المبحث الرابع: من هو أول من بايع بيعة الرضوان

١٨ فقرة، ج ١ ص ١٤٣

  1. ورد في بعض الروايات أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان هو أبو سنان الأسدي، إلا أنه قد عرف بهذه الكنية اثنان من بني أسد أحدهما: أبو سنان محصن أخو عكاشة بن محصن، والآخر أبو سنان بن وهب، ولذلك وقع خلاف أيهما المراد هنا، وقد ذكر بعضهم في ذلك غير أبي سنان الأسدي، وسوف يأتي بيان ذلك كله إن شاء الله.

    ج ١ ص ١٤٣
  2. (٨٧) قال ابن سعد: أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله١ بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر٢ قال: إن أول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي٣.

    1. (١)عبد الله بن نمير - بنون مصغراً - الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، مات سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة: ع. تقريب: ١٩٢.
    2. (٢)عامر بن شراحبيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه، فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة وله نحو من ثمانين سنة: ع. تقريب: ١٦١.
    3. (٣)الطبقات الكبرى ٢/١٠٠.
  3. وقد أخرجه ابن هشام٤ عن وكيع به بمثله.

    1. (٤)سيرة ابن هشام ٣/٣١٦.
  4. وأخرجه البيهقي من طريق سفيان٥ بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: "لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: أبسط يدك أبايعك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " علام تبايعني "؟ فقال أبو سنان رضي الله عنه: على ما في نفسك " هذا أبو سنان الأسدي.

    1. (٥)سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة، وله إحدى وتسعين سنة: ع. تقريب: ١٢٨.
  5. وأورده ابن سيد الناس من طريق عاصم الأحول:
  6. قال ابن سيد الناس: وروينا عن أبي عروبة٦ ثنا علي٧ بن المنذر ثنا محمد٨ ابن فضيل عن عاصم٩ عن عامر١٠ قال: كان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان

    ج ١ ص ١٤٤الأسدي، قال: "يا رسول الله بايعني على ما في نفسك قال: ما في نفسي؟ قال: الفتح أو الشهادة، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الناس فجعلوا يقولون: نبايعك على بيعة أبي سنان" ١.

    1. (٦)الحسين بن محمد بن أبي معشر، مودود السلمي الحراني صاحب التاريخ، كان أول طلبه لهذا الشأن سنة ست وثلاثين ومائتين، قال ابن عدي: كان عارفاً بالرجال وبالحديث وكان مع ذلك مفتي أهل حران، شفاني حين سألته عن قوم من المحدثين، وقال الذهبي: كان من نبلاء الثقات، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٧٤.
    2. (٧)علي بن المنذر الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، مات سنة ست وخمسين ومائتين: ت، س، ق. تقريب: ٢٤٩.
    3. (٨)محمد بن فضيل بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، عارف، رمي بالتشيع، مات سنة خمس وتسعين ومائتين: ع. تقريب: ٣١٥، تذكرة الحفاظ ١/٣١٥.
    4. (٩)عاصم بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومائة: ع. تقريب: ١٥٩.
    5. (١٠)هو: الشعبي.
  7. هذا الأثر صحيح بمجموع طرقه إلى الشعبي وهو مرسل.

  8. وجاء في حديث ابن عمر عند الطبراني "أبو سنان بن محصن" :

    (٨٨) قال الطبراني: حدثنا أحمد٢ ثنا محمد٣ بن عبد الله بن عبيد ابن

    ج ١ ص ١٤٥عقيل ثنا يعقوب١ بن محمد الزهري ثنا عبد العزيز٢ بن عمران عن محمد٣ بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن سالم٤ عن أبيه٥ قال: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية الناس للبيعة، فقام أبو سنان بن محصن فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك، قال: وما في نفسي؟ قال: أضرب بالسيف بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٦.

    قال الطبراني: "لم يروه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز ولا عنه إلا عبد العزيز بن عمران، تفرد به يعقوب" ٧.

    1. (٢)أحمد بن يحيى بن زهير أبو جعفر التستري، قال عنه الذهبي الحافظ الحجة، وقال الحافظ بن منده: "ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة وسمعته يقول: ما رأيت في الدنيا أحفظ من أبي جعفر التستري، وقال الحاكم: سمعت جعفر بن أحمد المراغي يقول: أنكر عبدان الأهوازي حديثاً مما عرض عليه لابن زهير، فدخل عليه وقال: هذا أصلي ولكن من أين لك ابن عون (لعله ابن عوف كما في هذه الرواية) عن الزهري عن سالم؟ فما زال عبدان يعتذر إليه ويقول: يا أبا جعفر إنما استغربت حديثك، مات سنة عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٧ - ٧٥٨.
    2. (٣)محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل - بفتح العين - الهلالي أبو مسعود البصري، صدوق، من الحادية عشرة: د، س، ق. تقريب: ٣٠٥.
    3. (١)عيون الأثر في المغازي والسير ٢/١٢٥.
    4. (١)يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧.
    5. (٢)عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الأعرج يعرف بابن أبي ثابت، متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه، وكان عارفاً بالأنساب، مات سنة سبع وتسعين ومائة: ت. تقريب: ٢١٥.
    6. (٣)محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، روى عن أبيه والزهري وغيرهما، ولي القضاء بالمدينة، قال البخاري: محمد بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف القاضي، منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال في التمييز: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو حاتم ثلاثة أخوة محمد وعبد الله وعمران ليس لهم حديث مستقيم. لسان الميزان ٥/٢٥٩ - ٢٦٠.
    7. (٤)سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عمر أو أبو عبد الله المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً فاضلاً، كان يشبه بأبيه في الهدى والسمت، مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح: ع. تقريب: ١١٥.
    8. (٥)عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، استصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة، وكان أشد الناس اتباعاً للأثر، مات سنة ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها: ع. تقريب: ١٨٢.
    9. (٦)مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢، لوحة: ٢٤٠.
  9. وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد العزيز ابن عمران، وهو متروك" ٨.

