المطلب الثاني: في تخذيل نعيم بن مسعود الأحزاب

فقرتان، ج ٢ ص ٥١٨

  1. ٨٤- قال الزهري١ في حديثه عن ابن المسيب: فبينا هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعاً لهما، فقال: إني كنت عند عيينة وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم٢، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلعلنا أمرناهم بذلك، وكان نعيم رجلاً لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عمر، فقال: يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فامضه، وإن كان رأياً منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليّ الرجل ردوه" ، فردوه فقال: "انظر

    ج ٢ ص ٥١٩الذي ذكرنا لك، فلا تذكره لأحد" فإنما أغراه، فانطلق حتى أتى عيينة وأبا سفيان، فقال: هل سمعتم من محمد يقول قولاً إلا كان حقاً؟

    1. (١)مصنف عبد الرزاق ٥/٣٦٨، رقم (٩٧٣٧) ، هذه الرواية علقها عبد الرزاق عن الزهري فهي ضعيفة، لكن يشهد لبعض ما جاء فيها ما أخرجه البخاري ومسلم كما سيأتي.
    2. (٢)بيضتهم: أي مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، بيضة الدار: وسطها ومعظمها. النهاية ١/ ١٧٢.
    ج ٢ ص ٥١٨
  2. قالا: لا، قال: فإني لما ذكرت له شأن قريظة، قال: فلعلنا أمرناهم بذلك، قال: أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكراً، فأرسل إلى بني قريظة، أنكم قد أمرتمونا أن نكتب وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئاً١، فقال أبو سفيان: إنكم في مكر من بني قريظة، فارتحلوا، وأرسل الله عليهم الريح وقذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم وقطعت أرسان٢ خيولهم، وانطلقوا منهزمين من غير قتال، قال: فذلك حين يقول: {وكفى اللهُ المؤمنين القِتَالَ وكانَ اللهُ قَوِيّاً عَزِيْزَاً} ٣.

    قال: فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلبهم، فطلبوهم حتى بلغوا حمراء

    ج ٢ ص ٥٢٠الأسد، قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم لأمته١، واغتسل واستجمر٢، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل: عذيرك٣ من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة؟ ولم نضعها نحن بعد، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً؛ فقال لأصحابه: "عزمت عليكم ألا تصلوا العصر٤ حتى تأتوا بني قريظة" ، فغربت الشمس قبل أن يأتوها، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلوا، وقالت طائفة: إنا لفي عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من بأس، فصلت طائفة إيماناً واحتساباً، وتركت طائفة إيماناً واحتساباً، قال: فلم يعنف النبي صلى الله عليه وسلم واحداً من الفريقين٥، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم

    ج ٢ ص ٥٢١فمر بمجالس بينه١ وبين بني قريظة، فقال: "هل مر بكم من أحد؟ "

    فقالوا: نعم، مر علينا دحية الكلبي٢ على بغلة شهباء٣ تحته قطيفة٤ ديباج٥، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس ذلك ولكنه جبريل، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب" ، فحاصرهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما انتهى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يستروه بِحُجُفِهم٦ ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا، فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير" ، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشاً٧، فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا

    ج ٢ ص ٥٢٢أن ينزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا على داء١، فأقبلوا بهم وسعد ابن معاذ أسيراً٢ على أتان٣، حتى انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستأمراً ينتظره فيما يريد أن يحكم به فيجيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يقول: انفر بما أنا حاكم وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بقول نعم، قال سعد: فإني أحكم بأن يقتل مقاتلتهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصاب الحكم" ٤، قال: وكان حيي بن أخطب استجاش٥ المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء لبني قريظة، فاستفتح عليهم ليلاً فقال سيدهم٦: إن هذا رجل مشؤوم فلا يشأمنكم حيي، فناداهم يا بني قريظة ألا تستجيبون؟ ألا تلحقوني؟ ألا تضيفوني؟ فإني جامع مغرور.

    فقالت بنو قريظة: والله لنفتحن له فلم يزالوا حتى فتحوا له، فلما دخل عليهم أُطُمَهم٧ قال: يا بني قريظة: جئتكم

    ج ٢ ص ٥٢٣في عز الدهر، جئتكم في عارض برد لا يقوم لسبيله شيء، فقال له سيدهم: أتعدنا عارضاً برداً؟ ينكشف عنا وتدعنا عند بحر دائم لا يفارقنا، إنما تعدنا الغرور، قال: فواثقهم وعاهدهم لئن انفضت جموع الأحزاب أن يجيء حتى يدخل معهم أطمهم، فأطاعوه بالغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فلما فض الله جموع الأحزاب انطلق حتى إذا كان بالروحاء١ ذكر العهد والميثاق الذي أعطاهم، فرجع حتى دخل معهم فلما أقبلت بنو قريظة أتى به مكتوفاً بِقَدٍّ٢، فقال حيي للنبي صلى الله عليه وسلم: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فضربت عنقه٣.

