانَ التَّغْلِيبُ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ " الْقَانِتِينَ" مَوْضُوعٌ لِلذُّكُورِ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إِطْلَاقٌ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَكَذَا بَاقِي الْأَمْثِلَةِ

    وَمِنْهَا اسْتِعْمَالُ حُرُوفِ الْجَرِّ فِي غَيْرِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَرْبَعِينَ.

  38. وَمِنْهَا اسْتِعْمَالُ صِيغَةِ "افْعَلْ" لِغَيْرِ الْوُجُوبِ وَصِيغَةِ "لَا تَفْعَلْ" لِغَيْرِ التَّحْرِيمِ وَأَدَوَاتُ الِاسْتِفْهَامِ لِغَيْرِ طَلَبِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ وَأَدَاةُ التَّمَنِّي وَالتَّرَجِّي وَالنِّدَاءِ لِغَيْرِهَا كَمَا سَيَأْتِي كُلُّ ذَلِكَ فِي الْإِنْشَاءِ.

    ج ٣ ص ١٣٦
  39. وَمِنْهَا التَّضْمِينُ وَهُوَ إِعْطَاءُ الشَّيْءِ مَعْنَى الشَّيْءِ وَيَكُونُ فِي الْحُرُوفِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ

    أَمَّا الْحُرُوفُ فَتَقَدَّمَ فِي حُرُوفِ الْجَرِّ وَغَيْرِهَا.

  40. وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَأَنْ يُضَمَّنَ فِعْلٌ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ مَعًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَأْتِيَ الْفِعْلُ مُتَعَدِّيًا بِحَرْفٍ لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ التَّعَدِّي بِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِهِ أَوْ تَأْوِيلِ الْحَرْفِ لِيَصِحَّ التَّعَدِّي بِهِ وَالْأَوَّلُ تَضْمِينُ الْفِعْلِ وَالثَّانِي تَضْمِينُ الْحَرْفِ

    وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَوْلَى فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَقَوْمٌ مِنَ النُّحَاةِ التَّوَسُّعُ فِي الْحَرْفِ وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ التَّوَسُّعُ فِي الْفِعْلِ لِأَنَّهُ فِي الْأَفْعَالِ أَكْثَرُ مِثَالُهُ {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} فَيَشْرَبُ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِمِنْ فَتَعْدِيَتُهُ بِالْبَاءِ إِمَّا عَلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى "يروي" و "يَلْتَذُّ" أَوْ تَضْمِينِ الْبَاءِ مَعْنَى "من" نحو {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَالرَّفَثُ لَا يَتَعَدَّى بِإِلَى إِلَّا عَلَى تَضَمُّنِ معنى الإفضاء {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}