المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.
٤ فقرات، ج ٣ ص ٦٩٧
- ج ٣ ص ٦٩٧
...
-
[المبحث الأول: في سبب هذه الغزوة.]
-
١٤٣- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ٢، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري٣، قالا: حدثنا أبو العباس٤ محمد بن يعقوب. قال: حدثنا أحمد٥ بن عبد الجبار، حدثنا يونس٦ بن بكير عن ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه من
ج ٣ ص ٦٩٨شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت١ خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً٢، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم، وثبوا على خزاعة الذين
ج ٣ ص ٦٩٩دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير١، قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوا معهم للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عمرو بن سالم٢ ركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشده إياها:
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا٣
كنا والداً وكنت ولدا٤ ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
ج ٣ ص ٧٠٠فانصر رسول الله نصرا أعتدا١ ... وادع عباد الله يأتوا مددا٢
فيهم رسول الله قد تجردا٣ ... إن سيم خسفاً وجهه تربدا٤
في فيلق٥ كالبحر يجري مزبدا٦ ... إنّ قريشاً أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدّا ... وزعموا أن لستُ أرجو أحدا
فهم أذلّ وأقلّ عددا ... قد جعلوا لي بكداءٍ٧ مرصدا٨
هم بيتونا بالوتير هجدا٩ ... فقتلونا ركعاً وسجدا
ج ٣ ص ٧٠١فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُصِرتَ يا عمرو بن سالم " ١.
- (١)دلائل النبوة (٥/ ٥- ٧) ، والسنن الكبرى له (٩/ ٢٣٣- ٢٣٤) ، وأسد الغابة (٤/ ٢٢٤) ، ترجمة عمرو بن سالم الخزاعي، نقلاً عن ابن إسحاق وقد ذكر السبب مختصراً، والبداية والنهاية ٤/ ٢٧٨- ٢٧٩، ونقلها ابن حجر في الإصابة ٢/ ٥٣٦، ترجمة عمرو بن سالم، وفي الفتح (٧/ ٥١٩)
- (٢)ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] .
- (٣)ثقة، تقدم في الرواية رقم [٨٤] .
- (٤)أبو العباس محمد بن يعقوب تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
- (٥)تقدم في الرواية رقم [٨٤] .
- (٦)تقدم في الرواية رقم [٢٠] .
- (١)الوثوب: النهوض والقيام. اللسان، مادة (وثب) .
- (٢)وعند الواقدي في المغازي (٢/ ٧٨٣) : " ... فلما دخل شعبان على رأس اثنين وعشرين شهراً من صلح الحديبية تكلمت بنو نفاثة من بني بكر ... "، وتبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٣٤) . وتحديد الواقدي باثنين وعشرين شهراً غير مسلم به، لأن الصلح الذي تم في الحديبية كان في ذي الحجة، وقد ذكر الواقدي أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية كان في يوم الاثنين لهلال ذي القعدة، المغازي (٢/ ٥٧٣) ، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٩٥) ، وذكر الواقدي أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالحديبية بضعة عشر يوماً، المغازي (٢/ ٦١٦) ، وقال أيضاً: ... قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من الحديبية في ذي الحجة سنة ست. المغازي (٢/ ٦٣٤) . فلو حسبنا المدة من وقت الصلح إلى نقض بني بكر العهد لوجدناها تسعة عشر شهراً ابتداءً من شهر محرم أول سنة سبع إلى نهاية شهر رجب من السنة الثامنة، ولو أدخلنا شهر ذي الحجة من السنة السادسة وشهر شعبان من السنة الثامنة - تجاوزاً - لحصلنا على واحد وعشرين شهراً، فتبقى رواية الزهري التي بين أيدينا هي الراجحة، وذلك لعدم ورود روايات ثابتة تحدد وقت نقض العهد من بني بكر، والله أعلم.
- (١)الوتير: - بفتح الواو وكسر المثناة تحت، وآخره راء - وهو موضع معروف جنوب غرب مكة على حدود الحرم يبعد عن مكة (١٦) كيلاً، وقد أطلق اليوم على حيز منه اسم (الكعكية) نسبة إلى الكعكي الذي تملك هذا الحيز منه، معجم المعالم الجغرافية (٣٣١) .
