المطلب الثاني: بيان أن امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن رد المهاجرات ليس إخلالا بالصلح
١٦ فقرة، ج ١ ص ١٨٤
- ج ١ ص ١٨٤
ورد في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم من طريق عقيل أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن رد المهاجرات في الهدنة إلى قريش:
(١١٥) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً وجاءت المؤمنات مهاجرات وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج ١ ص ١٨٥يومئذ - وهي عاتق١ - فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} إلى قوله {وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ٢.٣
وأخرجه البيهقي٤ من طريق ابن عقيل به، فذكره بمثله.
- (١)امتعضوا: أي غضبوا وشق عليهم. النهاية ٤/٣٤٢، ترتيب القاموس ٤/٢٦٢.
- (١)عاتق: الجارية أول ما أدركت، أو التي لم تتزوج، أو التي بين الإدراك والتعنيس. ترتيب القاموس ٣/١٥٠ - ١٥١، النهاية ٣/١٨٧ - ١٨٩.
- (٤)السنن الكبرى ٩/٢٢٨.
-
(١١٦) وأخرجه ابن إسحاق عن عروة بسياق آخر مرسلاً:
قال ابن إسحاق: فحدثني الزهري عن عروة بن الزبير قال: دخلت عليه وهو يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... } ، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين، إذا هن امتحن بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهم إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، وإن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذالكم حكم الله بينكم والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم، إن هم فعلوا ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم، لرد رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد ... " ٥.
- (٢)سورة الممتحنة الآية: ١٠.
- (٣)صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الشروط: ٢٧١١ - ٢٧١٢.
- (٥)سيرة ابن هشام ٣/٣٢٦.
- ج ١ ص ١٨٦
وأخرجه ابن جرير١ والبيهقي٢ كلاهما من طريق ابن إسحاق به مختصراً.
- (١)تفسير ابن جرير ٢٨/٦٩.
- (٢)السنن الكبرى ٩/٢٢٨.
-
وأخرجه البيهقي٣ أيضاًَ عن طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبد الله بن بكر ابن حزم مرسلاً.
- (٣)السنن الكبرى ٩/٢٢٩.
-
جاء هذا الحديث هنا من طريق ابن إسحاق مرسلاً وقد جاء موصولاً من طريق عقيل بن خالد الأيلي عند البخاري كما سبق قريباً، وخالد ثقة ثبت كما قال ابن حجر٤، فالحكم هنا لمن وصله على الصحيح لأنها زيادة ثقة٥.
- (٤)تقريب التهذيب: ٢٤٢.
- (٥)تقريب النواوي ١/٢٢١ - ٢٢٢ مع تدريب الراوي.
-
وقد جاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن رد النساء اللاتي هاجرن إلى المدينة أثناء الهدنة، فهل يعد هذا الفعل نقضاًَ للعهد أم لا؟
-
الواقع أنه ليس في امتناعه صلى الله عليه وسلم عن رد المهاجرات خروجاً عن المعاهدة للآتي:
أ - إما لأنهن غير داخلات في العهد أصلاً فقد ورد في حديث المسور ومروان من طريق معمر ما نصه: "فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا ... " ، فقد نص هنا على الرجال دون النساء.
-
(١١٧) وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حيان: "أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: رد علينا من هاجر من نسائنا فإن شرطنا أن من أتاك منا أن ترده علينا، فقال: " كان الشرط في الرجال، ولم يكن في النساء".
-
ذكر هذا الأثر ابن حجر ثم عقب عليه بقوله: وهذا لو ثبت كان قاطعاً للنزاع٦.
- (٦)فتح الباري ٩/٤١٩.
-
ب - وإما أن يكون العهد قد شملهن ثم نسخته في حقهن آية الامتحان وخصته بالرجال، فقد جاء في حديث المسور ومروان من طريق عقيل ما نصه:
ج ١ ص ١٨٧"وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ - وهي عاتق - فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها عليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: {إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... } ١. الآية، والمراد منها قوله {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} ، وقد أشار أيضاً إلى نسخ المعاهدة في حق النساء حديث عبد الله ابن أبي أحمد عند ابن أبي عاصم:
(١١٨) قال حدثنا محمد٢ بن يحيى الباهلي ثنا يعقوب٣ بن محمد ثنا عبد العزيز بن عمران عن مجمع٤ بن يعقوب عن حسين٥ بن أبي لبابة عن عبد الله٦ بن أبي أحمد بن جحش قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل الله آية الامتحان٧.
