المبحث الثاني: نزول سورة الفتح

٤٠ فقرة، ج ١ ص ٢٤٨

  1. انصرف المسلمون من الحديبية وفي نفوسهم ما فيها بسبب صد قريش لهم عن البيت، وقد علم الله ذلك منهم - وهو العليم بالسر وأخفى - فأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة الفتح يبشرهم فيها بأنهم لم يخسروا سفرتهم تلك، وأن ذلك الصلح كان فتحاً، وأنهم قد انقلبوا بمغفرة من الله ورضوان، وذلك أسمى ما تصبو إليه نفوسهم، فيالها من بشارة!

    ج ١ ص ٢٤٨
  2. (١٥٣) قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره - وعمر بن الخطاب يسير

    ج ١ ص ٢٤٩معه ليلاً - فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فلم يجبه، وقال عمر بن الخطاب: "ثكلتك أمك يا عمر، نزرت١ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك" ، قال عمر: "فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت٢ أن سمعت صارخاً يصرخ بي" قال: "فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، وجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه" فقال: "لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ٣.٤

    وأخرجه من طريق محمد٥ بن مسلمة القعنبي وإسماعيل٦ بن أبي أويس كلاهما عن مالك به مثله وتكرر عندهما لفظ: "ثم سأله فلم يجبه " مرتين.

    1. (١)نزرت: ألححت عليه. النهاية ٥/٤٠.
    2. (٢)نشبت: أي لبثت. النهاية ٥/٥٢.
    3. (٥)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٨٣٣.
    4. (٦)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٥٠١٢.
  3. هذا الحديث ظاهره الإرسال، وهو مما انتقده الدارقطني على البخاري، وقد أجاب عنه ابن حجر فقال: "بل ظاهر رواية البخاري الوصل، فإن أوله وإن كان صورته صورة المرسل فإن بعده ما يصرح بأن الحديث لأسلم عن عمر ففيه بعد " قوله: " فسأله عمر عن شيء فلم يجبه "، فقال عمر: " نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك "، قال عمر: " فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، وساق الحديث على هذه الصورة حاكياً لمعظم القصة عن عمر فكيف يكون مرسلاً، هذا من العجب٧، والله أعلم.

    قلت: وقد جاء الحديث من طرق أخرى لغير البخاري يصرح فيها أسلم بأخذه هذا الحديث عن عمر: فأخرجه الترمذي من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك به، وفيه: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ... " ٨.

    1. (٧)هدي الساري ٣/٣٧.
    2. (٣)سورة الفتح الآية: ١.
    3. (٤)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٧.
    4. (٨)سنن الترمذي، كتاب التفسير: ٣٢٦٢.
  4. وأخرجه البزار١ من طريق ابن عثمة به، قال فيه: "سمعت عمر" ، وذكره.

    1. (١)مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.
    ج ١ ص ٢٥٠
  5. وأخرجه٢ من طريق عبد الرحمن بن غزوان به، وقال فيه: "عن عمر" وذكر الحديث.

    ثم قال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه ولا نعلم حدث به عن زيد بن أسلم إلا مالك ولا رواه عن مالك إلا محمد بن خالد بن عثمة، وعبد الرحمن بن غزوان" ٣ اهـ.

    1. (٢)مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.
  6. وابن غزوان هذا يكنى بأبي نوح وقد روى عنه أحمد هذا الحديث متصلاً.

    قال: ثنا أبو نوح عن مالك به قال فيه٤: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر نحوه.

    وأخرجه ابن عبد البر من طريق محمد بن حرب عن مالك به قال فيه عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره ... "٥ الحديث بنحوه.

    ثم قال ابن عبد البر: "وهكذا رواه مسنداً روح بن عبادة ومحمد بن خالد بن عثمة جميعاً أيضاً عن مالك كرواية محمد بن حرب سواء ذكره النسائي عن محمد بن عبد الله بن المبارك "٦ اهـ.

    1. (٤)مسند أحمد ١/٣١.
  7. وذكر ابن حجر أن الدارقطني أورد في غرائب مالك من طريق ابن غزوان وابن عثمة ويزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني، ثم قال ابن حجر: "فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال"٧ اهـ

    قلت: وقد أشار ابن عبد البر - كما سبق - إلى أن روح بن عبادة رواه متصلاً عن مالك، فيصبح الذين رووه عن مالك بصريح الاتصال ستة، والله أعلم.

