النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب

١٧٧ فقرة، ج ٤ ص ١٧٩

الصفحة ٣ من ٥

  1. حَذْفُ فَاءِ الْجَوَابِ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ الْأَخْفَشُ: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ.}

    ج ٤ ص ٢١٢
  2. حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ كَثِيرٌ: {هَا أَنْتُمْ أُولاءِ ت} {يُوسُفُ أَعْرِضْ} {قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وَفِي الْعَجَائِبِ لِلْكَرْمَانِيِّ: كَثُرَ حَذْفُ "يَا" فِي الْقُرْآنِ مِنَ الرَّبِّ تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا لِأَنَّ فِي النِّدَاءِ طَرَفًا مِنَ الْأَمْرِ.

  3. حَذْفُ "قَدْ" فِي الْمَاضِي إِذَا وَقَعَ حَالًا نَحْوُ: {أوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ.}

  4. حَذْفُ "لَا" النَّافِيَةِ يَطَّرِدُ فِي جَوَابِ الْقَسَمِ إِذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ مضارعا نحو: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ} وَوَرَدَ فِي غَيْرِهِ نَحْوُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} أَيْ لِئَلَّا تَمِيدَ

    حَذْفُ لَامِ التَّوْطِئَةِ: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}

  5. حَذْفُ لَامِ الْأَمْرِ خَرَّجَ عَلَيْهِ {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا}

  6. أَيْ لِيُقِيمُوا حَذْفُ لَامِ "لَقَدْ" يَحْسُنُ مَعَ طُولِ الْكَلَامِ نَحْوُ: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} حَذْفُ نُونِ التَّوْكِيدِ خَرَّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} بِالنَّصْبِ

    حَذْفُ التَّنْوِينِ خَرَّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ} {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} بِالنَّصْبِ حَذْفُ نُونِ الْجَمْعِ خَرَّجَ عَلَيْهِ قِرَاءَةَ "وَمَا هُمْ بِضَارِّي بِهِ مِنْ أَحَدٍ"

    ج ٤ ص ٢١٣
  7. حَذْفُ حَرَكَةِ الْإِعْرَابِ وَالْبِنَاءِ وخرج عَلَيْهِ قِرَاءَةَ {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} وَ {يَأْمُرُكُمْ} {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ} بِسُكُونِ الثَّلَاثَةِ

    وَكَذَا {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} {فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا}

  8. أَمْثِلَةُ حَذْفِ أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ:
  9. حَذْفُ مُضَافَيْنِ {فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} أَيْ فَإِنَّ تَعْظِيمَهَا مِنْ أَفْعَالِ ذَوِي تَقْوَى الْقُلُوبِ {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} أَيْ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} أَيْ كَدَوَرَانِ عَيْنِ الَّذِي، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أَيْ بَدَلَ شُكْرِ رِزْقِكُمْ

  10. حَذْفُ ثَلَاثَةِ مُتَضَايِفَاتٍ:
  11. {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} أَيْ فَكَانَ مِقْدَارُ مَسَافَةِ قُرْبِهِ مِثْلَ قَابِ قَوْسَيْنِ فَحُذِفَ ثَلَاثَةٌ مِنِ اسْمِ كَانَ وَوَاحِدٌ مِنْ خَبَرِهَا

    حَذْفُ مَفْعُولَيْ بَابِ ظَنَّ، {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} أَيْ تَزْعُمُونَهُمْ شُرَكَائِي

    حَذْفُ الْجَارِ مَعَ الْمَجْرُورِ {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً} أي بسيء {وَآخَرَ سَيِّئاً} أَيْ بِصَالِحٍ

    حَذْفُ الْعَاطِفِ مَعَ الْمَعْطُوفِ تَقَدَّمَ

    حَذْفُ حَرْفِ الشَّرْطِ وَفِعْلِهِ يَطَّرِدُ بَعْدَ الطَّلَبِ نَحْوُ: {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أَيْ إِنِ اتَّبَعْتُمُونِي، {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} أَيْ إِنْ قُلْتُ لَهُمْ يُقِيمُوا وَجَعَلَ مِنْهُ الزَّمَخْشَرِيُّ {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} أَيْ إِنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَجَعَلَ مِنْهُ أَبُو حَيَّانَ {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِمَا أُنْزِلُ إِلَيْكُمْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ

    حَذْفُ جَوَابِ الشَّرْطِ {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ} أَيْ فَافْعَلْ، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أَيْ أَعْرَضُوا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، {أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ} أي تطيرتم، {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} أي لنفذ، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ} أَيْ لَرَأَيْتَ أَمْرًا فَظِيعًا،

