المبحث العاشر: متى شرع التيمم
٣٨ فقرة، ج ٢ ص ٣٣٥
- ج ٢ ص ٣٣٥
قال البخاري: حدثنا عبد الله١ بن يوسف قال أخبرنا٢ مالك عن عبد الرحمن٣ بن القاسم عن أبيه عن عائشة٤ زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء٥ - أو بذات الجيش٦ - انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل
ج ٢ ص ٣٣٦يطعنني١ بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم٢ فتيمموا ".
فقال أسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته "٣.
قال ابن حجر: قوله: "في بعض أسفاره "، قال ابن عبد البر في التمهيد يقال: إنه كان في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار، وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان.
ثم قال ابن حجر: "وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة رضي الله عنها، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضا، فإن كان ما جزموا به ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين كما هو مبين في سياقهما"٤.
ج ٢ ص ٣٣٧قلت: وقد سبق الجميع - إلى هذا القول - الواقدي: فقد صرح في مغازيه بقوله: حدثني يعقوب١ بن يحيى بن عباد، عن عيسى٢ بن معمر بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعائشة رضي الله عنها، حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع الحديث الطويل، وفيه "أن العقد سقط من عائشة مرتين في تلك الغزوة في المرة الألى كانت رخصة التيمم، وفي الثانية كانت قصة الإفك" ٣.
قلت: رواية الواقدي لا تنهض لفصل النِّزاع، لأن الواقدي ضعيف في الحديث، ولوجود يعقوب بن يحيى، وعيسى بن معمر في السند، وأحدهما وصف بأنه مجهول الحال، والآخر لين، ولا متابع لهما.
- (١)عبد الله بن يوسف التنيسي: أبو محمد الكلامي، أصله من دمشق، ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ، من كبار العاشرة، (ت٢١٨) /خ د ت س. التقريب١/٤٦٣.
- (٢)مالك بن أنس إمام دار الهجرة أبو عبد الله (ت ١٧٩) /ع. المصدر السابق ٢/٢٢٣.
- (٣)عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، التيمي، أبو محمد المدني ثقة جليل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من السادسة (ت ١٢٦) وقيل بعدها / ع. المصدر السابق ١/٤٩٥.
- (٤)تقدمت ترجمتها.
- (٥)البيداء: هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة في الطريق من المدينة إلى مكة. انظر معجم ما استعجم للبكري ١/٢٩٠- ٢٩١.
- (٦)ذات الجيش: من المدينة على بريد وبينها وبين العقيق سبعة أميال. المصدر السابق ٢/٤٠٩-٤١٠ ويكون بين ذات الجيش والمدينة بالكيلوات ٢٠ كيلومترا.
- (١)يطعنني: بضم العين في كل ما هو حسي، والمعنوي بالفتح، وحكي فيهما الفتح والضم. فتح الباري ١/٤٣٣.
- (٢)هي آية المائدة كما رجح ذلك ابن حجر وقال: وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم. قال: نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} . وهذا سياق آية المائدة، أما آية النساء فسياقها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} . الآية: ٤٣. انظر: الحديث في البخاري ٦/٤٣ من تفسير سورة المائدة. وفتح الباري ١/٤٣٤.
- (٣)صحيح البخاري١/٦٢ كتاب التيمم، و١/٦٣ فيه، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا و٥/٧ كتاب الفضائل، باب فضل أبي بكر، و٥/٢٥ منه، باب فضائل عائشة و٦/٣٨ تفسير سورة النساء، باب قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} و٦/٤٢ و٤٣ تفسير المائدة، باب قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} و٧/٢٠ كتاب النكاح باب استعارة الثياب للعروس وغيرها و٧/٣٥ فيه باب قول الرجل لصاحبه: هل عرستم الليلة وطعن الرجل ابنته في الخاصرة عند العتاب و٧/١٣٦ كتاب اللباس باب استعارة القلائد و٨/١٤٤ كتاب المحاربين، باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان وصحيح مسلم ١/١٩١- ١٩٢ (التيمم) وأبو داود ١/٧٦ والنسائي ١/١٣٣ و١٣٥ و١٤٠ وموطأ مالك١/٥٣ وصحيح ابن حبان٢/٢٣ و٤٣٩ و٤٤٠ الجميع في التيمم.
