فصل الباء والغين

١٨ فقرة، ج ١ ص ٢١١

  1. ب غ ت:
  2. البغت: مجيء الشيء على غفلةٍ من حيث لا يحتسب. والبغتة كذلك، قال تعالى: } حتى إذا جاءتهم الساعة بغتًة { [الأنعام: ٣١] أي فاجأتهم من غير علمٍ لهم بمجيئها. ويقال: بغته الشيء بغتًا وبغتًة يبغت فهو باغت. قال الشاعر: [من الطويل]

    ١٧٥ - إذا بغتت أشياء قد كان قبلها ... قديمًا فلا تعتدها بغتات

    وبغت: يكون قاصرًا كما تقدم ومتعديًا. يقال: بغته الأمر يبغته بغتًا، وباغته ساعًة مباغتًة. كما يقال: فجأه الأمر يفجؤه فجًا، وفاجأه يفاجئه مفاجأة. وقال يزيد بن ضبة الثقفي: [من الطويل]

    ١٧٦ - ولكنهم ماتوا ولم أدر بغتًة ... وأفظع شيءٍ حين يفجؤك البغت

    وقوله: } أخذناهم بغتًة { [الأنعام: ٤٤] يجوز نصبها من أوجهٍ: أحدها أنها حال

    ج ١ ص ٢١٢من الفاعل أي باغتين، أو من المفعول أي مبغوتين، وإما على المصدر من معنى عامله كأنه أخذ بغتًة.

  3. ب غ ض:
  4. البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه. وهو ضد الحب، فإن الحب استئناس النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه. وقوله: } قد بدت البغضاء من أفواههم { [آل عمران: ١١٨] إشارة إلى ما يظهر من أثرها على ألسنتهم حيث يتكلمون بما يدل عليها، وإلا فالبغضاء أمر معنوي محلها القلب.

  5. وقوله: } إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء { [المائدة: ٩١] إشارة إلى ما يحدث عند شرب الخمر من الأفعال والأقوال المؤدية إلى الإحن والشحناء وهي البغضاء. وفي الحديث: "ولا تباغضوا" يقال: أبغضته أبغضه إبغاضًا، فأنا مبغضه. وعلى هذا فالبغض اسم المصدر كالعطاء بمعنى الإعطاء.

  6. ونقل الراغب أنه يقال: بغض الشيء بغضًا، وبغضته بغضاء، فاقتضى ذلك أن يقال: بغضت زيدًا، ثلاثيًا متعديًا. فالبغض مصدر بنفسه. وفي الحديث: "أن الله يبغض الفاحش المتفحش" وتأويله البعد من فيضه وتوفيق إحسانه منه.

  7. ب غ ل:
  8. قال تعالى: } والخيل والبغال والحمير { [النحل: ٨] .

  9. والبغال: جمع بغلٍ، وهو المتولد من بين الحمار والفرس. فتارًة يكون أبوه حمارًا وأمه فرسًا، وتارًة بالعكس. وهو أقوى الحيوانين، وخص بعدم التناسل، ولقوته

    ج ١ ص ٢١٣وخبئه قيل في وصف النذل من الناس: هو بغل. ولقوته شبه به البعير في سرعة سيره، فقيل: قد تبغل البعير يتبغل تبغلاً فهو متبغل. وما أغرب ما اتفق أن وقع هذا الجنس بين الجنسين المتولد هو منهما في اللفظ. فقال: } والخيل والبغال والحمير {، وقدم أشرف طرفيه وهو الخيل.

  10. ب غ ي:
  11. طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى؛ تجاوزه أو لم يتجاوزه. وقوله تعالى: } ومن يبتغ غير الإسلام دينًا { [آل عمران: ٨٥] هو افتعال من البغي بمعنى الطلب. وأكثر استعمال البغي في الأشياء المذمومة، لاسيما إذا أطلق نحو: زيد بغى. وقد بغى زيد على عمروٍ.

  12. وقال الراغب بعد ما ذكر أن البغي طلب تجاوزٍ في الاقتصاد: فتارًة يعتبر في القدر الذي هو الكمية، وتارًة يعتبر في الوصف الذي هو الكيفية. فيقال: بغيت وابتغيت أي طلبت أكثر مما يجب. وكل موضعٍ ذكر فيه البغى فلابد من معنى المجاوزة فيه، كقولهم: بغت المرأة أي تجاوزت في الفجور الحد. فقال تعالى: } ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء { [النور: ٣٣] أي على الفجور لأنهن جاوزن ما ليس لهن.

  13. وبغى الجرح: إذا تجاوز حد الفساد: وبغت السماء: تجاوزت الحد في المطر. وبغى زيد أي أفسد، إذا تجاوز ما ليس له تجاوزه، ومنه قول ذلك: } ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله { [الحج: ٦٠] . وأنشد المأمون حين بغى عليه أخوه الأمين: [من البسيط]

    ١٧٧ - يا طالب البغي إن البغي مصرعه ... فارتع فخير فعال المرء أعدله

    فلو بغى جبل يومًا على جبلٍ ... لا ندك منه أعاليه وأسفله

    وقال آخر: [من الكامل]

    ١٨٠ - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم

    ج ١ ص ٢١٤وقال الراغب: "والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو يتجاوز الحق إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع. والثاني مذموم، وهو تجاوز الحق إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشبه، كما قال: " الحق بين والباطل بين وبين ذلك أمور مشتبهات " " ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه " ولأن البغي قد يكون محمودًا ومذمومًا قال تعالى:} إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق { [الشورى: ٤٢] ، فخص العقوبة بمن بغيه بغير الحق" .