    1. (٢)أرسان: جمع رَسَن وهو الحبل الذي يقاد به البعير وغيره، يقال: رسنت الدابة وأرسنتها، النهاية ٢/ ٢٢٤.
    2. (١)السبت: الراحة والسكون، أو أصله من القطع ترك الأعمال، وسَبَتَتْ اليهود تسبت إذا أقاموا عمل يوم السبت، وقيل: سمي يوم السبت، لأن الله خلق العالم في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، وانقطع العمل فسمي اليوم السابع يوم السبت. النهاية ٢/ ٣٣١.
    3. (٣)سورة الأحزاب، آية (٢٥) .
    4. (١)تقدم التعريف بها في غزوة أحد.
    5. (٢)استجمر: بالجمر، إذا تبخر بالعود. اللسان (جمر) . وانظر ما يشهد لذلك في صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧.
    6. (٣)عذيرك: هو فعيل. بمعنى فاعل: أي هات من يعذرك فيه. النهاية ٣/ ١٩٧.
    7. (٤)يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه. الفتح ٧/ ٤٠٧ رقم (٤١١٩) ، ومسلم (١٧٧٠) إلا أنه ذكر الظهر بدلاً من العصر، وقد نقل ابن حجر جمع بعض العلماء بين الروايتين أي الرواية التي تذكر العصر والأخرى التي تذكر الظهر، والتي ذكرها مسلم في صحيحه فقال: "وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها، لا يصلين أحد العصر. الفتح ٧/ ٤٠٩.
    8. (٥)يشهد له ما رواه البخاري ومسلم. انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧- ٤٠٨ رقم (٤١١٩) ومسلم رقم (١٧٧٠) .
    9. (١)هذه المجالس مجالس بني (غَنْم) . انظر: الرواية رقم [٨٦] ص ٤٠٨، وانظر: البخاري رقم (٤١١٨) .
    10. (٢)هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج الكلبي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل أحد، ولم يشهد بدراً، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل عليه السلام ينزل على صورته، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة ١/ ٤٧٣- ٤٧٤.
    11. (٣)شهباء: الشهب: بياض بصدغه سواد. القاموس، مادة (شهب) .
    12. (٤)القطيفة: كساء له خَمْل ... ، القاموس، مادة (قطف) .
    13. (٥)الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم. فارسي معرب. النهاية ٢/ ٩٧.
    14. (٦)الحجف: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب، واحدتها حجفة. القاموس، مادة (حجف) .
    15. (٧)الفحش: القول القبيح. القاموس، مادة (فحش) .
    16. (١)هكا في المطبوع من المصنف.
    17. (٣)الأتان: أنثى الحمير. النهاية ١/ ٢١.
    18. (٥)استجاش: أي طلب لهم الجيش وجمعه عليهم. لسان العرب (جيش) .
    19. (٦)هو: كعب بن أسد. كما في رواية البيهقي الماضية. الدلائل ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧.
    20. (٧)الأطم: بالضم؛ الأبنية المرتفعة كالحصون. النهاية ١/ ٥٤.
    21. (٢)أسيراً: أي مُعْتَلاًّ. القاموس (أسر) .
    22. (٤)يشهد له ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رصي الله عنه وفيه: ( ... فقال: تُقْتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك) . البخاري مع الفتح ٧/ ٤١١ رقم ٤١٢١، ومسلم رقم (١٧٦٨) .
    23. (١)الروحاء: - بفتح الراء وسكون الواو والحاء المهملة -: اسم موضع من أعمال الفُرُع وتبعد عن المدينة (٧٥) كيلاً. معجم المعالم الجغرافية ١٤٣ و١٦٤.
    24. (٣)وانظر: تفسير عبد الرزاق ١/٨٤، وابن هشام ٢/ ٢٤١، ومغازي الواقدي ٢/ ٥١٦.
    25. (٢)القد: قطعة من الجلد. اللسان ٣/ ٢٨، مادة (قدد) .