المبحث الثاني: في مقولة ابن أبي في غزوة بني المصطلق
٧ فقرات، ج ٢ ص ٤٣٧
- ج ٢ ص ٤٣٧
٦٥- قال ابن شبَّة١: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد ابن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولاً سيئاً في منزل نزله
ج ٢ ص ٤٣٨رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له: جعال١ - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال: جهجاه٢، فعلت أصواتهما واشتد جهجاه على المنافقين، ورد عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر رضي الله عنه يسقيه - وكان أجيراً لعمر رضي الله عنه - ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبيّ: هذا ما جاوزنا به، آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون، وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين
ج ٢ ص ٤٣٩الفتية الأنصاريين فغضب، وقال: وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام:
أمسى الجلابيب١ قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفُريعة٢ أمسى بيضة البلد٣
فخرج رجل من بني سليم مغضباً من قول حسان رضي الله عنه فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن معطل، فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف٤، فلم يقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده لضرب السلمي حسان، فقال: خذوه، فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه فأسروه وأوثقوه، وبلغ
ج ٢ ص ٤٤٠ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه، فقال عمر رضي الله عنه: أثمّ إلى قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟
- (١)تاريخ المدينة ١/ ٣٤٩، بسند مرسل، وتشهد له الرواية الآتية عند ابن أبي حاتم.
- (١)هو جعال بن سراقة الضمري، أوالغفاري أو الثعلبي. الإصابة ١/ ٢٣٥.
- (٢)هو جهجاه بن سعيد، وقيل: ابن قيس، وقيلك ابن مسعود الغفاري، شهد بيعة الرضوان بالحديبية، مات بعد عثمان بأقلّ من سنة. الإصابة ١/ ٢٥٣. وورد في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار عن جابر قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار ... " دون ذكر لأسماء معينة. صحيح البخاري رقم (٤٠٩٧) ، ومسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٨، وفي رواية مسلم الأخرى من طريق أبي الزبير عن جابر: " ... اقتتل غلامان؛ غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار ... " مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٧- ١٣٨. أما ابن إسحاق فقد ذكر أن المتنازعين هما: جهجاه بن مسعود أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار، وسنان بن وبر الجهني حليف ابن عوف بن الخزرج. ابن هشام ٢/ ٢٩٠، وفي مغازي الواقدي ٢/ ٢١٥، جهجاه بن سعيد الغفاري وسنان بن وبر الجهني، وكذا ذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٦٤- ٦٥. وعند الطبري في التفسير ٢٨/ ١١٣- ١١٤: "اقتتل رجلان أحدهما من جهينة والآخر من غفار) .
- (١)الجلابيب: جمع جلباب وهو الإزار والرداء، وقيل: الملحفة. النهاية ١/ ٢٨٣، ويعني بالجلابيب: الغرباء. الروض الأنف ٤/ ٢١.
- (٢)ابن الفريعة هو: حسان بن ثابت رضي الله عنه وهي الفريعة - بالفاء والعين المهملة مصغراً - بنت خالد بن حبيش الخزرجية. الإصابة ١/ ٣٢٦.
- (٣)بيضة البلد: يعني متفرداً، وهي كلمة يتكلم بها في المدح تارة وفي معنى القِلِّ أخرى، يقال: فلان بيضة البلد أي: أنه واحد في قومه، عظيم فيهم، وفلان بيضة البلد: يريد أنه ذليل ليس معه أحد. الروض ٤/ ٢١، وانظر ديوان حسان ٦٩، تحقيق: عبد أمهنا.
- (٤)الذي ذكره ابن إسحاق كما في ابن هشام (٢/ ٣٠٤- ٣٠٥) بسند صحيح كما ذكر ذلك ابن حجر في تعجيل المنفعة ١٢٨: أن صفوان ضرب حساناً بعد أن آذاه وهجاه بعد اتهامه في قصة الإفك. وأما ضربه في هذه فهي قبل حدوث قصة الإفك كما يفهم من سياق الرواية، ويمكن أن يقال بتعدد الحادثة.
-
فغضب سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل، وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم، فقال: ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة١، ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من كساك؟ كساه الله من ثياب الجنة" ٢.
قال: كساني سعد بن عبادة، وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذي ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعز منها الأذل، فأحصى الله عزوجل عليه ما قال وسمع زيد بن أرقم٣- رجل من بني الحارث بن الخزرج -
ج ٢ ص ٤٤١قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في ابن أبيّ، فإنه يقول آنفاً: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما اتبعه منهم رجل وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عباد بن بشر١ أخا بني عبد الأشهل، أو معاذ بن عمرو ابن الجموح٢ فليقتله، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله، فلما رأى ذلك عمر رضي الله عنه سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا٣ فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ٤ في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل، فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتقارّ في منزله لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟
- (١)الحلة: واحدة الحلل، وهي: برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. النهاية ١/ ٤٣٢.