    قلت: وفيه أيضاً محمد بن عبد العزيز شيخ عبد العزيز بن عمران، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك٩.

    1. (٩)لسان الميزان ٥/٢٦٠.
  10. وقد عد ابن رجب١٠ بيتهم في البيوت التي اشتهرت بالضعف.٣

    ج ١ ص ١٤٦وهذا الحديث مع ضعف سنده في متنه نكارة أيضاً، ففيه أن أول من بايع أبو سنان بن محصن، وأبو سنان بن محصن مات قبل ذلك في حصار بني قريظة١.

    1. (١٠)شرح علل الترمذي: ٥٢٧.
    2. (٧)مجمع البحرين بزوائد المعجمين ١/٢/لوحة: ١٤١.
    3. (٨)مجمع الزوائد ٦/١٤٦.
    4. (١)الإصابة ١١/١٨١.
  11. وقد ظن الواقدي أن المشار إليه في الروايات السابقة هو هذا فوهّم قائله، وقال٢: إن أول من بايع بيعة الرضوان هو سنان بن أبي سنان وتبعه على ذلك أبو هلال العسكري٣ وابن سيد الناس٤، وكأنه لم تبلغهم الراويات التي وردت عن الشعبي وغيره تصرح بأن المذكور في البيعة هنا هو أبو سنان بن وهب، والروايات هي:

    (٨٩) قال ابن عبد البر: ذكر الحلواني٥ عن أبي أسامة٦ عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب الأسدي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: علام تبايع؟ قال: على ما في نفسك فبايعه وتتابع الناس فبايعوه٧.

    1. (٢)مغازي الواقدي ٢/٦٠٣، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٠٠.
    2. (٣)كتاب الأوائل: ١٧٠.
    3. (٤)عيون الأثر ٢/١٢٥.
    4. (٥)الحسن بن علي بن محمد الهذلي أبو علي الخلال الحلواني.
    5. (٦)هو: حماد بن سلمة.
    6. (٧)الاستيعاب ١١/٣١٣ مع الإصابة.
  12. (٩٠) وقال أيضاً: ذكر أبو العباس٨ محمد بن إسحاق السراج قال: حدثنا هناد بن السري٩ قال حدثنا أبو بكر١٠ بن عياش عن عاصم عن زر١١ قال: أول من بايع تحت الشجرة أبو سنان بن وهب١٢.

    ج ١ ص ١٤٧قال ابن حجر: وأخرجه ابن منده من طريق عاصم عن زر بن حبيش فذكر مثله١.

    1. (٨)أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الثقفي مولاهم النيسابوري السراج، صاحب المسند والتاريخ، قال عنه الذهبي: الحافظ الإمام الثقة شيخ خراسان، مات في ربيع الآخرة سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. تذكرة الحفاظ ٢/٧٣١.
    2. (٩)هناد بن السري - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين وله إحدى وتسعون سنة: عخ، م، الأربعة. تقريب: ٣٦٥.
    3. (١٠)أبو بكر بن عياش الأسدي.
    4. (١١)زر: بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة مصغراً - ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة - الأسدي الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة: ع. تقريب: ١٠٦.
    5. (١٢)الاستيعاب ١١/٣١٤.
    6. (١)الإصابة ١١/١٨١.
  13. وذكر ابن حجر أن طريق زر بن حبيش وطريق الشعبي كلاهما صحيح٢.

    1. (٢)الإصابة ٤/٢٦٤.
  14. فهذا الحديث حسن لغيره وإن كان مرسلاً إلا أنه قد اختلف مخرجه فدل على أن له أصلاً وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح بقوله: "ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر٣.

    1. (٣)علوم الحديث لابن الصلاح: ٤٩.
  15. وهنا قد صح مخرجه من وجهين فارتفع إلى درجة الحسن لغيره، والله أعلم.

  16. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نتيجة وهي: رجحان القول بأن أول من بايع هو أبو سنان بن وهب الأسدي، وليس أبو سنان بن محصن لهذا الحديث ولأن حديث ابن عمر الذي ذكر فيه أبو سنان بن محصن ضعيف جداً لا يقوى على المعارضة والروايات التي قالت: أبو سنان الأسدي تفسرها هذه الرواية، والله أعلم.

  17. ذكر ابن حجر: أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: "أول من بايع تحت الشجرة أبو سفيان بن الحارث " ٤.

  18. وقد تعقبه ابن حجر بقوله: "ولم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه فقال: أبو سنان بن وهب وهو الصواب وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان: عبد الله " ٥ ا. هـ

    وقد أورد السفاريني على قصة أبي سنان بن وهب - من كونه أول من بايع - ما روى مسلم في حديث سلمة أنه أول من بايع: ثم أجاب عن ذكل بقوله: "والجمع بينهما: بأن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان"٦.

    1. (٤)الإصابة ١١/١٧١.
    2. (٥)الإصابة: ١١/١٧١.
    3. (٦)شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.