- (٢)هو: عمرو بن سالم بن حصين بن سالم بن كلثوم الخزاعي، قال ابن الكلبي وأبو عبيد والطبري: أن عمرو بن سالم هذا كان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم فتح مكة، الإصابة (٢/ ٥٣٦- ٥٣٧) .
- (٣)الأتلد: أي القديم، شرح السيرة للخشني (٣٦٧) ، والنهاية (١/ ١٩٤) ، والقاموس: (تلد) .
- (٤)هكذا في دلائل البيهقي، وفي سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٤) : قد كُنْتُمُ وُلْداً.... يريد أن بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية، الروض الأنف (٤/ ٩٧) .
- (١)أعتدا: أي حاضراً، شرح السيرة للخشني (٣٦٧) .
- (٢)الأمداد: جمع مدد، مدهم بالأعوان والأنصار. النهاية (٤/ ٣٠٨) .
- (٣)تجردا: أي شمر وتهيأ لحربهم، شرح السيرة، للخشني (٣٦٧) .
- (٤)تربدا: أي تغير إلى الغبرة. النهاية (٢/ ١٨٣) .
- (٥)الفيلق: الكتيبة العظيمة. النهاية (٣/ ٤٧٢) .
- (٦)يقال: بحر مزبد، أي مائج يقذف بالزبد، والزبد: الرغوة التي تعلو الماء، اللسان: زبد.
- (٨)رصده: أي رَقَبَهُ، القاموس (رصد) ، ويقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه. النهاية (٢/ ٢٢٦) .
- (٩)هُجَّدا: الهجد: المصلون بالليل، أو النيام، وهو من الأضداد. النهاية (٥/ ٢٤٤) ، وشرح السيرة للخشني (٣٦٧) .
- (٧)كداء: - بالتحريك والمد - هو ما يعرف اليوم بريع الحجون، يدخل طريقه بين مقبرتي المعلاة، ويفضي من الجهة الأخرى إلى حي العتيبية وجرول. معجم المعالم الجغرافية (٢٦١- ٢٦٢) .
-
فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مرت عنانة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب" ٢، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمّي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم٣.
- (٣)قال ابن حجر: "وقد روى البزار من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن أبي سلمة عن أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة في هذه القصة وهو إسناد حسن موصول" الفتح (٧/ ٥٢٠) . وقد نقل الهيثمي حديث أبي هريرة من رواية البزار وحكم عليه بالصحة، انظر: المجمع (٦/ ١٦٥) ، وكشف الأستار (٢/ ٣٤٢ رقم ١٨١٧) ، وأخرجه البيهقي عن حماد بن سلمة بسنده إلى أبي هريرة. دلائل النبوة (٥/ ١٣) ، وانظر البداية والنهاية (٤/ ٢٨٠) نقلاً عن البيهقي.
- (١)ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: ( ... لا نصرني الله إن لم أنصر بني كعب ... ) المسند (٧/ ٣٤٣ رقم [٤٣٨٠] ) وسنده حسن كما قال المحقق حسين أسد، وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى عن حزام بن هشام بن حبيش عن أبيه وقد وثقهما ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح، المجمع (٦/ ١٦٢) ، وأخرج الطبراني في الكبير (٢٣/ ٤٣٣) ، وفي الصغير (٢/ ٧٣- ٧٥) من حديث ميمونة بنت الحارث نحوه، إلا أن فيه: يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف، كما قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٣- ١٦٤) . وأخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٣٩٥) بدون إسناد، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٣٤) ، بدون إسناد والطبري في تاريخه (٣/ ٤٥) .
- (٢)ورد نحوه من رواية أبي الأسود عن عروة (انظر: المغازي للذهبي (٥٢٨) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/ ٤٨٥- ٤٨٦) ، من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: كنت مع أبي إسحاق فيما بين مكة والمدينة فسَايَرَنَا رجل من خزاعة، فقال له أبو إسحاق: كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رعدت هذه السحابة بنصر بني كعب ... الحديث، وفيه جهالة الرجل الخزاعي.