- (٢)انظر تاريخ أصبهان ٢/٣٠٦. محمد بن يحيى الباهلي لم أقف على ترجمته، وقد ساق ابن كثير هذا الحديث في تفسيره ٤/٣٥٠، بسند ابن أبي عاصم لكن قال فيه: ((محمد بن يحيى الذهلي (بدل) الباهلي، وهو خلاف ما في كتاب (الآحاد والمثاني) لابن أبي عاصم، فإن فيه: الباهلي، وقد أخرج ابن أبي عاصم عن ((الباهلي)) حديثاً في كتاب السنة قال: حدثنا محمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي ... )) . وقال محقق الكتاب المحدث ناصر الدين الألباني ما نصه: "ومحمد بن يحيى أبو عمرو الباهلي لم أجد له ترجمة ويحتمل على بعد أن يكون هو محمد بن يحيى بن عبد الله أبو عبد الله الذهلي النيسابوري الحافظ الإمام من شيوخ البخاري، ويكون ما في الكتاب ((أبو عمر الباهلي)) محرفاً عن ((أبي عبد الله الذهلي)) والله أعلم. ظلال الجنة ١/١٩١ مع كتاب السنة لابن أبي عاصم. قلت: والظاهر أن ((الباهلي)) هذا رجل آخر غير ((الذهلي)) فقد روى عنه ابن أبي عاصم في كتابه ((الآحاد والمثاني)) وفي كتابه ((السنة)) وذكره المزي في تهذيبه فيمن روى عن يعقوب بن محمد بن حميد الزهري شيخه في هذا الحديث، والله أعلم.
- (٣)يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، نزيل بغداد، صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين: خت، ق. تقريب: ٣٨٧.
- (٤)مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، صدوق، مات سنة ستين ومائة: د، س. تقريب: ٣٢٩.
- (٥)الحسين بن السائب بن أبي لبابة - بضم اللام وموحدتين - بن عبد المنذر الأنصاري المدني مقبول من الثالثة: د. تقريب: ٧٣.
- (٦)عبد الله بن أبي أحمد بن جحش الأسدي، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن عمر وغيره، وذكره جماعة في ثقات التابعين: د. تقريب: ١٦٧.
- (٧)الآحاد والمثاني، لوحة: ٦٤.
-
وأخرجه أبو نعيم٨ من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن
ج ١ ص ١٨٨عمران به فذكره بمثله.
- (٨)معرفة الصحابة ١، لوحة ٣٤٢ - ٣٤٣.
- (١)تقدم الحديث برقم (١١٥) .
-
وأورد ابن كثير١ وكذلك ابن حجر٢ وعزواه لابن أبي عاصم.
- (١)تفسير ابن كثير ٤/٣٥٠.
- (٢)الإصابة ٧/٢٠٠.
-
وذكره السيوطي٣ وقال: أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف.
قلت: نعم الحديث بهذا الإسناد ضعيف جداً؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك، وشيخ ابن أبي عاصم "الباهلي" لم أجد ترجمته.
- (٣)الدر المنثور ٦/٢٠٦.
-
وأخرجه عمر بن شبة من حديث أم كلثوم مطولاً.
-
(١١٩) قال: حدثنا محمد٤ بن يحيى أبو غسان قال: حدثني عبد العزيز بن عمران عن مجمع بن يعقوب الأنصاري عن الحسن ابن السائب بن أبي لبابة عن عبد الله بن أبي أحمد قال: قالت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط نزلت فيّ آيات من القرآن كنت أول من هاجر في الهدنة حين صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً على أنه من جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن وليه رده إليه، ومن جاء قريشاً ممن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه، قالت: فلما قدمت المدينة قدم علي أخي الوليد بن عقبة، قالت: ففسخ الله العقد الذي بينه وبين المشركين في شأني فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} إلى قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ، قالت: ثم أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وكان أول من نكحني، فقلت: يا رسول الله زوجت بنت عمك مولاك؟ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} ٥، فسلمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم٦ الحديث.
- (٤)محمد بن يحيى بن علي بن عبد الحميد الكناني أبو غسان المدني ثقة، لم يصب السليماني في تضعيفه من العاشرة: خ. تقريب: ٣٢٣.
- (٦)تاريخ المدينة ٢/٤٩٢.
-
وهذا الإسناد أيضاً ضعيف؛ لأن فيه عبد العزيز بن عمران لكن أصل الحديث ثابت في صحيح البخاري من حديث المسور ومروان من طريق عقيل بن خالد الأيلي.
- (٥)سورة الأحزاب الآية: ٣٦.