المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين
١٣ فقرة، ج ١ ص ٢٢٤
- ج ١ ص ٢٢٤
جيش المسلمين هو ذلك الجيش الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله في سبيل الدفاع عن هذا الدين الحنيف دين الله الذي قال فيه سبحانه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ١. هذا الجيش رغم قلة عدده وعدته فقد كان كثيراً قوياً بإيمانه وبعقيدته. وقد حصل في تقدير هذا الجيش خلاف على النحو التالي:
١- قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين" أ. هـ٢. وتابعه في ذلك ابن سعد٣ والطبري٤ والبيهقي٥ وابن عبد البر٦ وابن الأثير٧ وابن سيد الناس٨ وابن كثير٩ وذكره الديار بكري١٠
ج ١ ص ٢٢٥كما ذكره صاحب المواهب اللدنية١.
- (٢)السيرة النبوية ٢/٢٢٠ والروض الآنف ٣/٢٦١.
- (٣)الطبقات الكبرى ٢/٦٦.
- (٤)جامع البيان ٢١/١٣٠.
- (٥)دلائل النبوة ٣/٤٥٢.
- (٦)الدرر في اختصار المغازي والسير ١٨١.
- (٧)الكامل في التاريخ ٢/١٢٣.
- (٨)عيون الأثر ٢/٥٧.
- (٩)البداية والنهاية ٤/١٠٢.
- (١٠)تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
- (١)سورة آل عمران الآية ٨٥.
- (١)المواهب اللدنية ٢/١١٠.
-
٢- قال ابن حزم: "وقد قيل تسعمائة فقط قال: وهو الصحيح الذي لا شك فيه" ٢.
-
٣- قال الديار بكري٣: "بعد أن ذكر أن عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف قال وقيل: كان المسلمون ألفاً. هكذا بصيغة التمريض" ٤.
قلت: "ولعل القائل بذلك ذهب إلى ما ورد في حديث جابر حيث قال: في سياق الحديث الذي فيه القصة التي أضاف٥ فيها جابر النبي صلى الله عليه وسلم على عناق وصاع من شعير ... وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الخندق كلهم إلى أن قال ... وهم ألف" ٦. ولا يجزم بهذا أن عدد المسلمين كانوا ألفاً على ضوء هذا، وإنما هذا العدد هو الذي كان موجوداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت في مأدبة جابر - ولعل ... أكثرهم كان قد استأذن منه
ج ١ ص ٢٢٦صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتناوبون في الحفر كما هو معلوم. أما ابن القيم فقد قال: "إنهم كانوا ثلاثة آلاف ثم عقب قائلاً: وقال ابن إسحاق: " خرج في سبعمائة قال: وهذا غلط من خروجه يوم أحد "١.
وقال القسطلاني وكانوا ثلاثة آلاف ثم قال: "قال الشافعي ووهم من قال كانوا سبعمائة "٢.
- (٣)حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري - مؤرخ فقيه- توفي بمكة في حدود سنة ٩٦٦هـ، معجم المؤلفين ٤/٤٧.
- (٥)مادة ضيف تأتي لعدة معاني وهي هنا بمعنى الإكرام، انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/١٠٨-١٠٩.
- (٢)جوامع السيرة ١٨٧.
- (٤)تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
- (٦)صحيح البخاري ٥/٤٤، وفتح الباري ٧/٣٩٦.
-
أما بالنسبة للرأي الثاني: فلم يشر أحد إليه وهو الذي ارتضاه ابن حزم ورفض ما عداه٣ وإذا فلعل الأولى الرأي القائل بأنهم كانوا ثلاثة آلاف لكثرة القائلين بذلك والله أعلم.
قال ابن سعد: "ولما تم حفر الخندق رفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لثمان ليال مضين٤ من ذي القعدة وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة
ج ١ ص ٢٢٧وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم١ في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة.
- (٣)جوامع السيرة ١٨٧.
- (٤)الطبقات الكبرى ٢/٦٧، مع أن المقريزي قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة وهو في حد ذاته اتفاق مع ابن سعد. انظر الامتاع ١/٢١٦.
- (١)زاد المعاد ٣/٢٧١، وبنفس هذا الرد قال المقريزي في الإمتاع ١/٢٦٦.
- (٢)المواهب اللدنية ١/١١١.
- (١)سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي يكنى أبا سعد شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل استشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة. الاستيعاب ٢/١٩٨، وأسد الغابة ٢/٣٣٢.
-
وكان عباد بن بشر٢ على حرس قبته صلى الله عليه وسلم مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة٣. قال ابن القيم: "وهو الذي كان على حرسه وقد حرسه الزبير بن العوام أيضاً يوم الخندق" قال ابن سيد الناس٤: وقال ابن سعد في باب حراس النبي صلى الله عليه وسلم: "حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام" ٥.
- (٢)عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي ثم الأشهلي يكنى - أبا بشر - وقيل أبو الربيع - أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وشهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين. قالت عائشة - رضي الله عنها- ثلاثة من الأنصار لم يكن يعتد عليهم فضلاً كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. انظر: الاستيعاب ٢/٣٥٠، وأسد الغابة ٣/١٠٠.
- (٣)الطبقات الكبرى ٢/٦٧.
- (٤)عيون الأثر ٢/٥٨.
