فصل الألف والتاء

١٣ فقرة، ج ١ ص ٥٤

  1. أت ي:
  2. الإِتْيانُ: قيل: هو المجيءُ مطلقًا، وقيل: بسهولةٍ. ومنه قيلَ للسَّيلِ المارِّ على وجهه: أَتيٌّ وأَتاوِيٌّ. وأنشدَ للنابغة: [من البسيط]

  3. ١٩ - خَلَّتْ سَبيلَ أَتيٍّ كان يَبسُهُ

    وقيلَ: سَيلٌ أتيٌّ جاءَ ولم يَجئْك مطرهُ. ويقالُ: أتَّيتُ الماءَ بالتشديد أي أصلحتُ مَجراهُ حتى يجريَ إِلى مقاصدهِ. وفي حديثِ ظَبْيانَ الوافدِ وقد ذكر ثمودَ وبلادَهم فقالَ: «وأتَّوا جَداولَها» أي سهَّلوا طريقَ الماءِ إليها. وقيلَ للغريبِ: أتاويٌّ، تشبيهًا بذلك، وفي الحديث: «إنَّما هو أَتيٌّ فينا» وفي حديثِ عثمانَ رضي الله تعالى عنه: «إِنّا رجلانِ أتاويّان» ويعبَّرُ به عن الإِعطاءِ، قال تعالى: {آتيناهُم مُلكًا} [النساء: ٥٤] {وآتَينا داودَ زَبورًا} [النساء: ١٦٣] . وقُرئَ: {آتوني زُبَرَ الحَديدِ} [الكهف: ٩٦] . بالمدّ والقصرِ، أي أعطوني أو جيئوني. الإِيتاء: خُصَّ بدفْعِ الصَّدقةِ في القرآن دونَ الإِعطاءِ. قال تعالى: {ويُؤتُون الزَّكاةَ} [الأعراف: ١٥٦] . ويقالُ: أرضٌ كثيرةُ الإِتاءِ، أي الرَّيعِ. والإتاوةُ: الخراجُ. ويُسندُ الإِتيانُ للباري تعالى، كما أُسندَ إِليه المجيءُ على معنىً يليقُ بجلالهِ، أو على حذفِ مضافٍ، كقولهِ: {أو يأتيَ أمرُ ربِّكَ} [النحل: ٣٣] كما صرَّح به في قولهِ: أتى أمرُ اللهِ} [النحل: ١] . وكذا {فأتَى اللهُ بُنيانَهُم}

  4. [النحل: ٢٦] . أي بأمرِه.

    ج ١ ص ٥٥
  5. وقولُه: «أتى» ، بصيغة الماضي ليخصَّ الوقوعَ، فكأنَّه قد أتى ووقعَ. وقال نِفْطويه: تقولُ: أتاكَ الأمرُ، وهو متوقَعٌ بعدُ، أي أتى أمرُ الله وعدًا فلا تستعجلوه وقوعًا. وقال ابنُ الأنباريِّ في قوله: {فأتى اللهُ بنيانَهم} : فأتى اللهُ مكرَهُم من أجلهِ، أي عادَ ضررُ المكرِ عليهم. وهل هذا مجازٌ أو حقيقةٌ؟ والمرادُ به نمرودُ وصَرْحُه خلافٌ.

  6. ويعبَّر بالإتيانِ عنِ الهلاكِ؛ قال تعالى: {فأتاهُمُ اللهُ من حيثُ لم يُحتَسبِوا} [الحشر: ٢] . ويقال: أُتِيَ فلانٌ من مَأمنهِ، أي جاءَه الهلاكُ من جهةِ أمْنه. وقولهُ: {فآتَتْ أُكُلَها} [البقرة: ٢٦٥] . أي أعطتْ، والمعنى: أثمرتْ ضِعْفَيْ ما يُثمرُ غيرُها من الجنان.