- (٢)ذكر هذه القصة الحافظ في الإصابة ٢/ ١٩١ ولم أجدها في كتب الحديث.
- (٣)هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، استصغر يوم أحد، أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في الصحيح وهو الذي سمع عبد الله بن أبيّ يقول: ليخرجن الأعز منها الأذل، مات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين وقيل: ثمان وستين. الإصابة ٢/ ٥٦٠.
- (١)هو: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدراً، قال واستشهد باليمامة، وهو ابن خمس وأربعين سنة. الإصابة ٢/ ٢٦٣.
- (٢)هو: معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي، تقدم في مبحث غزوة بدر.
- (٣)أفاض القوم في الحديث يفيضون إذا اندفعوا فيه. النهاية ٣/ ٤٨٥.
-
فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال
ج ٢ ص ٤٤٢من ذلك شيئاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كان سبق منك قول شيء فتب" ، فجحد وحلف فوقع رجال بزيد بن أرقم، وقالوا: أسأت بابن عمك١ وظلمته، ولم يصدقك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم يسيرون رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرّي عنه فإذا هو زيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها حتى استشرف٢ القوم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما شأنه فقال: "أبشر فقد صدق الله حديثك" فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} ٣ إلى قوله: {وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} ٤ فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء٥ من طريق
ج ٢ ص ٤٤٣عُمَق١ سرح ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟
- (٤)أي يسكن ويقيم في منزله. النهاية ٤/ ٣٧.
- (١)ليس المراد أنه ابن عمه حقيقة، بل المراد أنه من قومه من الخزرج. انظر: ترجمته في الإصابة ٢/ ٥٦٠.
- (٢)استشرف: أصل الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف: العلو، أي يتطلعون إليه وينظرون. النهاية ٢: ٤٦٢.
- (٥)هكذا في الأصل [بقباء من طريق عمق] وعند البيهقي في الدلائل ٤/ ٥٩: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم [صنعاء من طريق عمان ... ] ، وعند ابن إسحاق [ابن هشام ٢/ ٢٩٢] : (ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع - يقال له: بقعاء - ... ) ويبدو لي أن هذا هو الصحيح، وأن كلمة (قباء) هنا محرفة من بقعاء. والله أعلم. والنقيع: وادٍ فحل من أودية الحجاز يقع جنوب المدينة ... أوله على بعد [٤٠] كيلاً، وأقصاه على قرابة [١٢٠] كيلاً قرب الفرع. معجم المعالم الجغرافية ٣٢٠.
- (٣)المنافقون، آية (٧) .
- (٤)المنافقون، آية (٨) .
- (١)العُمَق: موضع على جادة طريق مكة بين معدن بني سُلَيم وذات عرق، اللسان، عُمَق.
-
فزعموا أنه قال: "مات اليوم منافق عظيم النفاق٢ ولذلك عصفت وليس عليكم منها بأس إن شاء الله" وكان موته غائظاً للمنافقين.
قال جابر رضي الله عنهما: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ، وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم وفقدت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإبل، فسعى الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟
قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟
- (٢)ذكر ابن إسحاق أن اسمه: رفاعة بن زيد بن التابوت. ابن هشام ٢/ ٢٩٢، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ١٥٨، وهبوب الريح ذكرها مسلم عن جابر (شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٢٧) دون ذكر لاسم الغزوة أو ذكر لاسم الرجل، وذكره أحمد في المسند ٢٢/ ٢٧٦ رقم [١٤٣٧٨] أرناؤوط، وليس فيها أيضاً ذكر الغزوة.
- ج ٢ ص ٤٤٤
فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا الساعة.
-
فمكث المنافق معهم شيئاً ثم قام وتركهم فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع: "إن رجلاً من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم قد تعلق زمامها بشجرة" ١، فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعاً حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم أحد من مجلسه، فقال: أنشدكم بالله هل أتى منكم أحدٌ محمداً، فأخبره بالذي قلت؟
قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد.
قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أُسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه،
ج ٢ ص ٤٤٥فاستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون انه ابن اللّصيت١، ولم يزل - زعموا - يفسل٢ حتى مات".