- (٤)فتح الباري ١/٤٣٢.
- (١)يعقوب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، المدني مجهول الحال، من السادسة /ق. التقريب ٢/٣٧٧ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٨.
- (٢)عيسى بن معمر حجازي، لين الحديث، من السادسة / د. التقريب ٢/١٠٢.
-
وبهذا يكون الحديث ضعيفا بهذا الإسناد.
-
وأما ابن سعد فقد ذكر ذلك في (طبقاته) بدون إسناد٤، ويحتمل أن يكون عمدته في ذلك هي رواية الواقدي هذه، إذ هو شيخه ومعروف بملازمته له، حتى عرف بكاتب الواقدي، وعلى هذا نكون قد رجعنا إلى حديث الواقدي نفسه، وهو حديث ضعيف كما عرفت، والأحاديث الصحيحة في قصة الإفك مع كثرتها وتضافرها لم تشر أدنى إشارة إلى أن العقد سقط من عائشة مرتين في غزوة المريسيع، ولو وجد ذلك لما حصل الخلاف.
- (٤)طبقات ابن سعد ٢/٦٥.
-
وأما ابن حبان فقد ذكر ذلك في ثقاته غير أنه فرق بين غزوة المريسيع، وغزوة بني المصطلق.
-
فجعل غزوة المريسيع في شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة سابقة على غزوة الخندق، وذكر فيها وقوع جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في الأسر وزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، كما ذكر فيها قصة التيمم مقتصرا
ج ٢ ص ٣٣٨على جزء من حديث الباب١، ولم يتعرض فيها لقصة الإفك. وهذا نص كلامه زيادة في الإيضاح.
قال رحمه الله: "ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة المريسيع في شعبان قصد بني المصطلق من خزاعة على ماء لهم قريب من الفرع، فقتل منهم رجالهم وسباهم، وكان فيمن سبى جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها.
- (٣)مغازي الواقدي ٢/٤٢٦.
- (١)انظر الحديث ص ٣٣٥ وما بعدها.
-
وفي هذه الغزوة سقط عقد عائشة، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عل التماسه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنَزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
-
فبعثوا البعير الذي كانت عليه، فوجدوا العقد تحته"٢.اهـ.
-
وذكر غزوة بني المصطلق في السنة السادسة من الهجرة، بقوله: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بني المصطلق، وذلك أنه بلغه أن بني المصطلق تجمعوا وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث. ثم ساق القصة وفيها وقوع جويرية في سهم ثابت بن قيس بن شماس ومكاتبتها له ثم زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. ثم ساق حديث الإفك بطوله ولم يذكر فيه قصة التيمم أصلاً٣.
- ويرد على ابن حبان بما يأتي:
-
أولاً: تفريقه بين غزوة المريسيع وغزوة بني المصطلق، وهي غزوة واحدة تحمل اسمين غزوة (المريسيع) باسم الماء الذي وقعت فيه المعركة، وغزوة بني المصطلق باسم القبيلة.
-
ولذا فقد بوب البخاري بقوله: "باب غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع" .
ج ٢ ص ٣٣٩ثم قال: وقال النعمان١ بن راشد عن الزهري: "كان حديث الإفك في غزوة المريسيع" ٢.
قال ابن حجر: "وصله الجوزقي٣ والبيهقي في (الدلائل) من طريق حماد بن زيد عن النعمان بن راشد ومعمر عن الزهري عن عائشة فذكر قصة الإفك في غزوة المريسيع وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي إن قصة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع" ٤٥.
- (٢)ثقات ابن حبان ١/٢٦٣- ٢٦٤.
- (٣)ثقات ابن حبان ١/٢٨٨- ٢٩٥.