  8. (١٥٤) قال البخاري: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا عثمان بن عمر أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال: الحديبية، قال أصحابه: هنيئاً مريئاً فما لنا؟ فأنزل الله {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ

    ج ١ ص ٢٥١جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ١، قال شعبة: فقدمت الكوفة فحدثت بهذا كله عن قتادة ثم رجعت فذكرت له فقال: أما {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ} فعن أنس، وأما "هنيئاً مريئاًَ" فعن عكرمة٢.

    1. (٣)مسند البزار ١/ لوحة: ٣٢.
    2. (٥)التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥.
    3. (٦)التمهيد ٣/٢٦٤ - ٢٦٥.
    4. (٧)فتح الباري ٨/٥٨٣.
    5. (٢)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤١٧٢.
  9. وأخرجه أبو عوانة من طريق عثمان بن عمر عن شعبة به، فذكر نحوه وفيه، قال شعبة: فأتيت الكوفة فحدثتهم بهذا الحديث عن قتادة عن أنس فلما رجعنا إلى البصرة سألت عنه قتادة فقال: أما الأول: فتح الحديبية، فهو عن أنس، وأما هذا قول أصحابه: "هنيئاً لك" هذا عن عكرمة٣.

    1. (٣)مسند أبي عوانة ٤/٢٥٠.
  10. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي٤ أيضاً بنحو لفظ أبي عوانة.

    1. (٤)السنن الكبرى ٩/٢٢٢، دلائل النبوة ٢/ لوحة: ٢٣٧.
  11. وأخرجه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة به، فذكره بمعنى ما سبق وفيه: قال: فظننت أنه كله عن أنس فأتيت الكوفة فحدثت عن قتادة عن أنس ثم رجعت فلقيت قتادة بواسط فإذا هو يقول: أوله عن أنس، وآخره عن عكرمة، قال: فأتيتهم بالكوفة فأخبرتهم بذلك٥.

    1. (٥)المسند ٣/١٧٣.
  12. وأخرجه الخطيب٦ من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي عن حجاج به مثله.

    1. (٦)المدرج، لوحة: ٦٤ - ٦٥.
  13. وفي هذا الحديث أدرج قتادة رواية عكرمة في رواية أنس وساقهما مساقاً واحداً، لكن شعبة بين أخيراً ما رواه عن أنس وما رواه عن عكرمة من الحديث.

  14. وذكر الخطيب أن أحمد - في روايته عن حجاج - لم يبين رواية قتادة عن أنس من روايته عن عكرمة٧، والواقع أنه قد بين كما سبق، فلعله لم يقف عليها.

    1. (٧)المدرج، لوحة: ٦٣.
  15. وأخرجه الخطيب من طريق أبي معشر الرؤاسي عن شعبة به، وفصل قتادة رواية كل منهما على حدة، ولفظه: "قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية نزلت عليه {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ، قال قتادة: عن عكرمة: فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:

    ج ١ ص ٢٥٢هنيئاً لك يا رسول الله ما أعطاك الله فما لنا؟ فنزلت: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ١.

    1. (١)سورة الفتح الآية: ٥.
  16. وقد روى الحديث عن قتادة غير شعبة، وأدرج رواية عكرمة في رواية أنس دون تمييز بينهما.

  17. فأخرجه الترمذي من طريق معمر بن راشد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} ٢، مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد نزلت علي آية أحب إلى مما على الأرض، ثم قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم" ، فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} إلى قوله: {فَوْزًا عَظِيمًا} ٣. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" .

  18. وأخرجه أحمد٤ وابن حبان٥ وابن جرير٦ والخطيب٧ كلهم من طريق معمر به نحوه.

    وأخرجه أحمد من طريق همام٨ عن قتادة عن أنس قال: "لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية نزلت عليه هذه الآية: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ... الحديث.

    1. (٤)مسند أحمد ٣/١٩٧.
    2. (٥)موارد الظمآن: ٤٣٦.
    3. (٦)تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.
    4. (٧)المدرج، لوحة: ٦٣.
    5. (٨)مسند أحمد ٣/١٢٢، ١٣٤.
  19. وأخرجه أبو عوانة من طريق٩ همام به فذكر نحوه.

