المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدى في الحل أو الحرم
٢١ فقرة، ج ١ ص ٢٣٦
- ج ١ ص ٢٣٦
...
-
المبحث الرابع: هل نحر المسلمون الهدي في الحل أو في الحرم؟
-
صرحت بعض الروايات بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا الهدي بالحديبية، لكن الحديبية منها ما هو في الحل، ومنها ما هو من الحرم، وقد ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نازلاً في الحل، وأفادت بعض الروايات أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه، وقد جاء في حديث ناجية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله بالهدي فنحره في الحرم، وسوف أسرد النصوص مرتبة على هذا النحو، مع مناقشتها وبيان ما ترجح لي في ذلك إن شاء الله٠
ج ١ ص ٢٣٧قال البخاري: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ... " ١.
وقال مسلم: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا خالد بن الحارث حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} إلى قوله: {فَوْزًا عَظِيمًا} ، مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية، فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً" ٢.
وأخرجه البيهقي من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس ثم ذكر الحديث وفيه: "وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد خالطوا الحزن والكآبة، حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم ... " ٣.
-
وقد جاء في حديث المسور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نازلاً في الحل:
(١٤٦) قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود٤، حدثنا سفيان٥ بن بشر الكوفي، قال: حدثنا يحيى٦ بن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم" ٧.
- (٤)هو: أبو إسحاق بن أبي داود سليمان بن داود البُرلُّسي، الأسدي، وعنه أحمد بن محمد بن سلامة أبو جعفر الطحاوي، وكان حافظاً ثقة، مات بمصر سنة اثنتين وسبعين ومائتين، ويعرف بابن أبي داود. وذكره ابن يونس وقال: كان ثقة من حفاظ الحديث. معجم البلدان ١/٤٠٢.
- (٥)سفيان بن بشر الكوفي، ابن أيمن بن غالب الأسدي، أبو الحسن الكوفي عن شريك وعنه ابن أبي داود، قال ابن يونس في الغرباء قدم مصر وحدث بها، وتوفي بمصر في شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين. مباني الأخبار، لوحة: ٢٢٣.
- (٦)يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون المهملة - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة: ع. تقريب: ٣٧٥.
-
وهذا الحديث حسن رجال سنده ثقات غير سفيان بن بشر ترجم له العيني ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، لكن صحح له ابن الجوزي حديثاً تفرد بوصله وقال: ما علمنا أحداً طعن في سفيان بن بشر٨، وفي السند أيضاً ابن إسحاق لم يصرح بالسماع،
ج ١ ص ٢٣٨ولكن ورد هذا اللفظ في حديث المسور ومروان الطويل عند الإمام أحمد١ والبيهقي، وصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ونصه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم" ٢.
- (٨)التعليق المغني على الدارقطني ٢/١٩٤، مع سنن الدارقطني.
- (١)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الصلح: ١٧٠١، وتقدم برقم (٨) .
- (٢)صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٩٧، وسيأتي تخريجه حديث رقم (١٥٥) .
- (٣)السنن الكبرى ٥/٢١٧.
- (٧)شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢.
- (١)مسند أحمد ٤/٣٢٦.
-
وقد ورد عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نازلاً في الحرم:
(١٤٧) ففي مصنف ابن أبي شيبة ثنا أبو أسامة٣ عن عطاء: "أن منزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية في الحرم" ٤.
- (٣)هو: حماد بن سلمة.
-
لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل، فلا يقوى على معارضة الحديث السابق.
-
وإذا تقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نازلاً في الحل، فقد ورد في بعض النصوص أنه نحر الهدي في المكان الذي نزل فيه:
جاء في حديث أنس السابق من طريق الحكم بن عبد الملك عند البيهقي "أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحوا هديهم في أمكنتهم" .
-
وهذا يقيد ما أطلق من طريق ابن أبي عروبة، فيكون المقصود بالحديبية منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها وهو في الحل، والله أعلم.
- ويدل لذلك أيضاً أثر مجاهد عند البيهقي:
-
(١٤٨) قال: حدثنا أبو عبد الله٥ الحافظ وأبو بكر أحمد٦ بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد٧ بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن عمر٨ بن ذر عن مجاهد قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلها في ذي القعدة منها العمرة التي صد فيها الهدي، فراسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة فصالحوه على
ج ١ ص ٢٣٩أن يرجع عنهم في عامه ذلك، قال: فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي بالحديبية، حيث حلّ عند الشجرة وانصرف١.
- (٥)هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري.
- (٦)أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي، حدث عن أحمد بن منصور الرمادي، ومحمد بن إسحاق الصنعاني، روى عنه أحمد بن الفرج بن الحجاج، وذكر ابن الثلاج أنه سمع منه في سنة خمس وعشرين وثلثمائة. تاريخ بغداد ٤/٩٠.
- (٧)محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم أبو العباس الأصم، وكان يكره أن يقال له الأصم، قال الحاكم وهو محدث عصره بلا مدافعة، وقال: حدث في الإسلام ستاً وسبعين سنة، لم يختلف في صدقه وصحة سماعه ووصفه الذهبي بالإمام المفيد الثقة محدث المشرق. تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠.
