حول الرواية بالمعنى:

فقرة واحدة، ج ١ ص ٣٠

  1. لقد اشترط بعض النقاد الرواية باللفظ الذي سمع دون تغيير باللحن أو الخطأ وهذا ما نقل عن محمد بن سيرين وسليمان بن مهران الأعمش وغيرهما، وقد انتصر لهذا الرأي القاضي عياض في "الإلماع" وأما الحسن البصري وعامر الشعبي وغيرهما فأجازوا الرواية بالمعنى (٢) ، وهو الرأي الذي ساد أخيراً بشرط أن يكون الراوي فقيهاً بصيراً بدلالات العربية وأساليبها (٣) حتى لا يحيل المعنى. وهذا هو رأي الجمهور من الفقهاء وعدد من المحدثين (٤) . وقد انتصر لهذا الرأي الخطيب البغدادي في "الكفاية" واستقر العمل عليه. ولكن الشرط في جواز الرواية بالمعنى استمر ملزماً، بل وفصَّلَتْ كتب العلم تفصيلاً يحقق المقصد منه "فإذا لم يكن الراوي عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيراً بما يحيل من معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها، لم تَجُزْ له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف" (٥) .

    ج ١ ص ٣١وقال السرخسي: "الخبر إما أن يكون محكماً أو ظاهراً مشكلاً أو مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً، أو أن يكون من جوامع الكلم، فأما المحكم فيجوز نقله بالمعنى لكل من كان عالماً بوجوه اللغة، وأما الظاهر فلا يجوز نقله بالمعنى إلا لمن جمع إلى العلم باللغة العلم بفقه الشريعة، وأما المشكل والمشترك فلا يجوز فيهما النقل بالمعنى أصلاً، لأن المراد بهما لا يعرف إلا بالتأويل، والتأويل يكون بنوع من الرأي كالقياس فلا يكون حجة على غيره، وأما المجمل فلا يتصور فيه النقل بالمعنى؛ لأنه لا يوقف على المعنى فيه إلا بدليل آخر، والمتشابه كذلك، لأنا ابتلينا بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى؟ وأما ما يكون من جوامع الكلم كقوله صلى الله عليه وسلم: " الخراج بالضمان " وما أشبه ذلك فقد جوز بعض مشايخنا نقله بالمعنى على الشرط الذي ذكرناه في الظاهر" (١) . ولاشك أن هذه الشروط الدقيقة قد حافظت على الرواية ومنعت تزييفها، وهو ما يسعى المنهج الغربي الحديث إلى تحقيقه بواسطة قواعد المتن.

    1. (١)السرخسي: أصول ١/٣٥٦ – ٣٥٧ ملخصاً.
    ج ١ ص ٣٠