- (٥)زاد المعاد ١/١٢٧.
- ج ١ ص ٢٢٨
وعندما استقر صلى الله عليه وسلم في معسكره المختار حسب الخطة العسكرية الناجحة نظم جنود المسلمين ووزعهم فبعضهم للحراسة على الخندق ومنافذه وبعضهم على قبته لأنها كانت مستهدفة من الأعداء.
-
وكان صلى الله عليه وسلم يختلف بنفسه إلى ثلمة١ في الخندق يحرسها وكان الوقت شتاء شديد البرودة وقد روى البزار في ذلك حديثاً وفيه قال: حدثنا عبد الله بن شبيب٢ ثنا إبراهيم بن المنذر٣ ثنا إسماعيل بن داود٤ ثنا مالك ابن أنس عن يحيى بن سعيد٥ عن عمرة٦ عن
ج ١ ص ٢٢٩عائشة قالت: "كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالخندق فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاهد ثغرة من الجبل يخاف منها فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فيتسمع فسمع حسن إنسان عليه الحديد فانسل" ١ في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا؟ " . فقال: "أنا سعد جئتك لتأمرني بأمرك" فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت في تلك الثغرة ".
قالت عائشة: "فنام رسول الله في حجري حتى سمعت غطيطه٢ فقالت عائشة لا أنساها لسعد "٣.
قال الهيثمي قلت: "في الصحيح طرف منه ثم قال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف "٤.
- (١)الثلمة والثغرة بمعنى واحد وهي الفتحة. النهاية في غريب الحديث ١/٢١٣.
- (٢)عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي أخباري علامة لكنه واه قال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث قال الذهبي: "يروي عن أصحاب مالك وبالغ - فضلك الرازي- فقال يحل ضرب عنقه، وقال عبد الرحمن بن خراش يسرق الحديث، قال ابن حبان يقلب الأحاديث ويسرقها". الميزان ٢/٤٣٨.
- (٣)إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - صدوق - تكلم فيه أحمد لأجل القرآن من العاشرة مات سنة ست وثلاثين ومائتين (خ ت س ق) التقريب ٢٣.
- (٤)إسماعيل بن داود بن عبد الله بن مخراق المخراقي روى عن مالك بن أنس وغيره قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول هو ضعيف الحديث جداً وقال في موضع آخر سمعت أبي يقول هو منكر الحديث. الجرح والتعديل ٢/١٦٧-٢٠١.
- (٥)يحي بن سعيد بن قيس الأنصاري ثقة (ع) التقريب ٣٦٧.
- (٦)عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة -ثقة- من الثالثة ماتت قبل المائة ويقال بعدها روى لها (ع) التقريب ٤٧١.
- (٢)غط النائم إذا سمع له صوت من الفم. القاموس المحيط ٢/٣٧٦.
-
أما البزار فقال: "لا نعلم رواه إلا عائشة بهذا الإسناد".
-
وقد روى البخاري ما يقويه ولكن بغير تصريح بذكر الخندق٥
ج ١ ص ٢٣٠كما أورده الترمذي في مناقب سعد بن أبي وقاص١ بيد أنه لم يذكر أن ذلك كان في الخندق. لذلك قال ابن العربي.
- (٥)صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢١٩ كتاب التمني وهو عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عائشة ....
- (١)أنسل أسرع خفية. القاموس المحيط ٤/٥٧ قلت لعله (ينسل) .
- (٣)كشف الأستار ٢/٣٣٣.
- (٤)مجمع الزوائد ٦/١٣٥.
- (١)تحفة الأحوذي ١٠/٢٥٦-٢٥٧.
-
وكانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها ثم يزلفه٢ البرد ذلك اليوم فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هذا؟ " ثم ساق الحديث بمثل ما جاء عن البزار إلا أنه صرح بأنه سعد بن أبي وقاص٣.
- (٢)أزلفه يزلفه قرّ به والزلفة الطائفة من أول الليل والجمع زلف. المختار ٢٧٣.
- (٣)أحكام القرآن ٣/١٥١١.
-
وقد جاءت الرواية التي عند البخاري والتي عند الترمذي في المناقب مفسرة لما كان مبهماً عند البزار وهو سعد لأن السعود في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير فتبين بالروايتين أنه سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
-
وحديث البزار وإن كان ضعيفاً إلا أن ما جاء عند البخاري والترمذي يقويه والحديث يدل بوضوح على: الشدة التي عاناها الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه في هذه الغزوة وأن الخطر الذي أحدق بهم كان كبيراً حتى أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد تلك الثغرة بنفسه
ج ١ ص ٢٣١يخاف على المسلمين منها وأن القائد عليه ما على جنوده من حراسة ومرابطة؛ بل إن القائد هو المثل الأعلى لجنوده والرسول صلى الله عليه وسلم كان خير قائد.
قال المقريزي: "قالت أم سلمة - رضي الله عنها-: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة١، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفاً. حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً.
- (١)الحرج: أضيق الضيق. النهاية في غريب الحديث ١/٣٦١.
-
قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة - رضي الله عنها- في حضنها٢ فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول ما أخشى على الناس إلا منها.
- (٢)الحضن: مادون الإبط إلى الكشح وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه. مختار الصحاح ١٤٢.