    قال الحباني: أصل البغي الحسد، وسمي الظلم بغيًا لأن الحاسد ظالم. قلت: هو داخل في قولنا مجاوزة الحد، لأن الحاسد تجاوز ما ليس ليه. واستدل على أن البغي الحسد بقوله: } إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم { [الشورى: ١٤] . وقيل: البغي: الاستطالة على الناس والكبر. ومنه قوله تعالى: } إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق { [الأعراف: ٣٣] .

  14. وقوله: } يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم { [يونس: ٢٣] أي وبال بغيكم راجع عليكم. وقوله: } إذا هم يبغون { [يونس: ٢٣] أي يفسدون. وقوله: } غير باغٍ ولا عادٍ { [البقرة: ١٧٣] أي غير متعد ما حد له. وقال ابن عرفة: } غير باغٍ {غير طالبها وهو عند غيرها.} ولا عادٍ {أي غير متعدٍ ما حد له. الأزهري: } غير باغٍ {أي غير ظالمٍ بتحليل ما حرم الله تعالى،} ولا عادٍ {أي غير متجاوز للقصد. مؤرج السدوسي: أي لا يبتغي فيأكله غير مضطر إليه ولا عادٍ أي لا يعدو شبعه. وقيل: غير باغٍ أي غير خارجٍ على الإمام، ولا عادٍ أي بقطع طريقٍ ونحوه، أي فهذا لا يرخص له في ذلك.

    ج ١ ص ٢١٥وقال الحسن: "غير متناولٍ للذةٍ، ولا متجاوزٍ سد الجوعة" . وقال مجاهد: "غير باغٍ على إمامٍ ولا عادٍ في المعصية طريق الحق" . وقيل: } غير باغٍ {أي غير طالبٍ ما ليس له طلبه، ولا متجاوزٍ لما رسم له.

  15. وقولهم: بغى بمعنى تكبر، راجع إلى ما قدمته، فإنه تجاوز منزلته إلى ما ليس له تجاوزه. وقد فرقوا بين بغيتك وأبغيتك، فقالوا: بغيتك أي بغيته لك، ومنه قوله تعالى: } يبغونكم الفتنة { [التوبة: ٤٧] . وأبغيتك: أعنتك على البغاء، أي على طلبه.

  16. "وابتغى: مطاوع بغى، فإذا قيل: ينبغي أن يكون هكذا فهو باعتبارين، أحدهما ما يكون مسخرًا للفعل نحو: النار ينبغي أن تحرق الثوب. والثاني بمعنى الاستئهال نحو: فلان ينبغي أن يعطي لكرمه، وعلى المعنيين جاء قوله تعالى: } وما علمناه الشعر وما ينبغي له { [يس: ٦٩] أي لا يتسخر ولا يتسهل له" . قال الراغب: ألا ترى أن لسانه لم يكن يجري به؟. قلت: ولذلك كان إذا تمثل بشيءٍ من الشعر أتى به على غير نظمه. كما يحكي أنه تمثل بقول طرفة فقال: [من الطويل]

    ١٧٩ - ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار

    فلقنه أبو بكرٍ: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فلم يقله. وقد نقل أنه تكلم بشيءٍ على سبيل الاتفاق، وقد أتقنا هذه المسألة - وخلاف الناس في أنه هل كان مصروفًا عن ذلك بطبعه، أو كان في قدرته ولكن لم يقله - في كتابنا "التفسير الكبير" .

  17. وابتغى: افتعلٍ من البغي. وقد غلب اختصاصها للاجتهاد في الطلب؛ فإن كان ذلك المطلوب محمودًا فابتغاؤه كذلك وكذا عكسه. فقوله: } ابتغاء رحمةٍ من ربك ترجوها { [الإسراء: ٢٨] محمود. وقوله: } لقد ابتغوا الفتنة من قبل { [التوبة: ٤٨] مذموم. وقولهم: ما أنبغي لك، وما أبتغي لك كذا، أي ما يصلح ولا يتسهل.

  18. وقوله عليه السلام: "لا يتبيغ بأحدكم الدم فيقتله" . قال الكسائي: هو من البغي. فقلت: ومعناه هيجان الدم. ويجمع باغٍ على بغاةٍ وهو قياسه، كعارٍ وعراةٍ، ورامٍ ورماةٍ، وعلى بغيان. وفي الحديث: "فانطلقوا بغيانًا" ، وذلك نحو راعٍ ورعيان، والأول هو القياس: قال: [من الوافر]

    ١٨٠ - وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق

    ج ١ ص ٢١٦