الباء

٩ فقرات، ج ١ ص ١٥٩

  1. الباء يجيء إمّا متعلّقا بفعل ظاهر معه، أو متعلّقا بمضمر، فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان:

    - أحدهما: لتعدية الفعل، وهو جار مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية، نحو: ذهبت به، وأذهبته. قال تعالى: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان/ ٧٢] .

    ج ١ ص ١٥٩
  2. - والثاني: للآلة، نحو: قطعه بالسكين «٥» .

  3. والمتعلّق بمضمر يكون في موضع الحال، نحو: خرج بسلاحه، أي: وعليه السلاح، أو:

    معه السلاح. وربما قالوا: تكون زائدة، نحو:

    وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ،

    ج ١ ص ١٦٠وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء/ ٤٧] ، وفي كل ذلك لا ينفكّ عن معنى، ربما يدقّ فيتصور أنّ حصوله وحذفه سواء، وهما في التحقيق مختلفان، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو، فقوله: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يوسف/ ١٧] ، فبينه وبين قولك: (ما أنت مؤمنا لنا) فرق، فالمتصوّر من الكلام إذا نصبت ذات واحدة، كقولك: زيد خارج، والمتصور منه إذا قيل: (ما أنت بمؤمن لنا) ذاتان، كقولك: لقيت بزيد رجلا فاضلا، فإنّ قوله: رجلا فاضلا- وإن أريد به زيد- فقد أخرج في معرض يتصوّر منه إنسان آخر، فكأنه قال: رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل.

  4. وعلى هذا: رأيت بك حاتما في السخاء، وعلى هذا: وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء/ ١١٤] ، وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر/ ٣٦] .

  5. وقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون/ ٢٠] قيل معناه: تنبت الدهن، وليس ذلك بالمقصود، بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن، أي: والدهن فيه موجود بالقوة، ونبّه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه. وقيل: الباء هاهنا للحال «١» ، أي:

    حاله أنّ فيه الدهن.

  6. والسبب فيه أنّ الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان، وقوله: وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [الفتح/ ٢٨] ، فقيل: كفى الله شهيدا نحو: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب/ ٢٥] الباء زائدة، ولو كان ذلك كما قيل لصحّ أن يقال:

    كفى بالله المؤمنين القتال، وذلك غير سائغ، وإنما يجيء ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال كما تقدّم ذكره. والصحيح أن (كفى) هاهنا موضوع موضع اكتف، كما أنّ قولهم: أحسن بزيد، موضوع موضع ما أحسن. ومعناه: اكتف بالله شهيدا، وعلى هذا وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً [الفرقان/ ٣١] ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء/ ١٣٢] ، [الأحزاب/ ٤٨] ، وقوله: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت/ ٥٣] ، وعلى هذا قوله: حبّ إليّ بفلان، أي: أحبب إليّ به.

  7. وممّا ادّعي فيه الزيادة: الباء في قوله:
  8. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥] ، قيل تقديره: لا تلقوا أيديكم، والصحيح أنّ معناه: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة «١» ، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصدا إلى العموم، فإنه لا يجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة.

    وقال بعضهم: الباء بمعنى (من) في قوله:

    عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [المطففين/ ٢٨] ، عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٢» [الإنسان/ ٦] ، والوجه ألا يصرف ذلك عمّا عليه، وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه، نحو: نزلت بعين، فصار كقولك: مكانا يشرب به، وعلى هذا قوله تعالى:

    فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران/ ١٨٨] أي: بموضع الفوز. والله تعالى أعلم.

    ج ١ ص ١٦١
  9. تمّ كتاب الباء