    ج ٤ ص ٢١٥{وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} أَيْ لَعَذَّبَكُمْ {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} أَيْ لَأَبْدَتْ بِهِ {وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ} أَيْ لَسَلَّطَكُمْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ

    حَذْفُ جُمْلَةِ الْقَسَمِ {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً} أَيْ وَاللَّهِ حَذْفُ جَوَابِهِ {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً} الْآيَاتِ أَيْ لَتُبْعَثُنَّ، {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} أَيْ إِنَّهُ لِمُعْجِزٌ، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} أَيْ مَا الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا حَذْفُ جُمْلَةٍ مُسَبَّبَةٍ عَنِ الْمَذْكُورِ نَحْوُ: {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} أَيْ فَعَلَ مَا فَعَلَ

    حَذْفُ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ نَحْوُ: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} أَيْ فَأَرْسَلُونِي إِلَى يُوسُفَ لِأَسْتَعْبِرَهُ الرُّؤْيَا فَفَعَلُوا فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا يُوسُفُ.

  12. خَاتِمَةٌ

    تَارَةً لَا يُقَامُ شَيْءٌ مُقَامَ الْمَحْذُوفِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَارَةً يُقَامُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَحْوُ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} فَلَيْسَ الْإِبْلَاغُ هُوَ الْجَوَابُ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى تَوَلِّيهِمْ وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ: "فَإِنْ تَوَلَّوْا فَلَا لَوْمَ عَلَيَّ" أَوْ فَلَا عُذْرَ لَكُمْ لِأَنِّي أَبْلَغْتُكُمْ

    {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} أَيْ فَلَا تَحْزَنْ وَاصْبِرْ

    ج ٤ ص ٢١٦{وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} أَيْ يُصِيبُهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ.

  13. فصل: في نوعي الإطناب

    كَمَا انْقَسَمَ الْإِيجَازُ إِلَى إِيجَازِ قَصْرٍ وَإِيجَازِ حَذْفٍ كَذَلِكَ انْقَسَمَ الْإِطْنَابُ إِلَى بَسْطٍ وَزِيَادَةٍ.

  14. الإطناب بالبسط

    فَالْأَوَّلُ: الْإِطْنَابُ بِتَكْثِيرِ الْجُمَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الآية فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَطْنَبَ فِيهَا أَبْلَغَ الْإِطْنَابِ لِكَوْنِ الْخِطَابِ مَعَ الثَّقَلَيْنِ وَفِي كُلِّ عَصْرٍ وَحِينٍ لِلْعَالِمِ مِنْهُمْ وَالْجَاهِلِ وَالْمُوَافِقِ مِنْهُمْ وَالْمُنَافِقِ

    وَقَوْلِهِ {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} فَقَوْلُهُ: "وَيُؤْمِنُونَ بِهِ" إِطْنَابٌ لِأَنَّ إِيمَانَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَعْلُومٌ وَحَسَّنَهُ إِظْهَارُ شَرَفِ الْإِيمَانِ تَرْغِيبًا فِيهِ

    {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وَلَيْسَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُزَكٍّ، وَالنُّكْتَةُ الْحَثُّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَدَائِهَا وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْمَنْعِ حَيْثُ جُعِلَ مِنْ أوصاف المشركين

  15. الإطناب الزيادة
  16. وَالثَّانِي: يَكُونُ بِأَنْوَاعٍ:
  17. أَحَدُهَا: دُخُولُ حَرْفٍ فَأَكْثَرَ مِنْ حُرُوفٍ التَّأْكِيدِ السَّابِقَةِ فِي نَوْعِ الْأَدَوَاتِ وَهِيَ: إِنَّ وَأَنَّ وَلَامُ الِابْتِدَاءِ وَالْقَسَمِ وَأَلَا الاستفتاحية وأما وها التَّنْبِيهِ وَكَأَنَّ فِي تَأْكِيدِ التَّشْبِيهِ وَلَكِنَّ فِي تَأْكِيدِ الِاسْتِدْرَاكِ وَلَيْتَ فِي تَأْكِيدِ التَّمَنِّي وَلَعَلَّ فِي تَأْكِيدِ التَّرَجِّي وَضَمِيرُ الشَّأْنِ وَضَمِيرُ الْفَصْلِ وَأَمَّا فِي تَأْكِيدِ الشَّرْطِ وَقَدْ وَالسِّينُ وَسَوْفَ وَالنُّونَانِ فِي تَأْكِيدِ الْفِعْلِيَّةِ وَلَا التَّبْرِئَةِ وَلَنْ وَلَمَّا فِي تَأْكِيدِ النَّفْيِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ تَأْكِيدُ الْكَلَامِ بِهَا إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ بِهِ مُنْكِرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا

    وَيَتَفَاوَتُ التَّأْكِيدُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِنْكَارِ وَضَعْفِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ رُسُلِ عِيسَى إِذْ كَذَّبُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} فأكد بأن وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ

    وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} فأكد بالقسم وإن وَاللَّامِ وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ لِمُبَالَغَةِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْإِنْكَارِ حيث قالوا: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ}

  18. وَقَدْ يُؤَكَّدُ بِهَا وَالْمُخَاطَبُ بِهِ غَيْرُ مُنْكِرٍ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلَى مُقْتَضَى إِقْرَارِهِ فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ وَقَدْ يُتْرَكُ التَّأْكِيدُ وَهُوَ مَعَهُ مُنْكِرٌ لِأَنَّ مَعَهُ أَدِلَّةً ظَاهِرَةً لَوْ تَأَمَّلَهَا لَرَجَعَ عَنْ إِنْكَارِهِ وعلى ذلك يُخَرَّجُ قَوْلُهُ: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أَكَّدَ الْمَوْتَ تَأْكِيدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ لِتَنْزِيلِ الْمُخَاطِبِينَ لِتَمَادِيهِمْ فِي الْغَفْلَةِ تَنْزِيلَ مَنْ يُنْكِرُ الْمَوْتَ وَأَكَّدَ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ تَأْكِيدًا

    ج ٤ ص ٢١٨وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ أَشَدَّ نَكِيرًا لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ أَدِلَّتُهُ ظَاهِرَةً كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ لَا يُنْكَرَ فَنُزِّلَ الْمُخَاطَبُونَ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْمُنْكِرِ حَثًّا لَهُمْ عَلَى النَّظَرِ فِي أَدِلَّتِهِ الْوَاضِحَةِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لا رَيْبَ فِيهِ} نَفَى عَنْهُ الرِّيبَةَ بِ "لَا" عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِغْرَاقِ مَعَ أَنَّهُ ارْتَابَ فِيهِ الْمُرْتَابُونَ لَكِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ تَعْوِيلًا عَلَى مَا يُزِيلُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْبَاهِرَةِ كَمَا نُزِّلَ الْإِنْكَارُ مَنْزِلَةَ عَدَمِهِ لِذَلِكَ

    وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بُولِغَ فِي تَأْكِيدِ الْمَوْتِ تَنْبِيهًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ تَرَقُّبِهِ فَإِنَّ مَآلَهُ إليه فكأنه أُكِّدَتْ جُمْلَتُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِهَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِيهَا غَايَةَ السَّعْيِ حَتَّى كَأَنَّهُ يَخْلُدُ وَلَمْ يُؤَكِّدْ جُمْلَةَ الْبَعْثِ إلا بإذ ن لِأَنَّهُ أُبْرِزَ فِي صُورَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ فِيهِ نِزَاعٌ وَلَا يَقْبَلُ إِنْكَارًا

    وَقَالَ التَّاجُ بْنُ الْفِرْكَاحِ: أَكَّدَ الْمَوْتَ رَدًّا عَلَى الدَّهْرِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِبَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَأْكِيدِ الْبَعْثِ هُنَا لِتَأْكِيدِهِ وَالرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِهِ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا كَانَ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ اسْتَغْنَى عَنْ إِعَادَةِ اللَّامِ لِذِكْرِهَا فِي الْأَوَّلِ

    وَقَدْ يؤكد بها- أي اللام- لِلْمُسْتَشْرِفِ الطَّالِبِ الَّذِي قُدِّمَ لَهُ مَا يُلَوِّحُ بِالْخَبَرِ فَاسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ نَحْوُ: {وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} أَيْ لَا تَدْعُنِي يَا نُوحُ فِي شَأْنِ قَوْمِكَ فَهَذَا الْكَلَامُ يُلَوِّحُ بِالْخَبَرِ تَلْوِيحًا،

    ج ٤ ص ٢١٩وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فَصَارَ الْمَقَامُ مَقَامَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْمُخَاطَبُ فِي أَنَّهُمْ: هَلْ صَارُوا مَحْكُومًا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أَوْ لَا؟ فَقِيلَ: إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بِالتَّأْكِيدِ

    وكذا قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّقْوَى وَظُهُورُ ثَمَرَتِهَا وَالْعُقَابُ عَلَى تَرْكِهَا مَحَلُّهُ الْآخِرَةُ تَشَوَّقَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَى وَصْفِ حَالِ السَّاعَةِ فَقَالَ: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} بالتأكيد ليقرر عَلَيْهِ الْوُجُوبُ

    وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} فِيهِ تَحْيِيرٌ لِلْمُخَاطَبِ وَتَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ كَيْفَ لا يبريء نفسه وهي برئية زَكِيَّةٌ ثَبَتَتْ عِصْمَتُهَا وَعَدَمُ مُوَاقَعَتِهَا السُّوءَ فَأَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ}

  19. وَقَدْ يُؤَكَّدُ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ نَحْوُ: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أَكَّدَ بِأَرْبَعِ تَأْكِيدَاتٍ تَرْغِيبًا لِلْعِبَادِ فِي التَّوْبَةِ

    وقد سبق الكلام عَلَى أَدَوَاتِ التَّأْكِيدِ الْمَذْكُورَةِ وَمَعَانِيهَا وَمَوَاقِعِهَا فِي النَّوْعِ الْأَرْبَعِينِ.

  20. فَائِدَةٌ

    إِذَا اجْتَمَعَتْ إِنَّ وَاللَّامُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْجُمْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِأَنَّ "إِنَّ" أَفَادَتِ التَّكْرِيرَ مَرَّتَيْنِ فَإِذَا دَخَلَتِ اللَّامُ صَارَتْ ثَلَاثًا، وَعَنِ الْكِسَائِيِّ، أَنَّ اللَّامَ لِتَوْكِيدِ الْخَبَرِ وَإِنَّ لِتَوْكِيدِ الِاسْمِ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّ التَّوْكِيدَ لِلنِّسْبَةِ لَا لِلِاسْمِ وَلَا لِلْخَبَرِ وَكَذَلِكَ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْفِعْلِ ثَلَاثًا وَالْخَفِيفَةُ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ سِيبَوَيْهِ فِي نحو "يأيها" :

    ج ٤ ص ٢٢٠الْأَلِفُ وَالْهَاءُ لَحِقَتَا أَيًّا تَوْكِيدًا فَكَأَنَّكَ كَرَّرْتَ "يَا" مَرَّتَيْنِ وَصَارَ الِاسْمُ تَنْبِيهًا هَذَا كَلَامُهُ وَتَابَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

  21. فَائِدَةٌ

    قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ لَيْسَتِ اللَّامُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ فَإِنَّهُ مُنْكِرٌ فَكَيْفَ يُحَقِّقُ مَا ينكره وَإِنَّمَا قَالَهُ حِكَايَةً لِكَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّادِرِ منه بأداة التَّأْكِيدِ فَحَكَاهُ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ

    النَّوْعُ الثَّانِي- دُخُولُ الْأَحْرُفِ الزَّائِدَةِ

    قَالَ ابْنُ جِنِّي: كُلُّ حَرْفٍ زِيدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ إِعَادَةِ الْجُمْلَةِ مَرَّةً أُخْرَى

    وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِي كَشَّافِهِ الْقَدِيمِ: الْبَاءُ فِي خَبَرِ مَا وَلَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَمَا أَنَّ اللَّامَ لِتَأْكِيدِ الْإِيجَابِ وَسُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنِ التَّأْكِيدِ بِالْحَرْفِ وَمَا مَعْنَاهُ إِذْ إِسْقَاطُهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى فَقَالَ هَذَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الطِّبَاعِ يَجِدُونَ مِنْ زِيَادَةِ الْحَرْفِ مَعْنًى لَا يَجِدُونَهُ بِإِسْقَاطِهِ قَالَ: وَنَظِيرُهُ الْعَارِفُ بِوَزْنِ الشِّعْرِ طَبْعًا إِذَا تَغَيَّرَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ بِنَقْصٍ أَنْكَرَهُ وَقَالَ: أَجِدُ نَفْسِي عَلَى خِلَافِ مَا أَجِدُهَا بِإِقَامَةِ الْوَزْنِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ تَتَغَيَّرُ نَفْسُ الْمَطْبُوعِ بِنُقْصَانِهَا وَيَجِدُ نَفْسَهُ بِزِيَادَتِهَا عَلَى مَعْنًى بِخِلَافِ مَا يَجِدُهَا بِنُقْصَانِهِ

    ثُمَّ بَابُ الزِّيَادَةِ فِي الْحُرُوفِ وَزِيَادَةُ الْأَفْعَالِ قَلِيلٌ وَالْأَسْمَاءُ أقل