    1. (٩)مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨.
  20. وأخرجه أبو عوانة أيضاًَ من طريق١٠ شيبان عن قتادة عن أنس بنحوه.

    1. (١٠)مسند أبي عوانة ٤/٢٤٧ - ٢٤٨.
  21. وأخرجه ابن جرير١١ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس فذكر نحوه.

    1. (١١)تفسير ابن جرير: ٢٦/ ٦٩.
    2. (١)المدرج، لوحة: ٦٥.
    3. (٢)سورة الفتح الآية: ٢.
    4. (٣)سنن الترمدي، كتاب التفسير: ٣٢٦٣.
  22. وأخرجه الخطيب١ من طريق همام وسعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة عن أنس فذكره.

    1. (١)المدرج، لوحة: ٦٢ - ٦٣.
    ج ١ ص ٢٥٣
  23. وأخرجه من طريق حجاج عن شعبة عن قتادة عن عكرمة وأنس بن مالك فذكره بنحوه٢.

    ثم قال الخطيب: "قصة نزول أول هذه السورة حسب عن قتادة عن أنس" .

    1. (٢)المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣.
  24. وأما قصة نزول قوله تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ، إلى آخر الآية فهي عن قتادة عن عكرمة لا عن أنس٣ ا. هـ

    وقد روى شعبة وغيره عن قتادة حديث أنس بانفراده فأخرجه البخاري من طريق محمد بن جعفر غندر عن شعبة به.

    1. (٣)المدرج لوحة: ٦٢ - ٦٣.
  25. (١٥٥) قال: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: "سمعت قتادة عن أنس رضي الله عنه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال الحديبية" ٤.

  26. وأخرجه أبو عوانة من طريق غندر٥ وعبد الرحمن٦ بن زياد الرصاصي وأبي النضر٧ هاشم بن القاسم كلهم عن شعبة به نحوه.

    1. (٥)مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.
    2. (٦)مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.
    3. (٧)مسند أبي عوانة ٤/٢٤٩.
  27. وأخرجه الخطيب٨ من طريق الثلاثة المتقدمين ومن طريق عبد الله ابن خيران ويحيى بن سعيد القطان ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة به نحوه.

    1. (٨)المدرج لوحة: ٦٣ - ٦٤.
  28. وأخرجه مسلم٩ من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} إلى قوله: {فَوْزًا عَظِيمًا} . مرجعه من الحديبية فقال: "لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً" ، وساق سنده إلى سليمان التيمي وهمام وشيبان، وقال: جميعاً عن قتادة عن أنس نحو حديث ابن أبي عروبة.

    1. (٩)صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٦٧.
    2. (٤)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب التفسير: ٤٨٣٤.
  29. وأخرجه أبو عوانة١ وابن جرير٢ والخطيب٣ كلهم من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس نحو حديث سعيد بن أبي عروبة عند مسلم.

    1. (١)مسند أبي عوانة ٤/٢٧٤.
    2. (٢)تفسير ابن جرير ٢٦/٦٩.
    3. (٣)المدرج، لوحة: ٦٤
    ج ١ ص ٢٥٤
  30. وقد أفرد محمد بن جعفر غندر وعبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة حديث عكرمة:

    (١٥٦) فأخرجه ابن جرير٤ والخطيب٥ كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله هذا لك فما لنا؟ قال: فنزلت هذه الآية: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} .

    1. (٤)المدرج، لوحة: ٦٤
    2. (٥)المدرج، لوحة: ٦٤
  31. وأخرجه الخطيب من طريق عبد الرحمن بن زياد الرصاصي عن شعبة عن قتادة عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هنيئاً لك ما أعطاك ربك، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ٦ الآية.

  32. وقد أشار إلى نزول سورة الفتح حديث المسور ومروان:

    (١٥٧) قال الحاكم: أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي٧ ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل٨ حدثني أبي٩ ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن

    ج ١ ص ٢٥٥عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: "أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية، من أولها إلى آخرها" ١.