- (٨)عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني - بالسكون - المرهبي، أبو ذر الكوفي ثقة، رمي بالإرجاء، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقيل غير ذلك: خ، د، ت، س، فق، التقريب: ٢٥٣.
- (٢)السنن الكبرى ٥/٢١٥.
- (٤)الجوهر النقي ٥/٢١٧ مع السنن الكبرى للبيهقي.
- (١)السنن الكبرى ٥/٣١٧.
-
وهذا الأثر مرسل، لكن يشهد له الحديث السابق.
-
وقد أشار إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر الهدي في الحل، أثر مجمع بن يعقوب عن أبيه عن ابن سعد:
(١٤٩) قال: حدثنا إسماعيل٢ بن عبد الله بن أبي أويس عن مجمع ابن يعقوب عن أبيه٣ أنه قال: لما صدر٤ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث الله ريحاً عاصفاً٥ فاحتملت أشعارهم فألفتها في الحرم٦.
- (٢)إسماعيل بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أبي أويس أخطأ في أحاديث من حفظه، مات سنة ست وعشرين ومائتين: خ، م، د، ت، ق. تقريب: ٣٤.
- (٣)هو: يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري المدني، مقبول من الرابعة. د. تقريب: ٣٨٧، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين. الثقات ٧/٦٤٢.
- (٤)صدر: الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده. النهاية ٣/١٥.
- (٦)الطبقات الكبرى ٢/١٠٤.
-
هذا الأثر بهذا الإسناد ضعيف، لأنه مرسل، فوالد مجمع بن يعقوب يحكي قصة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهدها ولم يذكر من حدثه بها، لكن تشهد لهذا الأثر في المعنى الروايات السابقة، فمضمونها أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في المكان الذي نزل فيه، وكان منزله في الحل على الصحيح، والله أعلم.
-
وذكر الشافعي أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر في الحل؛ لأن الله تعالى يقول: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} ، والحرم كله محله عند أهل العلم٧.
- (٧)الأم ٢/١٥٩.
-
وقد أخرج النسائي حديثاً لناجية بن جندب يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله بالهدي فنحره في الحرم.
-
(١٥٠) قال: أخبرنا أحمد٨ بن سليمان قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال:
ج ١ ص ٢٤٠أنا إسرائيل١ عن مجزأة٢ قال: حدثني ناجية بن جندب الأسلمي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين صد الهدي فقال: يا رسول الله ابعث به معي فأنا أنحره في الحرم، قال: وكيف؟ قال: آخذ به في أودية لا يقدر عليه، قال: فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فانطلق به حتى نحره في الحرم٣.
- (٨)أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، ثقة حافظ، مات سنة إحدى وستين ومائتين: س. تقريب: ١٣.
- (٥)ريح عاصف: شديد الهبوب. النهاية ٣/٢٤٨.
- (١)هو: ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي.
- (٢)مجزأة - بفتح أوله وسكون الجيم وفتح الزاي بعدها همزة مفتوحة - ابن زاهر الأسلمي الكوفي ثقة، من الرابعة: خ، م، س. تقريب: ٣٢٩.
- (٣)السنن الكبرى للنسائي، لوحة: ٥٤.
-
وأخرجه أبو نعيم٤ من طريق عمرو بن محمد العنقري عن إسرائيل به نحوه.
- (٤)معرفة الصحابة ٢/ لوحة: ٢٢٤.
-
وأخرجه الطحاوي من طريق مخول٥ بن راشد به قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم حين صد الهدي فقلت: يا رسول الله ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف تأخذ به؟ قلت: آخذ به في أودية لا يقدرون علي فيها، فبعثه معي حتى نحرته في الحرم٦.
- (٥)مخول - بوزن محمد - وقيل بكسر أوله وتخفيف الواو - ابن راشد أبو راشد بن أبي مجالد النهدي الكوفي الحناط - بمهملة ونون - ثقة، نسب إلى التشيع، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ٣٣١.
- (٦)شرح معاني الآثار ٢/٢٤٢.
-
سند هذا الحديث صحيح فرجاله رجال الصحيحين، ما عدا شيخ النسائي أحمد بن سليمان وقال عنه ابن حجر: ثقة حافظ.
-
وهذا الحديث يشهد للروايات السابقة من وجه ويخالفها من وجه:
فمفهوم الحديث يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نازلاً في الحل، وهذا يؤيد الروايات السابقة، ومنطوق الحديث يفيد أنهم نحروا الهدي في الحرم، وهذا يخالف الروايات السابقة ظاهراً، لكن يجمع بينها بأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث مع ناجية بعض الهدي لا كله، وظاهر كلام٧ ابن حجر على هذا الجمع ويؤيده أيضاً ما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث من هديه بعشرين بدنة، عند المروة مع رجل من أسلم٨.
- (٧)فتح الباري ٤/١١.
- (٨)ذكره الواقدي، المغازي ٢/٦١٥، وذكره الزرقاني وعزاه لابن سعد دون إسناد، شرح الزرقاني على المواهب ٢/٢٠٩، ولم أجده في طبقات ابن سعد.