المبحث الرابع: في أحداث الغزوة وشروط الصلح

١١ فقرة، ج ٣ ص ٥٧٧

  1. ٩٦- قال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.

    1. (١)سيرة ابن هشام ٢/٣٠٨-٣٢٠.
    ج ٣ ص ٥٧٧
  2. وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.

    قال الزهري: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، - قال ابن هشام: ويقال: بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور٢، وقد نزلوا بذي طُوى٣ يعاهدون الله

    ج ٣ ص ٥٧٨لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم١.

    قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ويح٢ قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) ٣. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟

    1. (٢)لبسوا جلود النمور: كناية عن شدة الحقد والغضب، تشبيهاً بأخلاق النمر وشراسته. النهاية ٥/١١٨.
    2. (٣)ذو طوى: وادٍ من أودية مكة، وهو اليوم في وسط عمرانها، من أحيائه: العتيبية، وجرول، و (بئر ذي طوى) لا زالت معروفة بجرول. معجم المعالم الجغرافية ١٨٨ والمعالم الأثيرة ١٧٦.
    3. (١)كُراع الغميم: يقع جنوب عسفان بستة عشر كيلاً على الجادة إلى مكة أي على بعد (٦٤) كيلاً من مكة، على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم. معجم المعالم الجغرافية (٢٦٣-٢٦٤) .
    4. (٢)ويح: كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها. النهاية ٥/٢٣٥.
  3. [قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل٤ بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب

    ج ٣ ص ٥٧٩إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ١ التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] ٢.

    قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش٣ في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا.

    1. (٤)الأجرل: كثير الحجارة، ومن رواه: أجرد: فمعناه: ليس فيه نبات. الإملاء المختصر في شرح غريب السير، لأبي ذر الخشني. ٣/٤٥، تحقيق: عبد الكريم خليفة.
    2. (٣)أو تنفرد هذه السالفة: السالفة: صفحة العنق، وانفرادها، كناية عن الموت. جامع الأصول ٨/٣٠٣.
    3. (٣)بين ظهري الحمش: - بإهمال الحاء وسكون الميم - تقع شمال ثنية المرار. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ١٠٦، ثم قال: وأرى صوابه (الحمض) لأن تلك الأرض تسمى الحمض لكثرة نبات العصلاء فيها. المصدر السابق.
  4. قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً٤ من أصحابه فنزل به في قليب من تلك

    ج ٣ ص ٥٨٠القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن١.

    قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟

    1. (١)يريد قوله تعالى لبني إسرائيل: {قُولُوا حِطَّةٌ} قال المفسرون: معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا. المصدر السابق.
    2. (٢)ما بين المعقوفتين: رواية مستقلة أدخلها ابن إسحاق في رواية الزهري الطويلة.
    3. (٤)عند ابن إسحاق أنه: ناجية بن جندب بن عمير، سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن هشام ٢/ ٣١٠. وذكر الواقدي: أن الرجل ناجية بن الأعجم، المغازي ٢/ ٥٨٧، وقال في مكان آخر: أن الرجل اسمه خالد بن عبادة، المغازي ٢/ ٥٨٩، وروى البيهقي عن موسى بن عقبة أنه: خالد بن عبادة، دلائل البيهقي. وذكر الواقدي: أنه البراء بن عازب، المغازي ٢/ ٥٨٩، وقيل: بريدة بن الخصيب، ذكره ابن حجر في الإصابة ٣/٦٢، وقال في الفتح ٥/ ٣٣٧: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره وعند البخاري رقم (٤١٥٠) من حديث البراء بن عازب في قصة الحديبية: (فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض، ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) . وأخرج مسلم نحوه من حديث سلمة بن الأكوع، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٥، قال الحافظ في الفتح: ويمكن الجمع بأن يكون الأمران معاً وقعا، وقد روى الواقدي (المغازي ٢/ ٥٨٨- ٥٨٩) من طريق أويس بن حولي: (أنه صلى الله عليه وسلم توضأ في الدلو ثم أفرغه فيها وانتزع السهم فوضعه فيها، وهكذا ذكره أبو الأسود في روايته عن عروة أنه صلى الله عليه وسلم تمضمض في دلو وصبه في البئر، ونزع سهماً من كنانته فألقاه فيها ودعا ففارت) . الفتح ٥/ ٣٣٧.
    4. (١)حتى ضرب الناس بعطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن إذا سقيت. النهاية ٣/ ٢٥٨.
  5. فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً

    ج ٣ ص ٥٨١لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم١، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.

    قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة٢.

    قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1. (١)وجبهوهم: أي استقبلوهم بما يكرهون. النهاية ١/ ٢٣٧. قال الحافظ ابن حجر: وإنما فعلوا ذلك لأنهم كانوا يعرفون ميل بديل وأصحابه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتح الباري ٥/ ٣٣٩.
    2. (٢)من قوله: قال الزهري: وكانت خزاعة ... إلى هنا، من كلام الزهري لا من جملة الحديث كما يدل على ذلك رواية أحمد فقد أخرج الحديث من طريق ابن إسحاق فلما وصل إلى هذا السياق قال: قال محمد: يعني ابن إسحاق قال الزهري: (وكانت خزاعة ... ) مسند أحمد ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط.
  6. ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه،

    ج ٣ ص ٥٨٢فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه١ من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.

    قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي.

    قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.