- (١)ذكر ابن إسحاق هذه القصة من غير طريق الزهري، في غزوة تبوك، انظر: ابن هشام ٢/ ٥٢٣، وذكرها الواقدي في مغازيه: حدثني يونس بن محمد عن يعقوب بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، ثم ذكر المتن، انظر: المغازي ٣/ ١٠٠٩- ١٠١٠، وذكر ابن كثير نقلاً عن ابن إسحاق هذه القصة مقتصراً على ذكر نزول المطر وضياع ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر: البداية والنهاية ٥/ ٩.
- (١)هو زيد بن اللصيت القينقاعي، انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٥٣٣، ومغازي الواقدي ٣/ ١٠١٠، وأسد الغابة ٢/ ٢٩٨. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل، فذكر حديثاً طويلاً يتعلق بغزوة تبوك، ثم ذكر قصة ابن اللصيت، وقد تبعه في ذلك الواقدي كما تقدم ٣/ ١٠١٠، وابن جرير الطبري في التاريخ ٣/ ١٠٥- ١٠٦، وابن الأثير كما في أسد الغابة ٢/ ٢٩٨، وابن سيد الناس كما في عيون الأثر ٢/ ٢٩٥، وابن إسحاق قد صرح بالسماع فيظهر أن حديثه حسن، ولا مانع من تعدد القصة، والله أعلم.
- (٢)يفسل: الفسل: الرذل الذي لا مروءة له. القاموس ١٣٤٦، مادة (فسل) .
-
٦٦- وقال ابن أبي حاتم٣: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي٤ حدثني سلامة٥، حدثني عقيل أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو
ج ٢ ص ٤٤٦ابن ثابت الأنصاري١ أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة المريسيع٢، وهي التي هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها مناة الطاغية٣ التي كانت بين قفا المُشَلَّل٤ وبين البحر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فكسر
ج ٢ ص ٤٤٧مناة١، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز٢، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ٣ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع،
ج ٢ ص ٤٤٨فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب - وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب - فقال عبد الله بن أبيّ عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل١.
قال مالك بن الدُّخْشُن٢، وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا
ج ٢ ص ٤٤٩تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا١، فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أبيّ٢، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله" ؟ فقال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجلس) ، فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله" ؟
قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط
ج ٢ ص ٤٥٠أذنيه١.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس" ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آذنوا بالرحيل" فهجَّر٢ الناس فسار يومه وليلته والغد حتى مَتَعَ٣ النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أرسل عمر فدعاه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله" ؟
فقال عمر: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه٤، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً" ٥ وأنزل الله عزوجل: {هُمُ الذِيْنَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} ٦ إلى قوله تعالى:
ج ٢ ص ٤٥١{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ} ١ الآية، هكذا ساقه ابن كثير في تفسيره، ثم قال: وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.
- (٣)ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣٧١- ٣٧٢، وقد راجعت تفسير ابن أبي حاتم المطبوع حديثاً ولم أعثر عليه.
- (٤)هو: محمد بن عُزيز - بمهملة وزايين، مصغر - ابن عبد الله بن زياد، فيه ضعف، وقد تكلموا في صحة سماعه من عمه سلامة، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وستين، س ق، التقريب ٤٩٦ رقم (٦١٣٩) .
- (٥)هو: سلامة بن روح بن خالد أبو روح الأيلي، - بفتح الهمزة بعدها تحتانية - ابن أخي عقيل بن خالد يكنى أبا خَرْبَق - بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة مفتوحة، وقيل بصيغة التصغير -، صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه وإنما يحدث من كتبه، من التاسعة، مات سنة سبع - أو ثمان - وتسعين، حت س ق، التقريب ٢٦١ رقم (٢٧١٣) .
- (١)عمرو بن ثابت: صوابه عمر - بضم أوله -، انظر: التهذيب ٨/ ١٠، والتقريب ٤١٩ بقد رقم (٤٩٩٥) ، وهو عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة، من الثالثة، أخطأ من عده من الصحابة، م، التقريب ٤١٠ رقم (٤٨٧٠) .
- (٢)المريسيع: بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانية بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة، هو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم، فتح الباري ٧/ ٤٣٠. وكانت ديار بني المصطلق جهة (قُديد) وهي على بعد ١٢٠ كيلاً من مكة إلى جهة المدينة؟ انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٤٩، ويبعد ماء المريسيع عن ساحل البحر قرابة (٨٠) كيلاً تقريباً، المصدر السابق ص ٢٩١، وانظر: تحديد وتفصيل ديار بني المصطلق وخزاعة عموماً في رسالة (مرويات غزوة بني المصطلق) للشيخ إبراهيم القريبي من ص: ٥٣- ٥٨.
