قريش تستعلم الخبر من عبد الله بن أبي سلول

٥ فقرات، ج ١ ص ٥٠٥

  1. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن بكر: أنهم أتوا عبد الله بن أبي سلول، فقالوا له مثل ما قال كعب من القول، فقال لهم: إن هذا الأمر جسيم، ما كان قومي ليتفوتوا علي بمثل هذا، وما علمته كان. قال: فانصرفوا عنه.

    ج ١ ص ٥٠٥
  2. قريش تأسر سعد بن عبادة: قال: ونفر الناس من منى، فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان، وخرجوا في طلب القوم، فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر، والمنذر بن عمرو، أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وكلاهما كان نقيبا. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فأخذوه، فربطوا يديه إلي عنقه بنسع رحله، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، ويجذبونه بجمته، وكان ذا شعر كثير.

  3. خلاص سعد: قال سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش، فيهم رجل وضيء أبيض، شعشاع، حلو من الرجال.

  4. (قال ابن هشام: الشعشاع الطويل الحسن. قال رؤبة؛ يمطوه من شعشاع غير، مودن يعني: عنق البعير غير القصير، ويقول: مودن اليد، أي ناقص اليد) .

    قال: فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، قال: فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة. قال: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممّن كان معهم فقال ويحك! أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قال: قلت: بلى، والله، لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف تجارة وأمنعهم ممّن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قال: ويحك! فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما، فوجدهما في المسجد عند الكعبة، فقال لهما: إن رجلًا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف بكما، ويذكر أن بينه وبينكما جوار، قالا: ومن هو؟ قال سعد بن عبادة، قالا: صدق الله، إن كان ليجير لنا تجارتتا، ويمنعهم أن

    ج ١ ص ٥٠٦يظلموا ببلده. قال: فجاءا فخلصا سعدا من أيديهم، فانطلق. وكان الذي لكم سعدًا سهيل بن عمرو، أخو بني عامر بن لؤي.

    قال ابن هشام: وكان الرجل الذي أوى إليه، أبا البختري بن هشام.

    قال ابن إسحاق: وكان أول شعر قيل في الهجرة بيتين، قالهما ضرار بن الخطاب ابن مرداس، أخو بني محارب بن فهر.

    تداركت سعدا عنوة فأخذته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا

    ولو نلته طلت هناك جراحه ... وكان حريًا أن يهان ويهدرا

    قال ابن هشام: وروى: وكان حقيقيا أن يهان ويهدرا

    قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت فيهما فقال:

    لست إلى سعد ولا المرء منذر .... إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا

    فلولا أبو وهب لمرت قصائد ... على شرف البرقاء يهوين حسرا

    أتفخر بالكتان لما لبسته ... وقد تلبس الأنباط ريطا مقصرا

    فلا تك كاوسنان يحلم أنه ... بقرية كسرى أو بقرية قيصرا

    ولا تك كالثكلى وكانت بمعزل ... عن الثكل لو كان الفؤاد تفكرا

    ولا تك كالشاة التي كان حتفها ... بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا

    ولا تك كالعاوى فأقبل نحره ... ولم يخشه سهما من النبل مضمرا

    فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا

    عن أبي إسحق السبيعي، وعن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن عمر عن عقيل بن أبي طالب ومحمَّد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن الزهري، أن العباس ابن عبد المطلب وهو يكلم النقباء ويكلمونه. فعرف صوت النبي صلى الله عليه وسلم. فنزل وعقل راحلته ثم قال لهم: يا معشر الأوس والخزرج، هذا ابن أخي، وهو أحب الناس إلي. فإن كنتم صدقتموه وآمنتم به وأردتم إخراجه معكم، فإني أريد أن آخذ عليكم موثقًا تطمئن به نفسي ولا تخذلوه ولا تغروه، فإن جيرانكم اليهود وهم له عدو، ولا آمن مكرهم عليه. فقال أسعد بن زرارة -وشق عليه قول العباس حين اتهم عليه أسعد وأصحابه-: يا رسول الله، ائذن لنا فلنجبه غير مخشنين لصدرك ولا

    ج ١ ص ٥٠٧متعرضين لشيء مما تكره، إلا تصديقًا لإجابتنا إياك وإيمانًا بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه غير متهمين. فقال أسعد بن زرارة. وأقبل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن لكل دعوة سبيلا إن لينًا وإن شدة. وقد دغوتنا اليوم إلي دعوة متهجمة للناس متوعرة عليهم. دعوتنا إلى ترك ديننا واتباعك على دينك، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. ودعوتنا إلى قطع ما بيننا وبين الناس من الجوار والأرحام القريب والبعيد، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. ودعوتنا، ونحن جماعة في دار عز ومنعة لا يطمع فينا أحد، أن يرؤس علينا رجل من غيرنا قد أفرده قومه وأسلمه أعمامه، وتلك رتبة صعبة، فأجبناك إلى ذلك. وكلُّ هؤلاء الرتب مكروهة عند الناس، إلا من عزم الله له على رشده، والتمس الخير في عواقبها، وقد أجبناك إلى ذلك بألسنتنا وصدورنا إيمانًا بما جئت به، وتصديقًا بمعرفة ثبتت في قلوبنا. نبايعك على ذلك ونبايع الله ربنا وربك يد الله فوق أيدينا. ودماؤنا دون دمك وأيدينا دون يدك، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، فإن نف بذلك فبالله نفي ونحن به أسعد، وإن نغدر فبالله نغدر ونحن به أشقى. هذا الصدق منا يا رسول الله، والله المستعان. ثم أقبل على العباس بن عبد المطلب بوجهه فقال: وأما أنت أيها المعترض لنا بالقول دون النبي صلى الله عليه وسلم، فالله أعلم ما أردت بذلك. ذكرت أنه ابن أخيك وأنه أحب الناس إليك. فنحن قد قطعنا القريب والبعيد وذا الرحم، ونشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسله من عنده، ليس بكذاب.

  5. وأن ما جاء به لا يشبه كلام البشر. وأما ما ذكرت أنك لا تطمئن إلينا في أمره حتى تأخذ مواثيقنا، فهذه خصلة لا نردها على أحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخذ ما شئت. ثم التفت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله خذ لنفسك ما شئت. واشترط لربك ما شئت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أشترط لربي -عَزَّ وجَلَّ- أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم. قالوا: فذلك لك يا رسول الله.