    1. (١)أكل أوباره: أي أكل صوفه. انظر: القاموس (وبر) .
  7. فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟

    قال: من هذا يا محمد؟

    قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي

    ج ٣ ص ٥٨٣لكافأتك بها، ولكن هذه بها.

    قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه، قال: والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن لا تصل إليك.

    قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك!

    قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟

    قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟

    قال الزهري: فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق١ بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فَرُوا رأيَكم.

    قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في

    ج ٣ ص ٥٨٤صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب عنّا أنه دخلها علينا عنوة أبداً.

    1. (١)البصاق: كغراب: ماء الفم إذا خرج منه. القاموس (بصق) .
  8. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل" .

  9. فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جري بينهما الصلح، فلما التأم١ الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.

    1. (١)فلما التأم: اللئم بالكسر الصلح والاتفاق. القاموس (لأم) .
  10. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟

    قال: (بلى) ، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: (بلى) ، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى) ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟

    قال: " أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني" .

    قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.

    قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه

    ج ٣ ص ٥٨٥فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب (باسمك اللهم) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتب باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو) ، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين١ يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيْبَة٢ مكفوفة٣ وأنه لا إسلال٤، ولا إغلال٥، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد

    ج ٣ ص ٥٨٦وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه "، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها" .

    1. (١)وقد قيل: إن مدة الهدنة كانت أربع سنين كما ذكر ذلك الطبراني في الأوسط ٨/ ٥١ رقم (٧٩٣٥) ، قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٤٦ "رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات"، وأخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ١٨٧١، قال الحافظ ابن حجر: "سنده ضعيف، وهو منكر مخالف للصحيح". فتح الباري ٥/ ٣٤٣.
    2. (٢)عيبة: مستودع الثياب. النهاية ٣/ ٣٢٧.
    3. (٣)مكفوفة: المشرجة المشدودة: أي بينهم صدر نفي من الغل والخداع، مطوي على الوفاء بالصلح، وقيل: أراد أن بينهم موادعة، ومكافَّة عن الحرب تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. النهاية ٣/ ٣٢٧.
    4. (٤)الإسلال: السرقة الخفية، وقيل: سل السيوف. النهاية ٢/ ٣٩٢.
    5. (٥)الإغلال: الخيانة، أو السرقة الخفية، وقيل: لبس الدروع. النهاية ٣/ ٣٨٠.
  11. فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه١، ثم قال: يا محمد قد لجت٢ القضية بيني وبينك، قبل أن يأتيك هذا.

    ج ٣ ص ٥٨٧قال: (صدقت) ، فجعل ينتره١ بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم" .

    قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ٢ الرجل بأبيه، ونفذت القضية، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو٣، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن

    ج ٣ ص ٥٨٨مسلمة١، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.

    قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهه ذلك قافلاً٢، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} ٣.

    1. (١)أخذ بتلبيبه: يقال: لببت الرجل ولبّبته إذا جعلت في عنقه ثوباً أو غيره وجررته به. وأخذت بتلبيبة فلان: إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه وقبضت عليه تجره. النهاية ٤/ ٢٢٣.
    2. (٢)قد لجت: أي وجبت. النهاية ٤/ ٢٣٣.
    3. (١)فجعل ينتره: النتر: جذب فيه قوة وجفوة. النهاية ٥/ ١٢.
    4. (٣)هو: عبد الله بن سهيل بن عمرو، أبو سهيل، أمه فاطمة بنت عامر بن نوفل بن عبد مناف، هاجر إلى الحبشة، ثم أخذه أبوه بعد أن رجع من الحبشة عن دينه، فأظهر الرجوع، وخرج معهم إلى بدر ففر إلى المسلمين وكان أحد الشهود بعد ذلك في صلح الحديبية، وكان أسن من أخيه أبي جندل، استشهد باليمامة وله ثمان وثمانون سنة. الإصابة ٢/ ٣٢٢- ٣٢٣.
    5. (٢)فضن الرجل بأبيه: الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة فعيلة بمعنى مفعولة، من الضِّن وهو ما تختصه وتضن به، أي تبخل لمكانه منك وموقعه عندك. النهاية ٣/ ١٠٤.
    6. (١)هو: محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، قال ابن سعد: شهد محمود أحداً والخندق والحديبية وخيبر وقتل يومئذ شهيداً. الإصابة ٣/ ٣٨٧.
    7. (٢)المقفل: مصدر قفل يقفل إذا عاد من سفره. النهاية ٤/ ٩٢- ٩٣.
    8. (٣)وأخرجه أحمد في المسند ٣١/ ٢١٢ رقم [١٨٩١٠] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٤٣٤، وأبو عبيد في الأموال رقم (٤٤٢) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم (٥٥١) ، وأبو داود ٣/ ٢١٠ رقم (٢٧٦٦) ، والطبري في التاريخ ٢/ ٦٢٠- ٦٢٩، والتفسير ٢٦/ ٩٥، والطبراني في الكبير ٢٠/ ١٥ رقم (١٤) ، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥٩، والبيهقي في السنن ٥/ ٢١٥، و٩/ ٢٢١، وفي الدلائل له ٤/ ١١١، ١١٢و ١٤٥، ١٥٠ و١٥٩- ١٦٠، كلهم عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم. قال ابن إسحاق: يقول الزهري: فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأَمِنَ الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. ابن هشام ٢/ ٣٢٢. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية، في ألف وأربعمائة، في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف، المصدر السابق ٢/ ٣٢٢.