- (١)النعمان بن راشد الجزري أبو إسحاق الرقي، مولى بني أمية، صدوق سيء الحفظ، من السادسة /خت م عم. التقريب ٢/٣٠٤. قلت: تابعه معمر بن راشد كما هو مصرح به في رواية الجوزقي والبيهقي.
- (٣)هو الحافظ الإمام الأوحد أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني، الجوزقي محدث نيسابور، وصاحب الصحيح المخرج على صحيح مسلم، روى عن أبي نعيم بن عدي الجرجاني وأبي العباس الدغولي ومكي بن عبدان، وخلق، (ت٣٨٨هـ) انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠١٣- ١٠١٤.
-
وعند الطبراني من حديث سنان بن وبرة قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق" .
قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناد الكبير حسن" ٦.
-
وتقدم قول ابن حجر، بأن غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع٧.
- (٧)انظر ص ٣٣٦.
- (٢)صحيح البخاري ٥/٩٦ كتاب المغازي.
- (٤)نعم أورد الطبري حديثا أن قصة عائشة كانت في عمرة القضاء وهذا نصه: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الواحد بن حمزة أن حديث عائشة كان في عمرة القضاء. انظر تاريخ الطبري ٢/٦١٩ والحديث فيه ثلاث علل: أ- ضعف ابن حميد الرازي. ب- عنعنة ابن إسحاق. ج- الانقطاع بين عبد الواحد وعائشة، لأنه من السادسة ولم يحضر القصة. انظر التقريب ١/٥٢٥.
- (٥)فتح الباري ١/٤٣٠.
- (٦)مجمع الزوائد ٦/١٤٢.
- ج ٢ ص ٣٤٠
وبهذا يتضح أن غزوة المريسيع وغزوة بني المصطلق شيء واحد، أحدهما تفسير للأخرى.
-
ثانياً: تصريحه في كلتا الغزوتين بأن جويرية بنت الحارث وقعت في الأسر، وتزويجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.
-
وهذا شيء غير معقول، إذ كيف يتزوجها في السنة الخامسة ثم يعود إلى الرق ويتزوجها مرة ثانية في السنة السادسة.
-
ثالثاً: قوله: "غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق على ماء لهم قريب من الفرع" ، هذا أيضا خطأ واضح.
-
لأن جميع من تكلم على هذه الغزوة قال: على ماء لهم قرب قديد، وبين قديد والفرع مسافة طويلة، لأن قديدا شمال مكة بـ ١١٤ كيلومترا، في حين أن الفرع يقع جنوب المدينة المنورة بـ ١٥٠ كيلومترا١. وبهذا يتضح وهم ابن حبان رحمه الله.
- (١)انظر نسب حرب لعاتق البلادي ص ٣٧٦- ٣٧٧.
-
وأما عمدة ابن عبد البر في أن التيمم شرع في هذه الغزوة فهو حديث الباب٢ ووجه الدلالة منه قول عائشة فيه "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره" ، ففسر السفر المذكور بأنه كان إلى غزوة بني المصطلق. وهذا نص كلامه:
بعد أن ساق حديث الباب٣ قال عقبه: "قال أبو عمر: هذا الحديث عندي أصح حديث روي في التيمم. والسفر المذكور فيه كان في غزوة المريسيع، إلى بني المصطلق ابن خزاعة في سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة خمس" ٤.
قلت: الذي يظهر: أن التيمم وإن كان سببه هو ضياع عقد عائشة، إلا أن ذلك كان في غزوة أخرى غير غزوة بني المصطلق، وإنما اشتبه على بعض العلماء فصرح بأن ذلك في غزوة بني المصطلق، وذلك لاتحاد السبب بين قصة الإفك ورخصة التيمم، إذ كل منهما كان سببه ضياع العقد.
- (٢)انظر ص ٣٣٥، وما بعدها.
- (٣)انظر ص ٣٣٥.
- (٤)الاستذكار ٢/٢.