    ج ٤ ص ٢٢١أما الحروف فيزداد مِنْهَا إِنْ وَأَنْ وَإِذْ وَإِذَا وَإِلَى وَأَمْ وَالْبَاءُ وَالْفَاءُ وَفِي وَالْكَافُ وَاللَّامُ وَلَا وَمَا وَمِنْ وَالْوَاوُ وَتَقَدَّمَتْ فِي نَوْعِ الْأَدَوَاتِ مَشْرُوحَةً

    وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَزِيدَ مِنْهَا كَانَ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} وَأَصْبَحَ وَخَرَّجَ عَلَيْهِ: {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} وَقَالَ الرُّمَّانِيُّ: الْعَادَةُ أَنَّ مَنْ بِهِ عِلَّةٌ تُزَادُ بِاللَّيْلِ أَنْ يَرْجُوَ الْفَرَجَ عِنْدَ الصَّبَاحِ فَاسْتَعْمَلَ "أَصْبَحَ" لِأَنَّ الْخُسْرَانَ حَصَلَ لَهُمْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَرْجُونَ فِيهِ الْفَرَجَ فَلَيْسَتْ زَائِدَةً

    وَأَمَّا الْأَسْمَاءُ فَنَصَّ أَكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُزَادُ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِالزِّيَادَةِ فِي مَوَاضِعَ كَلَفْظِ "مِثْلِ" فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} أَيْ بِمَا

  22. النَّوْعُ الثَّالِثُ: التَّأْكِيدُ الصِّنَاعِيُّ
  23. وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
  24. أَحَدُهَا: التَّوْكِيدُ الْمَعْنَوِيُّ بِكُلٍّ وَأَجْمَعَ وَكِلَا وَكِلْتَا نَحْوُ: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ وَعَدَمِ الشُّمُولِ وَادَّعَى الْفَرَّاءُ أَنَّ "كُلُّهُمْ" أَفَادَتْ ذَلِكَ وَ "أَجْمَعُونَ" أَفَادَتِ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى السُّجُودِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْجُدُوا مُتَفَرِّقِينَ.

  25. ثَانِيهَا: التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ وَهُوَ تَكْرَارُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ إِمَّا بمرادفه نحو: {ضَيِّقاً

    ج ٤ ص ٢٢٢حَرَجاً} بِكَسْرِ الرَّاءِ وَ: {وَغَرَابِيبُ سُودٌ} وجعل منه الصفار في: {فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ} عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كِلَيْهِمَا لِلنَّفْيِ وَجَعَلَ مِنْهُ غَيْرُهُ {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً} فوراء هنا ليس ظرفا لأن لفظ "ارْجِعُوا" يُنْبِئُ عَنْهُ بَلْ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى "ارْجِعُوا" فَكَأَنَّهُ قَالَ ارْجِعُوا ارْجِعُوا

    وَإِمَّا بِلَفْظِهِ وَيَكُونُ فِي الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ وَالْجُمْلَةِ فالاسم والجملة نحو: {قَوَارِيرَ قَوَارِيرَ} {دَكّاً دَكّاً} والفعل {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ} وَاسْمُ الْفِعْلِ نَحْوُ: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} وَالْحَرْفُ نَحْوُ: {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ} وَالْجُمْلَةُ نَحْوُ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} وَالْأَحْسَنُ اقْتِرَانُ الثَّانِيَةِ بِثُمَّ نَحْوُ: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ} {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ تَأْكِيدُ الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُنْفَصِلِ نَحْوُ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ} {وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ} ومن تَأْكِيدُ الْمُنْفَصِلِ بِمِثْلِهِ {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ.}

  26. ثَالِثُهَا: تَأْكِيدُ الْفِعْلِ بِمَصْدَرِهِ وَهُوَ عِوَضٌ مِنْ تَكْرَارِ الْفِعْلِ مَرَّتَيْنِ وَفَائِدَتُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الفعل بخلاف التوكيد السابق فإن لِرَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَذَا فَرَّقَ بِهِ ابْنُ عُصْفُورٍ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي دَعْوَاهُ نَفْيَ التَّكْلِيمِ حَقِيقَةً بِقَوْلِهِ: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} لِأَنَّ التَّوْكِيدَ رَفَعَ الْمَجَازَ فِي الْفِعْلِ، وَمِنْ أمثلته {وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً} {جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً}

    ج ٤ ص ٢٢٣
  27. وليس منه: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} بَلْ هُوَ جَمْعُ "ظَنٍّ" لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَأَمَّا: {إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً} فتحتمل أَنْ يَكُونَ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالشَّأْنِ

    وَالْأَصْلُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنْ يُنْعَتَ بِالْوَصْفِ الْمُرَادِ نَحْوُ: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} وَقَدْ يُضَافُ وَصْفُهُ إِلَيْهِ نَحْوُ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وَقَدْ يُؤَكَّدُ بِمَصْدَرِ فِعْلٍ آخَرَ أَوِ اسْمِ عَيْنٍ نِيَابَةً عَنِ الْمَصْدَرِ نَحْوُ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} "مصدر" والتبتيل المصدر "بتل" ، {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} أَيْ إِنْبَاتًا إِذِ النَّبَاتُ اسْمُ عين. وَقَدْ يُضَافُ وَصْفُهُ إِلَيْهِ نَحْوُ: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وَقَدْ يُؤَكَّدُ بِمَصْدَرِ فِعْلٍ آخَرَ أَوِ اسْمِ عَيْنٍ نِيَابَةً عَنِ الْمَصْدَرِ نَحْوُ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} "مصدر" والتبتيل المصدر "بتل" ، {وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً} أَيْ إِنْبَاتًا إِذِ النَّبَاتُ اسْمُ عَيْنٍ.

  28. رَابِعُهَا: الْحَالُ الْمُؤَكِّدَةُ نَحْوُ: {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ}

    ج ٤ ص ٢٢٤
  29. وليس منه: {وَلَّى مُدْبِراً} لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ قَدْ لَا تَكُونُ إِدْبَارًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ولا: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً} لِأَنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ لَا يَكُونُ ضَحِكًا وَلَا {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً} لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ إِذْ كَوْنُهُ حَقًّا فِي نَفْسِهِ غَيْرُ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِمَا قَبْلَهُ

    النَّوْعُ الرَّابِعُ- التَّكْرِيرُ

    وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ التَّأْكِيدِ وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْفَصَاحَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ مَنْ غَلِطَ

  30. وَلَهُ فَوَائِدُ:
  31. مِنْهَا التَّقْرِيرُ وَقَدْ قِيلَ: الْكَلَامُ إِذَا تَكَرَّرَ تَقَرَّرَ وَقَدْ نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ كَرَّرَ الْأَقَاصِيصَ وَالْإِنْذَارَ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً.}

  32. وَمِنْهَا التَّأْكِيدُ

    وَمِنْهَا زِيَادَةُ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا يَنْفِي التُّهْمَةَ لِيَكْمُلَ تَلَقِّي الْكَلَامِ بِالْقَبُولِ وَمِنْهُ:

    ج ٤ ص ٢٢٥{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ} فَإِنَّهُ كَرَّرَ فِيهِ النِّدَاءَ لِذَلِكَ

    وَمِنْهَا إِذَا طَالَ الْكَلَامُ وَخُشِيَ تناسى الأول أعيد ثانيا تَطْرِيَةً لَهُ وَتَجْدِيدًا لِعَهْدِهِ وَمِنْهُ: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ} وَمِنْهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّهْوِيلُ نَحْوُ: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ} {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ} {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}

  33. فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا النَّوْعُ أَحَدُ أَقْسَامِ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ مِنْهَا التَّأْكِيدَ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ فَلَا يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا مُسْتَقِلًّا قُلْتُ: هُوَ يُجَامِعُهُ وَيُفَارِقُهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَيَنْقُصُ عَنْهُ فَصَارَ أَصْلًا بِرَأْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ التَّأْكِيدُ تَكْرَارًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَمْثِلَتِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ تَكْرَارًا كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ التَّكْرِيرُ غَيْرَ تَأْكِيدٍ صِنَاعَةً وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ مَعْنًى

    ج ٤ ص ٢٢٦وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُكَرَّرَيْنِ فَإِنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُؤَكَّدِهِ نَحْوُ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ} {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} فَالْآيَتَانِ مِنْ بَابِ التَّكْرِيرِ لَا التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ الصِّنَاعِيِّ وَمِنْهُ الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي التَّكْرِيرِ لِلطُّولِ

    وَمِنْهُ مَا كَانَ لِتَعَدُّدِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُكَرَّرُ ثَانِيًا مُتَعَلِّقًا بِغَيْرِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَوَّلُ وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى بِالتَّرْدِيدِ كَقَوْلِهِ: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} وَقَعَ فِيهَا التَّرْدِيدُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ

    وَجُعِلَ مِنْهُ قَوْلُهُ: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} فَإِنَّهَا وَإِنْ تَكَرَّرَتْ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً فَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهَا وَلِذَلِكَ زَادَتْ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَلَوْ كَانَ الْجَمِيعُ عَائِدًا إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لَمَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَزِيدُ عليها. قاله ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ

    وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا لَيْسَ بِنِعْمَةٍ فَذِكْرُ النِّقْمَةِ لِلتَّحْذِيرِ نِعْمَةٌ وَقَدْ سُئِلَ أَيُّ نِعْمَةٍ فِي قَوْلِهِ: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} فَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أَحْسَنُهَا النَّقْلُ مِنْ دَارِ الْهُمُومِ إِلَى دَارِ السُّرُورِ وَإِرَاحَةُ الْمُؤْمِنِ وَالْبَارِّ مِنَ الْفَاجِرِ

    وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} فِي سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ قَصَصًا مُخْتَلِفَةً وَأَتْبَعَ كُلَّ قِصَّةٍ بِهَذَا الْقَوْلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عقب كل قصة: طويل يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ"

  34. وَكَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} كُرِّرَتْ ثَمَانِي مَرَّاتٍ كُلُّ مَرَّةٍ عَقِبَ كُلِّ قِصَّةٍ فَالْإِشَارَةُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ بِذَلِكَ إِلَى قِصَّةِ النَّبِيِّ الْمَذْكُورِ قَبْلَهَا وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ

    وَبِقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْأَقَلَّ مَنْ قَوْمِهِ آمَنُوا أَتَى بِوَصْفِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْعِزَّةَ عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ منهم وَالرَّحْمَةَ لِمَنْ آمَنَ

    وَكَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ القمر: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.}

    ج ٤ ص ٢٢٧
  35. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَرَّرَ ليجددوا عِنْدَ سَمَاعِ كُلِّ نَبَإٍ مِنْهَا اتِّعَاظًا وَتَنْبِيهًا وَأَنَّ كُلًّا مِنْ تِلْكَ الْأَنْبَاءِ مُسْتَحِقٌّ لِاعْتِبَارٍ يَخْتَصُّ بِهِ وَأَنْ يَتَنَبَّهُوا كَيْلَا يَغْلِبَهُمُ السُّرُورُ وَالْغَفْلَةُ

    قَالَ فِي عَرُوسِ الْأَفْرَاحِ: فَإِنْ قُلْتَ إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِكُلِّ مَا قَبْلَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِطْنَابٍ بَلْ هِيَ أَلْفَاظٌ كُلٌّ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا أُرِيدَ بِالْآخَرِ قُلْتُ: إِذَا قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَكُلُّ وَاحِدٍ أُرِيدَ بِهِ مَا أُرِيدَ بِالْآخَرِ وَلَكِنْ كُرِّرَ لِيَكُونَ نَصًّا فِيمَا يَلِيهِ وَظَاهِرًا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ قُلْتَ يَلْزَمُ التَّأْكِيدُ قُلْتُ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يُزَادُ بِهِ عَنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ ذَاكَ فِي التَّأْكِيدِ الَّذِي هو تابع وأما ذِكْرُ الشَّيْءِ فِي مَقَامَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا يَمْتَنِعُ انْتَهَى.

  36. وَيَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً} ،

    ج ٤ ص ٢٢٨{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} قَالَ فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ تَكْرَارِ قَوْلِهِ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فِي آيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي أَثَرِ الْأُخْرَى قُلْنَا لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ عَمَّا في السموات والأرض وذلك أن الْخَبَرَ عَنْهُ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ ذِكْرُ حَاجَتِهِ إِلَى بَارِئِهِ وَغِنَى بَارِئِهِ عَنْهُ وَفِي الْأُخْرَى حِفْظُ بَارِئِهِ إِيَّاهُ وَعِلْمُهُ بِهِ وَبِتَدْبِيرِهِ قَالَ فَإِنْ قِيلَ أَفَلَا قِيلَ: "وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا" قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَصْلُحُ أَنْ تُخْتَتَمَ بِوَصْفِهِ مَعَهُ بِالْحِفْظِ وَالتَّدْبِيرِ انْتَهَى.

    وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} قَالَ الرَّاغِبُ: الْكِتَابُ الْأَوَّلُ مَا كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمُ المذكور فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} والكتاب الثاني التوراة والثالث الجنس كُتُبِ اللَّهِ كُلِّهَا أَيْ مَا هُوَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ

    وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا يُظَنُّ تَكْرَارًا وَلَيْسَ مِنْهُ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} إِلَى آخِرِهَا فَإِنَّ "لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ" أَيْ فِي الْحَالِ "مَا أَعْبُدُ" فِي الْمُسْتَقْبَلِ "وَلَا أَنَا عَابِدٌ" أَيْ فِي الْحَالِ مَا عَبَدْتُمْ فِي الْمَاضِي "وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ" أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "مَا أَعْبُدُ" أَيْ فِي الْحَالِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ عِبَادَتِهِ لِآلِهَتِهِمْ فِي الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ

    وكذاك {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} ثُمَّ قَالَ {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} ثُمَّ قَالَ

    ج ٤ ص ٢٢٩{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} فَإِنَّ الْمُرَادَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ غَيْرُ الْمُرَادِ بِالْآخَرِ:

    فَالْأَوَّلُ: الذِّكْرُ فِي مُزْدَلِفَةٍ عِنْدَ الْوُقُوفِ بِقُزَحَ وَقَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} إِشَارَةٌ إِلَى تَكَرُّرِهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ بِدَلِيلِ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ} وَالذِّكْرُ الثَّالِثُ إِشَارَةٌ إِلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالذِّكْرُ الْأَخِيرُ لِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ

    وَمِنْهُ تَكْرِيرُ حَرْفِ الْإِضْرَابِ فِي قَوْلِهِ: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} وَقَوْلُهُ: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} وَمِنْهُ قَوْلُهُ: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ثُمَّ قَالَ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} فَكَرَّرَ الثَّانِي لِيَعُمَّ كُلَّ مُطَلَّقَةٍ فَإِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمُسِيسِ خَاصَّةً وَقِيلَ لِأَنَّ الْأُولَى لَا تُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِنْ شِئْتُ أَحْسَنْتُ وَإِنْ شِئْتُ فَلَا فَنَزَلَتِ الثَّانِيَةُ أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

  37. وَمِنْ ذَلِكَ تَكْرِيرُ الْأَمْثَالِ كَقَوْلِهِ: {وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ}

  38. وَكَذَلِكَ ضَرَبَ مَثَلَ الْمُنَافِقِينَ أَوَّلَ الْبَقَرَةِ بِالْمُسْتَوْقِدِ نَارًا ثُمَّ ضَرَبَهُ بِأَصْحَابِ الصَّيِّبِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَالثَّانِي أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى فَرْطِ

    ج ٤ ص ٢٣٠الْحَيْرَةِ وَشِدَّةِ الْأَمْرِ وَفَظَاعَتِهِ قَالَ ولذلك أخر وهم يَتَدَرَّجُونَ فِي نَحْوِ هَذَا مِنَ الْأَهْوَنِ إِلَى الْأَغْلَظِ

    وَمِنْ ذَلِكَ تَكْرِيرُ الْقِصَصِ كَقِصَّةِ آدَمَ وَمُوسَى وَنُوحٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ ذَكَرَ اللَّهُ مُوسَى فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا مِنْ كِتَابِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَوَاصِمِ: ذَكَرَ اللَّهُ قِصَّةَ نُوحٍ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ آيَةً وَقِصَّةَ مُوسَى فِي تِسْعِينَ آيَةً

    وَقَدْ أَلَّفَ الْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةَ كِتَابًا سَمَّاهُ الْمُقْتَنَصُ فِي فَوَائِدِ تَكْرَارِ الْقَصَصِ وَذَكَرَ فِي تَكْرِيرِ الْقَصَصِ فَوَائِدُ:

    مِنْهَا أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ زِيَادَةَ شَيْءٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ إِبْدَالَ كَلِمَةٍ بِأُخْرَى لِنُكْتَةٍ وَهَذِهِ عَادَةُ الْبُلَغَاءِ.

  39. وَمِنْهَا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَسْمَعُ الْقِصَّةَ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ يُهَاجِرُ بَعْدَهُ آخَرُونَ يَحْكُونَ مَا نَزَلْ بَعْدَ صُدُورِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فَلَوْلَا تَكْرَارُ الْقِصَصِ لَوَقَعَتْ قِصَّةُ مُوسَى إِلَى قَوْمٍ وَقِصَّةُ عِيسَى إِلَى قوم آخَرِينَ وَكَذَا سَائِرُ الْقَصَصِ فَأَرَادَ اللَّهُ اشْتِرَاكَ الْجَمِيعِ فِيهَا فَيَكُونُ فِيهِ إِفَادَةٌ لِقَوْمٍ وَزِيَادَةُ تَأْكِيدٍ لِآخَرِينَ.

  40. وَمِنْهَا أَنَّ فِي إِبْرَازِ الْكَلَامِ الْوَاحِدِ فِي فُنُونٍ كَثِيرَةٍ وَأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ مَا لَا يَخْفَى مِنَ الْفَصَاحَةِ.