المبحث الخامس: موقف المنافقين من يهود بني النضير
١٥ فقرة، ج ٢ ص ١٦٣
- ج ٢ ص ١٦٣
تقدم١ أن يهود بني النضير ثاني طائفة من طوائف يهود نقضت عهدها مع المسلمين وكان رئيسهم حيي بن أخطب٢.
- (١)انظر: ص ١٥٨- ١٥٩ وما بعدها. وانظر فتح الباري ٧/ ٢٧٥ و٣٣٠.
- (٢)حيي بن أخطب: هو والد صفية أم المؤمنين رضي الله عنها.
-
وقد وردت روايتان في سبب نقضهم العهد.
-
الأولى: ما رواه ابن إسحاق حدثني يزيد بن رومان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية٣ الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله
ج ٢ ص ١٦٤عليه وسلم عقد لهم،- وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف - فلما أتاهم رسول اله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية القتيلين، قالوا: "نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه" ، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: "إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ " فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، الحديث.. وفيه فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه، حتى نزلت بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر بقطع النخيل والتحريق١ فيها، فنادوه: "يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها" .
- (٣)عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله، أبو أمية الضمري صحابي مشهور، أول مشاهده بئر معونة، توفي في خلافة معاوية /ع. التقريب ٢/ ٦٥.
- (١)قطع نخيل بني النضير وتحريقه ثابت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، انظر البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي، ومسلم ٥/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير.
-
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم، عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: "أن اثبتوا وتمعنوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم" ، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم، علة أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا الحلقة٢. الحديث ...
- (٢)الحلقة: بسكون اللام، السلاح عامة، وقيل الدروع خاصة. النهاية لابن الأثير ١/ ٤٢٧.
-
ثم ذكر ما أنزل الله في شأن المنافقين من القرآن وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} ، [سورة الحشرة، الآيات: ١١-١٧] ، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم، {يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ} ، يعني: - بني النضير - إلى قوله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، [سورة الحشر، الآية: ١٥] ، يعني: بني قينقاع.
-
ثم ذكر القصة: إلى قوله: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
ج ٢ ص ١٦٥قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} ، [سورة الحشر الآية: ١٦] ١.
-
وهكذا ذكر المفسرون عند تفسير هذه الآيات أنها نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأتباعه الذين حرضوا بني النضير على تمردهم وخروجهم على الدولة الإسلامية، ونقضهم العهد الذي أبرموه على أنفسهم والتزموا به٢ فرواية ابن إسحاق، تدل على أن سبب نقضهم العهد هو تواطؤهم على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء يستعينهم في دية القتيلين، وقد بوب البخاري بقوله: "باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم" .٣
الثانية: ما رواه أبو داود حدثنا محمد بن داود بن سفيان أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٤ بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لقيهم فقال: " لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد
ج ٢ ص ١٦٦وقعة بدر إلى اليهود: "إنكم أهل الحلقة، والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا" ، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهي الخلاليل، فلما بلغ كتابهم النبي صلى الله عليه وسلم، أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم اخرج علينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف* فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فقص خبرهم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحديث١. والحديث سكت عليه المنذري٢.وفيه محمد بن داود بن سفيان شيخ أبي داود.
- (٢)تفسير الطبري ٢٨/ ٤٥ وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٤٠ وتفسير الشوكاني ٥/ ٢٠٤.
- (٤)عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب، المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك /ع. التقريب ١/ ٤٩٦.
- (١)سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠- ١٩٥ وتاريخ الطبري ٢/ ٥٥١ وتفسيره ٢٨/ ٢٩ وفتح الباري ٧/ ٣٣١.
- (٣)البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي.
- (١)سنن أبي داود ٢/ ١٣٩ كتاب الخراج (باب في خبر بني النضير) .
- (٢)انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/ ٢٣٦.
-
قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب بأنه مقبول٣.
- (٣)التقريب ٢/ ١٦٠.
-
وفي تهذيب التهذيب لم يزد على قوله: محمد بن داود بن سفيان روى عن عبد الرزاق ويحيى بن حسان، وعنه أبو داود٤.
- (٤)تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٤.
-
ولكن الحديث عند عبد الرزاق من هذه الطريق وليس فيه محمد ابن داود، ولكنه قال: عبد الله٥ بن عبد الرحمن بن كعب بدل (عبد الرحمن بن كعب) وفيه: فأرسلت امرأة ناصحة، من بني النضير إلى بني أخيها٦، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى
* المنصف: بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة – الموضع الوسط بين الموضعين (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٦٦) .
- (٥)قال ابن حجر في تعجيل المنفعة، ص ١٥٣: أظنه انقلب، وأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك شيخ الزهري، وهو مترجم في التهذيب / انظر تهذيب التهذيب ٦/ ٢١٤ أخرج له خ م د س. وتقريب التهذيب ١/ ٤٨٨ وقال عنه: ثقة عالم، من الثالثة.
- (٦)كذا هو في المصنف ولعله (ابن أخيها) .
- ج ٢ ص ١٦٧
الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعا، حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساره بخبرهم. الحديث١ ...
- (١)مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٨- ٣٦١.
-
والحديث من هذه الطريق نسبه ابن حجر لابن مردويه، وعبد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري" ، ثم قال: ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه صلى الله عليه وسلم أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم" ٢.
-
والذي يهمنا من هذه الغزوة هو موقف المنافقين المتمردة الخارجة على الدولة الإسلامية وعلى العهد الذي التزمت به حيال المسلمين وهذه المواقف العدائية من المنافقين تدل على خطر النفاق وخبثه، وأنه يحمل أصحابه على اتخاذ جميع الوسائل الممكنة للحيلولة دون تقدم دعوة الإسلام، وانتصاره، ومجمل المواقف التي وقفها المنافقون من دعوة الإسلام تدور حول غرضين أساسيين:
أولهما: التخذيل عن اعتناق الإسلام، بإلقاء الرعب في صفوف الجيش الإسلامي، وتخويفه من الوقوف في وجه عدوه، كما حصل في غزوة الأحزاب.
-
وثانيهما: بث الشبه والتشكيك في الإسلام، ونبي الإسلام، وزرع بذور الفتنة، في ساحة الجيش الإسلامي، كما حصل ذلك في غزوة بني المصطلق التي نحن بصددها.
-
وقد باءت جميع محاولات المنافقين بالإخفاق، واندحر كيدهم وخاب سعيهم، ونصر الله الإسلام والمسلمين، وكان الوحي ينزل طريا بفضح هذه المواقف على اختلافها، وتثبيت نفوس المسلمين وتصفية الساحة الإسلامية مما علق بها من أدران هذه المواقف المغرضة.
- (٢)فتح الباري ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.