- وفيما يأتي توجيه ذلك:
-
أ- قال ابن القيم بعد أن نقل قول ابن سعد١: ذكر الطبراني في (معجمه) من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى٢ بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه٣ عن عائشة قلت: "لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى، فسقط أيضا عقدي، حتى حبس التماسه الناس، ولقيت من أبي بكر ما شاء، وقال لي: يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء، وليس مع الناس ماء، فأنزل الله الرخصة في التيمم. ثم قال: فهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر ولكن فيها٤ كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى" ٥.
- (١)هذا نص كلام ابن سعد قال: وفي هذه الغزاة سقط عقد عائشة فاحتبسوا على كطلبه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الإفك فيها". انظر طبقات ابن سعد ٢/٦٥.
- (٢)يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام المدني، ثقة، من الخامسة (ت بعد المائة وله ٣٦ سنة) /ز عم. التقريب ٢/٣٥٠.
- (٣)هو عباد بن عبد الله. تقدمت ترجمته.
- (٤)الضمير يعود على غزوة بني المصطلق.
-
ب- وسبقه إلى هذا ابن سيد الناس فإنه بعد أن أورد حديث الطبراني، قال عقبه: "فهذه الرواية تقتضي أن الواقعتين كانتا في غزوتين" .
-
ج- وقال ابن حجر: "اعتمد بعضهم في تعدد السفر على رواية الطبراني وهي صريحة في ذلك، ثم ساق الحديث وفي آخره " فقال أبو بكر لعائشة: إنك لمباركة ثلاثا "" ثم قال ابن حجر: "وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال" ٦.
ج ٢ ص ٣٤٢قلت: وإن كان في ابن حميد من الكلام ما قد يؤدي إلى سقوطه عن درجة الاحتجاج١ فإنه توجد قرائن أخر تؤيد ما دل عليه هذا الحديث بغض النظر عن الاستدلال به. وهذه القرائن هي:
قول أسيد بن حضير في حديث الباب "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" ٢. فإنه صريح في أنها مسبوقة بغيرها من البركات، وأعظم بركة عرفت لعائشة هي نزول القرآن ببراءتها من مقالة أهل الإفك، ولا يمكن حمل قوله: "ما هي بأول بكتكم" على غزوة بني المصطلق، إذا كان يراد بالبركة السابقة نزول القرآن ببراءة عائشة من حادثة الإفك، لأن نزول القرآن ببراءتها كان في المدينة والقوم في "حضر" ونزول آية التيمم كان في سفر، والقوم محبوسون على غير ماء.
- (٥)زاد المعاد ٢/١٢٦.
- (٦)انظر: فتح الباري ١/٤٣٣، و٤٣٥.
- (١)قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ: "ابن حميد من بحور العلم لكنه غير معتمد". انظر تذكرة الحفاظ ٢/٤٩٠ وميزان الاعتدال ٣/٥٣٠ وتهذيب التهذيب ٩/١٢٧.
-
في حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة: " جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله ذلك لك، وللمسلمين فيه خيرا " لفظ البخاري٣.
- (٣)البخاري ١/٦٣ كتاب التيمم باب إذا لم يجد ماء والنسائي ١/١٤٠ فيه.
-
وفيه أيضا من هذا الوجه "فوالله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة"٤.
- (٢)انظر ص ٣٣٥ وما بعدها.
- (٤)البخاري ٥/٢٥ كتاب الفضائل باب فضل عائشة رضي الله عنها و٧/٢٠ كتاب النكاح باب استعارة الثياب للعروس وغيرها ومسلم ١/١٩٢ وابن ماجة في التيمم والحميدي في مسنده ١/٨٨ وعبد بن حميد في مسنده أيضا ٢/١٩٤أ.
- ج ٢ ص ٣٤٣
وعند أبي داود فقال أسيد بن حضير: "يرحمك الله ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعله الله للمسلمين ولك فيه فرجا" ١.
-
وأعظم أمر نزل بعائشة تكرهه وكادت الأمة تهلك بسببه، ثم جاء الفرج بعد ذلك هي قصة الإفك، وفيها أعظم بركة هي نزول آيات تتلى إلى يوم القيامة، وهذه الروايات تصرح بأن شيئا مكروها لعائشة سبق آية التيمم، ولا ريب أن أعظم مكروه مر بها هو حادثة الإفك.