- (٣)مناة الطاغية: اسم صنم في جهة البحر مما يلي قديداً بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وكان الأزد وغسان يهلون له ويحجون إليه، معجم البلدان لياقوت الحموي ٥/ ٢٠٤، ومعجم المعالم الجغرافية ٣٠٣، وذكر أن موقعه كان في بلدة صَعْبَر اليوم بين رابغ وخليص.
- (٤)المُشَلَّل: - بضم الميم وفتح الشين المعجمة، وتشديد اللام الأولى - وهي ثنية تأتي أسفل قديد من الشمال إذا كنت في بلدة (صعبر) بين رابغ والقضيمة كانت المشلل مطلع الشمس مع ميل إلى الجنوب، وحرة المشلل هي التي تراها من تلك القرية سوداء مدلهمة، معجم المعالم ٢٩٨.
- (١)ذكر خالد بن الوليد في هذه الغزوة التي كانت سنة خمس وكسره لمناة غريب، فإن خالداً لم يكن أسلم بعد حيث ذكر ابن إسحاق إسلامه كان قُبيل فتح مكة، ابن هشام ٢/ ٢٧٧. وقد ورد عند البخاري في الصحيح أن خالداً كان على طليعة جيش قريش زمن الحديبية. انظر: الفتح ٥/ ٣٢٩، والحديبية سنة ست من الهجرة. ولعل أحد الرواة أدرجها هنا لذكر مناة الطاغية.
- (٢)بَهْز: إحدى قبائل بني سُليم، وهو: بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي ثم البهزي، انظر: أسد الغابة لابن الأثير ١/ ٤٥٦، ترجمة الحجاج بن عِلاط، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ٢٦٢، وتاج العروس للزبيدي ٤/ ١٠، ومعجم قبائل العرب لعمر كحالة ١/ ١١٠.
- (٣)انكفأ: أي مال ورجع. النهاية ٤/ ١٨٣.
- (١)كلام عبد الله بن أبيّ هذا قد ورد في الصحيحين. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٥٢ رقم (٤٩٠٧) ، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ١٢٠.
- (٢)الصواب: مالك بن الدخشم. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٣/ ٤٠٥ رقم (٢٢٩٢) ، وأسد الغابة ٥/ ٢٢، والإصابة ٣/ ٣٤٣. قال ابن عبد البر: "مالك بن الدخشم بن مالك بن الدخشم بن غَنم بن عوف بن عمرو بن عوف، شهد العقبة في قول ابن إسحاق وموسى والواقدي، قال أبو عمر: لم يختلفوا أنه شهد بدراً وما بعدها من المشاهد، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو، وكان يتهم بالنفاق، وهو الذي أسرَّ فيه الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" فقال الرجل: بلى، ولا شهادة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولئك الذين نهاني الله عنهم"، (الحديث أخرجه مسلم، كتاب الإيمان رقم ٥٤، وأحمد ١٩/ ٣٧٧- ٣٧٨ رقم [١٢٣٨٤] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٨٦٨٨) . قال ابن عبد البر: "والرجل الذي سارَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه هو: عتبان بن مالك، وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: ذُكر مالك بن الدخشم عند النبي صلى الله عليه وسلم فسبوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي"، (أخرجه البخاري في صحيحه، الفتح ٧/ ٢١ رقم (٣٦٧٣) ، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، رقم (٢٢٢) وغيرهما) . قال أبو عمر: لا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه. والله أعلم". أ. هـ. الاستيعاب ٣/ ٤٠٥- ٤٠٦.
- (١)الذي في الصحيحين أن الذي قال ذلك إنما هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٤٤ رقم (٤٩٠٠ و ٤٩٠٤) ، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ١٢٠.
- (٢)ورد في الصحيحين ما يشهد لهذا من حديث جابر وفيه: " ... فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه". البخاري مع الفتح ٨/ ٦٤٨ رقم (٤٩٠٥) ، ومسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٨.
- (١)القرط: نوع من حلي الأذن معروف، ويجمع على أقراط وقرطة، وأقرطة. النهاية ٤/ ٤١، والمراد أن يضرب عنقه.
- (٢)فهجَّر الناس: التهجير والتهجُّر، والإهجار؛ السير في الهاجرة، والهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار. النهاية ٥/ ٢٤٦.
- (٤)إلى هنا ورد نحوه عند ابن هشام ٢/ ٢٩٣، وزاد: قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري".
- (٣)متع النهار: إذا طال وامتد وتعالى. النهاية ٤/ ٢٩٣.
- (٥)تقدم أن في الصحيحين ما يشهد لذلك.
- (٦)سورة المنافقين، آية (٧) .
- (١)سورة المنافقين، آية (٨) .