  7. وقوله: {وآتاهُم تَقْواهَم} [محمد: ١٧] . أي أعطاهم جزءَ اتِّقائهم. وقولُه: {إلى الهُدى ائْتِنَا} [الأنعام: ٧١] أي بايعْنا على ملَّتنا. وقوله: {بأتِ بصيرًا} [يوسف: ٩٣] . أي بَعد، كقولهِ: {فارتَدَّ بَصيرًا} [يوسف: ٩٦] .

  8. والمِيتاءُ من قولهم: طريقٌ ميتاءٌ من ذلك، فهو مِفعال من الإِتْيان. وفي الحديث: «لولا أنه طريقٌ ميتاءٌ لحزنَّا عليكَ يا إِبراهيمُ» ، أي أن الموتَ طريقٌ مسلوكٌ. وما أحسنَ هذهِ الاستعارةَ وأرشقَ هذه الإشارةَ وقال شمرٌ: ميتاءُ الطريقِ ومبدؤهُ: مَحجَّتُه. وفي الحديثِ أيضًا: «ما وجدتَ في طريقٍ ميتاءٍ فعرِّفْهُ سَنَةً» . والإِتيانُ: يقالُ للمجيءِ بالذاتِ وبالأمرِ والتدبيرِ، وفي الخيرِ والشرِّ. ومن الأولِ قولُه: [من المتقارب]

  9. ٢٠ - أَتَيتَ المروءةَ من بابِها

    وقولُه: {يأتينَ الفاحِشةَ} [النساء: ١٥] . أي يتلبَّسون بها. فاستعمالُ الإتيانِ هنا كاستعمالِ المجيءِ في قولهِ: {لقد جئتِ شَيئًا فَرِيًّا} [مريم: ٢٧] . ويُكنى بالإِتيانِ عن الوطْءِ. ومنه: أتَى امرأته. وقولُه: {أتأتُون الذُّكْرَانَ} [الشعراء: ١٦٥] {أئِنَّكُم لتأتونَ الرِّجالَ} [النمل: ٥٥] . من ذلك، وهو من أحسنِ الكنايات.

    ج ١ ص ٥٦
  10. ويقالُ: «أتَيتُه وأَتَوْتُه. ومنه يقالُ للسِّقاء إذا مُخِضَ وجاءَ زُبْدُه: قد جاءَ أَتْوُهُ.

  11. وحقيقتُه: جاءَ ما مِن شأنِه أن يأتيَ منهُ، فهو مصدرُ معنى». قالوا: «وكلُّ موضعٍ ذُكرَ في وصفِ الكتاب «آتَينا» فهو أبلغُ من كلِّ موضعٍ ذُكير في وصفهِ «أوتوا» ، لأنَّ «أُوتوا» قد يقالُ في مَن أُوتيَ، وإِن لم يكن معَه قَبولٌ. و «آتَينا» يقالُ في مَن كانَ معَه قبول».

  12. وقولُه: {فلنأتيَّنهُم بجنُود} [النمل: ٣٧] : فلنجيئنَّهم. وقولُه: {كانَ وَعْدُهُ مأتيًّا} [مريم: ٦١] بمعنى آتٍ كَسيلٍ مُفعَمٍ بمعنى مُفعِم، وحجابًا ساترًا. والثاني أنه على بابهِ، لأنه يقالُ: أتاني الأمرُ وأتَيتُه. فهذا من قولهم: أتيتُ الأمرَ، قالَه الراغبُ. وقال الهرويُّ: يقال: أتاني خبرُه وأتيتُ خَبرَه.

  13. وقولُه: {يؤتونَ ما آتَوْا} [المؤمنون: ٦٠] أي يتصدَّقون بأيِّ صدقةٍ قليلةً

    ج ١ ص ٥٧كانت أو كثيرةً، لذلك أَبهمها اللهُ تعالى، وما أوقعَ هذا في نفسِ مَن له أدنى ذوقٍ حتى لو صرَّح بجميعِ أنواعِ الصدقةِ على اختلافها لم يقعْ موقعَ هذا الإِبهام.