-
ولذا قال ابن حجر عقب رواية هشام بن عروة "إلا جعل الله لك منه مخرجا" الخ: "فهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق" ٢.
ثم قال ابن حجر: "وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولا. وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، الحديث ... " ثم قال ابن حجر: "فهذا يدل على تأخرها٣ عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف" .
- (٣)الضمير للغزوة التي وقع فيها نزول آية التيمم.
-
وسيأتي في المغازي أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة٤ اهـ.
قلت: حديث ابن أبي شيبة المشار إليه هو: حدثنا عباد٥ بن العوام عن
ج ٢ ص ٣٤٤برد١ عن سليمان٢ بن موسى عن أبي هريرة٣ رضي الله عنه قال: "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أجده، فانطلقت أطلبه فاستقبلته، فلما رأى الذي جئت له، فبال ثم ضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه" ٤.
- (٤)فتح الباري ١/٤٣٤- ٤٣٥.
- (٥)عباد بن العوام بن عمر الكلابي، مولاهم، أبو سهل الواسطي، ثقة، من الثامنة (ت ١٨٥) أو بعدها /ع. التقريب ١/٣٩٣.
- (١)أبو داود ١/٧٦ التيمم وانظر الحديث ص ٣٣٥ وما بعدها.
- (٢)لم أجد هذا في كتابيه المحبر والمنمق.
- (١)برد بن سنان أبو العلاء الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق، رمي بالقدر، من الخامسة /بخ عم. المصدر السابق ١/٩٥.
- (٢)سليمان بن موسى الأموي، مولاهم، الدمشقي، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخلط قبل موته بقليل، من الخامسة، /م عم. التقريب ١/٣٣١.
- (٣)أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل اختلف في اسمه واسم أبيه، فذهب الأكثر إلى أنه عبد الرحمن بن صخر، (ت ٥٧- ٥٩) /ع. المصدر السابق ٢/٤٨٤.
-
والحديث منقطع لأن سليمان بن موسى لم يدرك أحدا من الصحابة، قاله البخاري٥. وهذا حديث البخاري الذي أشار إليه ابن حجر أيضا: حدثنا محمد بن العلاء٦، حدثنا أبو أسامة٧ عن بريد٨ بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة٩ عن أبي موسى١٠ رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. الحديث١١ ... وهو بهذا الإسناد في فرض
ج ٢ ص ٣٤٥الخمس قال أبو موسى: "بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا وإخوان لي أنا أصغرهم" ، الحديث ...
- (٥)انظر كتاب جامع التحصيل في أحكام المراسيل للعلائي ٢/٤٢٣- ٤٢٤. وسنن ابن ماجة ١/٥٨٤ باب زكاة العسل، ونيل الأوطار للشوكاني ٤/١٦٤.
- (٦)هو أبو كريب تقدمت ترجمته.
- (٧)هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي، أبو أسامة، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بآخره يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة (ت ٢٠١) / ع. التقريب ١/١٩٥ وقد صرح بالتحديث كما في الإسناد الذي بعده.
- (٨)بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، ثقة، يخطئ قليلا، من السادسة / ع. المصدر السابق ٢/٩٦.
- (٩)أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل اسمه عامر وقيل الحارث، ثقة من الثالثة (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك. / ع. المصدر السابق ٢/٣٩٤.
- (١٠)عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين، (ت ٥٠) وقيل بعدها / ع. المصدر السابق ١/٤٤١.
- (١١)البخاري ٥/٩٤ كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع.
- (٤)مصنف ابن أبي شيبة ١/١٥٩.
-
وفيه "فركبنا سفينة، فأقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، ووافقنا جعفر بن أبي طالب عنده، فقال جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا ههنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا، إلا لمن شهد معه، إلا أصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم" ١.
قال ابن حجر: "ومع هذا فقد ذكرها البخاري قبل خيبر، فلا أدري هل تعمد ذلك تسليما لأصحاب المغازي، أنها كانت قبلها، أو أن ذلك من الرواة عنه، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين مختلفتين، كما أشار إليه البيهقي، على أن أهل المغازي مع جزمهم بأنها قبل خيبر، مختلفون في زمانها" ٢.
