المبحث السابع: التحقيق في عمر الوليد بن عقبة عام الفتح

٧ فقرات، ج ٢ ص ١٣٥

  1. اتفق الذين ترجموا له أنه أسلم عام فتح مكة، وأنه خرج زمن هدنة الحديبية مع أخيه١ ليردّا أختهما أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى المدينة، وكان من الشروط التي وافق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من جاء منهم إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم يردّه عليهم، حتى نزلت الآية٢ التي أخرجت النساء من هذا الشرط٣.

    ج ٢ ص ١٣٦قلت: هذا يرد قول من قال: بأن الوليد بن عقبة كان زمن فتح مكة صبياً مخلقاً١ وأنه جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ليمسح رأسه ويدعو له كما فعل بغيره من الصبيان، فامتنع بسبب الخلوق الذي خلقته أمه به، وعمدتهم في ذلك هو: ما رواه أبو داود: حدثنا أيوب٢ بن محمد الرقي، ثنا عمر٣ بن أيوب بن جعفر٤ بن برقان، عن ثابت٥ بن الحجاج، عن عبد الله٦ الهمداني، عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم البركة، ويمسح رؤوسهم، قال: فجيء بي إليه، وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق٧.

    1. (١)هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، قال ابن عبد البركان عمارة وأخوه الوليد وخالد من مسلمة الفتح. انظر الاستيعاب ٣/٢١. وأسد الغابة ٤/١٤٢. والإصابة ٢/٥١٦.
    2. (٢)هي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} ، [سورة الممتحنة، من الآية: ١٠] .
    3. (٣)الاستيعاب ٣/٦٣١، وأسد الغابة ٥/٤٥١، وتهذيب التهذيب ١١/١٤٢، ١٤٤/ والإصابة ٣/٦٣٧. وانظر ترجمة أم كلثوم، المصادر السابقة ٤/٤٨٨، و٧/٣٨٦، ٤/٤٩١، و١٢/٤٧٦، وسيرة ابن هشام ٢/٣٥٢، وطبقات ابن سعد ٨/٢٣٠.
    4. (٢)أيوب بن محمد بن زياد الوزان، أبو محمد الرقي بفتح الراء وتشديد القاف، نسبة إلى رقة بلد بالشام. مولى ابن عباس، ثقة من العاشرة، (ت ٢٤٩) دسق. التقريب١/١٩.
    5. (٣)عمر بن أيوب العبدي الموصلي، صدوق له أوهام، من التاسعة، (ت ١٨٨) م، د،س، ق. المصدر السابق ٢/٥٢.
    6. (٤)جعفر بن برقان بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف. الكلابي: بكسر الكاف، بعدها لام ممدودة خفيفة آخرها موحدة مكسورة، أبو عبد الله الرقي، صدوق يهم، في حديث الزهري من السابعة (ت١٥٠) وقيل بعدها/بخ م عم المصدر السابق١/١٢٩.
    7. (٥)ثابت بن الحجاج، الكلابي، الرقي، ثقة، من الثّالثة / د. المصدر السابق ١/١١٥.
    8. (٦)عبد الله الهمداني بسكون الميم والدال المهملة، أبو موسى، مجهول، وخبره منكر، قاله ابن عبد البر من الرابعة/د. المصدر السابق١/٤٦٣.وفي لسان الميزان ٧/١١٢، أبو موسى الهمداني، عن الوليد بن عقبة بن معيط، وعنه ثابت بن الحجاج، قال البخاري في التاريخ الأوسط: اسمه عبد الله لا يعرف ولا يتابع عليه.
    9. (٧)سنن أبي داود ٢/٣٩٩. (كتاب الترجّل) باب في الخلوق للرجل.
    ج ٢ ص ١٣٥
  2. ورواه أحمد من طريق فياض٨ بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان به٩.

    1. (٨)فياض بن محمد بن سنان الرقي، أبو محمد محله الصدق، قاله الحسيني، وقال في الإكمال: ليس به بأس، وذكره ابن أبي حاتم وابن خلقون في الثقات. تعجيل المنفعة لابن حجر، ص ٢٢١.
    2. (٩)مسند أحمد ٤/٣٢.
    3. (١)الخلوق: طيب معروف مركب يتخذ من الزعفان وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة. النهاية لابن الأثير ٢/٧١.
  3. وأخرجه البيهقي من طريق أحمد ومن طريق يونس بن بكير، عن جعفر بن برقان به١.

    1. (١)السنن الكبرى ٩/٥٥.
    ج ٢ ص ١٣٧
  4. فالحديث بجميع طرقه يدور على عبد الله الهمداني وقد قال فيه ابن عبد البر: "هذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى الهمداني، ويقال الهمداني، ذكره البخاري على الشك، عن الوليد بن عقبة، وقالوا: أبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب، لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صبياً يوم الفتح، ويدل أيضاً على فساد ما رواه أبو موسى المجهول، أن الزبير٢ وغيره من أهل مكة بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، وقد ذكرنا الخبر في ذلك باب أم كلثوم، ومن كان غلاماً مخلقاً يوم الفتح، ليس يجيء منه مثل هذا، وذلك واضح" ٣.

    وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله٤ الحافظ، ثنا أبو العباس٥، ثنا أحمد بن عبد الجبّار٦، ثنا يونس٧ عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري٨ وعبد الله٩ بن أبي بكر قالا: هاجرت أم كلثوم بنت

    ج ٢ ص ١٣٨عقبة بن أبي معيط إلى رسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عقبة إلى رسول صلى الله عليه وسلم يطلبانها، فأبى أن يردّها عليهما١.

    قلت: الحديث مرسل، لأن الزهري وعبد الله بن أبي بكر، لم يحضرا القصة ولكن يشهد له الحديث عند البخاري غير أنه قال: وجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم.

    1. (٢)الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، أبو عبد الله الزبيري، عالم، نسابه، أخباري، من أهل المدينة، ولي القضاء مكة، وقدم بغداد، وحدث بها، ولد سنة (١٧٢هـ) ، وتوفي بمكة سنة (٢٥٦هـ) من تصانيفه الكثيرة، أنساب قريش وأخبارها. وأخبار العرب وأيامها ... الخ انظر معجم المؤلفين لكحالة ٤/١٨٠.
    2. (٤)هو الحاكم صاحب المستدرك.
    3. (٥)هو الأصم محمد بن يعقوب.
    4. (٦)هو العطاردي.
    5. (٧)هو ابن بكير بن واصل الشيباني.
    6. (٨)هو ابن شهاب محمد بن مسلم.
    7. (٩)هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري.
    8. (٣)الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣١ و ٤/٤٨٨. (مع الإصابة) وسيرة ابن هشام ٢/٣٢٥. والإصابة ٤/٤٩١.
    9. (١)السنن الكبرى للبيهقي ٩/٢٢٩. وانظر طبقات بن سعد ٨/٢٣١.
  5. وهذا نصه: حدثنا يحي٢ بن بكير حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان٣ والمسور٤ بن مخرمة رضي الله عنهما يخبران عن أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو ويومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم، أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا٥ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرّد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحمد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلماً.

    1. (٢)هو عبد الله المخزومي مولاهم، ثقة في الليث. / خ، م،ق. من كبار العاشرة، (٢٣١) التقريب ٢/٣٥١.
    2. (٣)هو ابن الحكم بن أبي العاص الأموي، لا يثبت له صحبة، من الثانية، /خ عم. مصدر السابق ٢/٢٣٨.
    3. (٤)ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، له، وله ولأبيه صحبة. (ت: ٦٤) ، ع. المصدر السابق ٢/٢٤٩.
    4. (٥)امتعضوا منه: أي شق عليهم ذلك وعظم، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٤٢.
  6. وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول صلى الله عليه وسلم يومئذ - وهي عاتق٦ - فجاء أهلها

    ج ٢ ص ١٣٩يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} ،١- إلى قوله - {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ٢.

    قال ابن حجر: "هذا الحديث من مسند من لم يسم من الصحابة، ولم يصب من أخرجه من أطراف في مسند المسور أو مروان، لأن مروان لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه صلى الله عليه وسلم، لكنه، إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين" ٣.

    قلت: لا يضر هنا الإبهام ولا الإرسال لأننا عرفنا أن المبهم أو المحذوف صحابي قطعاً. والصحابة كلهم عدول.

    1. (٦)العاتق: هي الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والديها ولم تزوج، وقد أدركت وشبّت، وتجمّع العتق والعواتق. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/١٧٨-١٧٩.
  7. والخلاصة في هذا أن الراجح في إسلام الوليد أنه يوم فتح مكة وأنه كان قد ناهز الاحتلام كما قال ابن عبد البر، وأما الحديث الذي فيه أن الوليد كان يوم فتح مكة طفلاً مخلقاً وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع من المسح على رأسه لوجود الخلوق فهو حديث ضعيف لا يعول عليه. لأن الذي يخرج في زمن هدنة الحديبية يرد أخته وكان ذلك في السنة السادسة، فلا يمكن أن يكون في فتح مكة طفلاً مخلقاً.

    وقال ابن حجر: ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلاً أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحارث بن أبي وجزة بن أبي عمرو بن أمية، وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف. حكاه أصحاب المغازي٤. مع أنه يمكن أن يكون الخلوق

    ج ٢ ص ١٤٠في يده كما ورد ذلك في أخيه عمارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء عمارة يريد مبايعته عام الفتح فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، قال: فقال بعض القوم: إنما يمنعه هذا الخلوق الذي في يدك، قال: فذهب فغسله، ثم جاء فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.

    1. (٤)الإصابة ٣/٦٣٨.
    2. (١)من سورة الممتحنة آية: ١٠، وهي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ، [سورة الممتحنة، الآية: ١٠] .
    3. (٢)صحيح البخاري ٣/١٦٥، كتاب الشروط (باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة) . وانظر تفسير ابن كثير ٤/٣٥٠.
    4. (٣)فتح الباري، ٥/٣١٣.
    5. (١)انظر أسد الغابة ٤/١٤٢، والإصابة ٢/٥١٦.