    1. (٧)أحمد بن جعفر بن حمدان، أبو بكر القطيعي، صدوق في نفسه، مقبول تغير قليلاً، قال الخطيب: لم نر أحداً ترك الاحتجاج به، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال ابن الصلاح: اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئاً مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات، قال الذهبي: وهذا القول غلو وإسراف، وقد كان أبو بكر أسند أهل زمانه، وقال ابن أبي الفوارس: لم يكن في الحديث بذاك، وذكر البرقاني أنه ثقة صدوق لا يشك في سماعه، مات آخر سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وله خمس وتسعون. ميزان الاعتدال ١/٨٧، وجمع المعلمي أقوال النقاد فيه، ورجح أنه لم يكن منها ما يخدش في الاحتجاج به، التنكيل: ١/١٠١ - ١٠٣.
    2. (٨)عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الرحمن، ولد الإمام ثقة، مات سنة تسعين ومائتين وله بضع وسبعون: س. تقريب: ١٦٧.
    3. (٩)أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي، نزيل بغداد أبو عبد الله، أحد الأئمة، ثقة حافظ فقيه حجة، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين: ع. تقريب: ١٦.
    4. (٦)تفسير ابن جرير ٢٦/٧٠.
  33. وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق ابن إسحاق، وصرح فيه بالسماع من الزهري، قال: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة في قصة الحديبية وفيها مدرجاً: "ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً، فلما كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح، من أولها إلى آخرها: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ٣.

    قال الحاكم بعد أن ساق الحديث: "وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".

    قلت: الحديث صحيح لشواهده؛ لأن مداره على ابن إسحاق وحديثه حسن على الراجح من أقوال أهل العلم٤، والقصة يحكيها المسور ومروان ولم يشهد أحد منهما الحديبية، فالحديث مرسل لكن المسور صحابي ومرسل الصحابي حجة، والله أعلم.

    1. (٢)هو: محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري.
    2. (٤)انظر ص: ٩٧.
  34. وقد أشار إلى قصة نزول سورة الفتح أيضاً حديث مجمع بن جارية الأنصاري:

    (١٥٨) قال أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى٥ حدثنا مجمع بن يعقوب بن يزيد الأنصاري قال: سمعت أبي يعقوب بن مجمع يذكر عن عمه عبد الرحمن٦ بن

    ج ١ ص ٢٥٦يزيد الأنصاري عن عمه مجمع١ بن جارية الأنصاري - وكان أحد القراء الذين قرؤوا القرآن - قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون٢ الأباعر، فقال بعض الناس لبعض: ما بال الناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع عليه الناس قرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ، فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح" ، فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة، فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً٣.

    1. (٥)محمد بن عيسى بن نجيح، أبو جعفر بن الطباع البغدادي نزيل أَذَنَه ثقة فقيه كان أعلم الناس بحديث هيثم، مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وله أربع وسبعون سنة: خت، د، تم، س، ق. تقريب: ٣١٤.
    2. (٦)عبد الرحمن بن يزيد بن جارية - بالجيم والتحتانية - الأنصاري أبو محمد المدني أخو عاصم بن عمر لأمه يقال: ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، مات سنة ثلاث وتسعين: خ، الأربعة. تقريب: ٢١١، ذكره ابن إسحاق في ثقات التابعين. الثقات ٥/١١٠.
    3. (١)المستدرك ٢/٤٥٩.
    4. (٣)السنن الكبرى ٩/٢٢٣، دلائل النبوة ٢، لوحة: ٢٣٨.
    5. (١)مجمع - بضم أوله وفتح الجيم وتشديد المكسورة - ابن جارية - بالجيم - بن عامر الأنصاري الأوسي المدني صحابي، مات في خلافة معاوية: د، ت، ق. تقريب: ٣٢٩.
    6. (٢)يهزون: ينشطونها ويسرعون بها. النهاية ٥/٢٦٢، ترتيب القاموس ٤/٥٠٨.
  35. وأخرجه أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مجمع بن يعقوب به فذكره وفيه: "فإذا الناس ينفرون الأباعر" ٤.

  36. وأخرجه ابن أبي شيبة٥ وابن سعد٦ كلاهما عن يونس بن محمد المؤدب عن مجمع بن يعقوب به، وفيه: "فإذا الناس يوجفون٧ الأباعر" .

    وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن مجمع به، وفيه: "فإذا الناس يرسمون٨ نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " ٩.

    1. (٥)تاريخ ابن أبي شيبة، لوحة: ٥٨.
    2. (٦)الطبقات الكبرى ٢/١٠٥.
    3. (٧)يوجفون: يحثونها على السير، أوجف دابته يوجفها إيجافاً: إذا حثها. النهاية٥/١٥٧.
    4. (٨)يرسمون: يسرعون، والرسم ضرب من السير سريع يؤثر في الأرض. النهاية ٢/٢٢٤.
  37. وأخرجه الحاكم أيضاً١٠ وابن جرير١١ والبيهقي١٢ كلهم من طريق محمد بن عيسى عن مجمع به مثله.

    قال الحاكم: بعد أن أورده من طريق محمد بن عيسى: هذا حديث كبير

    ج ١ ص ٢٥٧صحيح الإسناد، ولم يخرجاه١، ووافقه الذهبي٢.

    1. (١١)تفسير ابن جرير ٢٦/٧١.
    2. (١٢)السنن الكبرى ٦/٣٢٥.
    3. (٣)سنن أبي دواد مع معالم السنن، كتاب الجهاد: ٢٧٣٦.
    4. (٤)مسند أحمد ٣/٤٢٠.
    5. (٩)المستدرك ٢/٤٥٩.
    6. (١٠)المستدرك ٢/١٣١.
    7. (١)المستدرك ٢/١٣١.
    8. (٢)تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/١٣١ مع المستدرك.
  38. وأخرجه من طريق ابن أبي أويس وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه٣، وتعقبه الذهبي فقال: "لم يرو مسلم لمجمع شيئاً ولا لأبيه، وهما ثقتان" ٤.

    قلت: مجمع بن يعقوب وأبوه تُكِلم فيهما: فمجمع قال عنه الشافعي: شيخ لا يعرف٥، وأبو يعقوب جهّله القطان، نقل ذلك عنه الزيلعي ونص عبارته: "وعلة هذا الحديث الجهل بحال يعقوب بن مجمع، ولا يعرف روى عنه غير ابنه مجمع وابنه مجمع ثقة" ٦.

    قلت: أما مجمع فقول الشافعي فيه غير مُسلَّم، فقد قال المزي في ترجمته: روى عنه إسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن سويد الأنصاري القبائي، وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد العزيز بن يحيى المدني، وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عيسى ومحمد بن معن الغفاري، ويونس بن محمد المؤدب وغيرهم.

    وقال يحيى بن معين: ليس به بأس وكذلك قال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وقال ابن سعد: كان ثقة٧ ا. هـ

    وقد وثقه القطان كما سبق في معرض كلامه عن أبيه حيث قال: وابنه مجمع ثقة، وقول ابن معين ليس به بأس، يعني ثقة٨، وكذلك وثقه الذهبي كما مر معنا قريباً، فمن هذه حاله كيف لا يكون معروفاً؟

    1. (٣)المستدرك ٢/٤٥٩.
    2. (٥)نقله المنذري، مختصر سنن أبي داود ٤/٥٣.
    3. (٧)تهذيب الكمال ح٣/ ١٣٠٦.
    4. (٨)تاريخ يحيى بن معين ٤/٣٤٦، انظر النص رقم: ٤٨٥٦.
  39. وأما أبوه يعقوب بن مجمع فسبق أن جهله القطان لكن قال المزي: روى عنه ابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وعبد العزيز بن عبيد الله ابن حمزة بن صهيب وابنه مجمع بن يعقوب٩.

    1. (٩)تهذيب الكمال ٣/ لوحة: ١٥٥٤.
    2. (٤)تلخيص الذهبي على المستدرك ٢/٤٥٩.
    3. (٦)نصب الراية ٣/٤١٧.
  40. وذكره ابن حبان١ في ثقات أتباع التابعين ووثقه الذهبي، وترجم له في الكاشف وقال وثق٢، ومثل هذا ليس بمجهول، وأيضاً فالحديث له شواهد من الأحاديث السابقة فهو صحيح، كما قال الحاكم، والله أعلم.

    1. (١)الثقات ٧/٦٤٢.
    2. (٢)الكاشف ٣/٢٩٣.
    ج ١ ص ٢٥٨