قلت: الظاهر أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر لهذين الحديثين الصحيحين، وقد رجح هذا القول ابن القيم وابن كثير٣، وهو قول البخاري أيضا كما هو الظاهر من تبويبه، فقد قال: باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنَزل نخلا وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر ثم ساق الحديث المذكور.
- (٣)زاد المعاد ٢/١٢٣- ١٢٤ والبداية والنهاية ٤/٨٣.
-
واختار هذا القول أيضا محمد الأمين الشنقيطي فإنه قال أثناء كلامه على صلاة الخوف: "واعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر، وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع
ج ٢ ص ٣٤٦قبل خيبر، والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر، مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع "، ثم ساق الحديثين المتقدمين١، ثم عقب بقوله: " فهذان الحديثان الصحيحان فيهما الدلالة الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، ثم ساق تبويب البخاري الآنف الذكر "٢ اهـ.
- (١)البخاري ٤/٧١ كتاب فرض الخمس باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين.
- (٢)فتح الباري ٧/٤١٧- ٤٢١.
- (١)انظر ص ٣٤٤ و٣٤٥.
-
والذي يظهر أيضا أنها غزوة واحدة لا تتعدد فيها كما رجح ذلك ابن القيم٣.
- (٣)زاد المعاد ٢/١٢٤.
-
وخلاصة القول أن الذي أرجحه في نزول آية التيمم أنها كانت في غزوة أخرى غير غزوة بني المصطلق، ولعلها غزوة ذا الرقاع التي رجح المحققون من أهل العلم تأخرها عن غزوة المريسيع، وهذا يتناسب مع قول أسيد بن حضير السابق٤ "ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ".
- (٤)انظر ص ٣٣٦.
-
ومع قوله أيضا لعائشة: "ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعله الله للمسلمين ولك فيه فرجا"٥. لأن كلا من آيات قصة الإفك، وآية التيمم نزلت سبب ما جرى لعائشة رضي اله عنها من ضياع عقدها، في المرة الأولى في غزوة بني المصطلق وتأخرت وحدها عن الجيش تبحت عنه حتى عثر عليها صفوان بن المعطل واحتملها على بعيره، ولم تنزل الآيات في شأنها إلا بعد قدومهم المدينة بمدة.
-
وجرى لها في غزوة ذات٦ الرقاع ضياع عقدها أيضا فاحتبس الرسول صلى الله عليه وسلم والناس معه يبحثون عنه حتى شكى بعضهم عائشةعلى
ج ٢ ص ٣٤٧أبيها واغتم أبو بكر لذلك، لأن الناس كانوا على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم في هذه الأثناء في السفر، وهذا صريح في تعدد الغزوتين.
- (٦)تقدم في ص ٣٤٣. أن محمد بن حبيب الأخباري جزم بذلك، وكذلك قال الحلبي بأن التيمم شرع في غزوة ذات الرقاع. انظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٠ ولذلك ذهب جماعة من العلماء إلى أن البيداء أو ذات الجيش الوارد في الحديث أنها بين المدينة المنورة وخيبر، وهذا يؤيد أن هذه الغزوة التي شرع فيها التيمم غير غزوة بني المصطلق لأن غزوة بني المصطلق بين المدينة ومكة. لكن كون البيداء أو ذات الجيش من جهة خيبر فيه نظر. والله أعلم. انظر فتح الباري ١/٤٣٢.
- (٢)أضواء لبيان في إيضاح القرآن بالقرآن ١/٣١٠- ٣١١.
- (٥)انظر ص ٣٤٣.
-
ويستأنس له بحديث الطبراني، وحديث ابن أبي شيبة المصرح فيه بقول أبي هريرة رضي الله عنه "لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع" ١.
-
وإسلامه كان في السنة السابعة. والله أعلم.
- (١)انظر الحديثين ص ٣٤١ و٣٤٣ وما بعدهما.