مقدمة في حقيقة النسخ وشرائطه وأماراته
٣٠ فقرة، ج ١ ص ٦
- ج ١ ص ٦
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: الْأَصْلُ فِيهِ النَّسْخُ، وَهُوَ أَنْ يُحَوَّلَ مَا فِي الْخَلِيَّةِ مِنَ الْعَسَلِ وَالنَّحْلِ فِي أُخْرَى، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَا مِنْ نُبُوَّةٍ إِلَّا وَتَنَاسَخَتْهَا فَتْرَةٌ ثُمَّ النَّسْخُ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الزَّوَالُ عَلَى جِهَةِ الِانْعِدَامِ.
-
وَالثَّانِي: عَلَى جِهَةِ الِانْتِقَالِ.
-
أَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى الْإِزَالَةِ فَهُوَ أَيْضًا عَلَى نَوْعَيْنِ:
نَسْخٌ إِلَى بَدَلٍ: نَحْوَ قَوْلِهِمْ: نَسَخَ الشَّيْبُ الشَّبَابَ، نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، أَيْ: أَذْهَبَتْهُ وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ.
-
وَنَسْخٌ إِلَى غَيْرِ بَدَلٍ: إِنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ وَإِبْطَالُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقِيمَ لَهُ بَدَلًا، يُقَالُ: نَسَخَتِ الرِّيحُ الْآثَارَ، أَيْ: أَبْطَلَتْهَا وَأَزَالَتْهَا.
-
وَأَمَّا النَّسْخُ بِمَعْنَى النَّقْلِ فَهُوَ نَحْوَ قَوْلِكَ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ إِذَا نَقَلْتَ مَا فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ إِعْدَامُ مَا فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الصُّحُفِ، وَمِنَ الصُّحُفِ إِلَى غَيْرِهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنَ النَّسْخِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ إِبْطَالُ الْحُكْمِ مَعَ إِثْبَاتِ الْخَطِّ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي السُّنَّةِ.
-
أَمَّا فِي الْكِتَابِ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ النَّاسِخَةُ وَالْمَنْسُوخَةُ ثَابِتَتَيْنِ فِي التِّلَاوَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمَنْسُوخَةَ لَا يُعْمَلُ بِهَا مِثْلَ: عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا كَانَتْ سَنَةً؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
-
وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ فَعَلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا الْمَنْسُوخَ كَمَا نَقَلُوا النَّاسِخَ.
-
وَأَمَّا حَدُّهُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ، وَقِيلَ: بَيَانُ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الدَّوَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
-
وَقَدْ أَطْبَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي: أَنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى
ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا بِهِ مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَهَذَا حَدٌّ صَحِيحٌ.
-
وَأَمَّا شَرَائِطُهُ فَمَدَارِكُ مَعْرِفَتِهَا مَحْصُورَةٌ.
-
(مِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ يَنْقَطِعُ الْحُكْمُ، وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ لَا نَاسِخٌ لَهُ.
-
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ أَيْضًا حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَمْ تُنْسَخْ، وَإِنَّمَا ارْتَفَعَتْ بِإِيجَابِ الْعِبَادَاتِ.
-
(وَمِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ
ج ١ ص ٧السَّابِقُ مُقَيَّدًا بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَإِنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ أَدَاءُ النَّوَافِلِ الَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا مُؤَقَّتٌ، فَلَا يَكُونُ نَهْيُهُ عَنْ هَذِهِ النَّوَافِلِ فِي الْوَقْتِ الْمُخَصَّصِ نَاسِخًا لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ يَمْنَعُ النَّسْخَ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ النَّاسِخُ مُتَرَاخِيًا عَنِ الْمَنْسُوخِ، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ الْحُكْمُ الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَا يَعْدُو أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا.
-
فَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا بِالْأَوَّلِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا، إِذْ مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ التَّرَاخِي، وَقَدْ فُقِدَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ.
-
وَإِنْ كَانَ صَدْرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ لُبْسِ الْخِفَافِ وَعَجُزُهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَنَافِيَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِانْعِدَامِ التَّرَاخِي فِيهِ، وَلَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ يُسَمَّى بَيَانًا.
-
وَإِنْ كَانَ مُنْفَصِلًا نَظَرْتَ: هَلْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالِانْفِصَالِ الزَّمَانِيِّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ فِي التَّنَافِي، وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَعَمَّ لِلْفَائِدَةِ كَانَ أَوْلَى صَوْنًا لِكَلَامِهِ عَنِ النَّقْصِ.
-
وَلِأَنَّ فِي ادِّعَاءِ النَّسْخِ إِخْرَاجَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمَعْنَى الْمُفِيدِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: شَرُّ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ.
-
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: خَيْرُ الشُّهُودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ.
-
وَهُمَا حَدِيثَانِ قَدْ تَعَارَضَا عَلَى مَا تَرَى. وَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِمَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنْ ظَاهِرِ الْمُنَافَاةِ، مَعَ حُصُولِ الِانْفِصَالِ فِيهِمَا، وَرُبَّمَا يَرَاهُ بَعْضُ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْإِسْنَادِ فَيَرَى إِسْنَادَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَمْثَلَ فَيَحْكُمُ بِنَسْخِ الثَّانِي، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ؛ لِفُقْدَانِ شَرَائِطِ النَّسْخِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ.
-
وَهَذَا التَّفْسِيرُ ظَاهِرٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ، ثُمَّ الَّذِي يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَنْشَأُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ.
-
وَيُحْمَلُ
ج ١ ص ٨الْحَدِيثُ الثَّانِي عَلَى مَا إِذَا شَهِدَ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فَهُوَ خَيْرُ الشُّهُودِ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَالَ فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ رَفْعًا لِلتَّضَادِّ عَنِ الْأَخْبَارِ.
-
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُنْفَصِلَانِ نَظَرْتَ: هَلْ يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ السَّابِقِ وَالتَّالِي؟ فَإِنْ تَمَيَّزَ أُوجِبَ الْمَصِيرُ إِلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا.
- وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِأَمَارَاتِ عِدَّةٌ:
-
مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَفْظُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَرِّحًا بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا.
-
أَوْ يَكُونَ لَفْظُ الصَّحَابِيِّ نَاطِقًا بِهِ، نَحْوُ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَعْلُومًا نَحْوَ مَا رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ أَحَدُنَا فَأَكْسَلَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لْيُصَلِّ.
-
هَذَا حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا غُسْلَ مَعَ الْإِكْسَالِ، وَأَنَّ مُوجِبَ الْغُسْلِ الْإِنْزَالُ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَقْرَأْنَا طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ أَفَادَنَا بَعْضُ الطُّرُقِ أَنَّ شَرْعِيَّةَ هَذَا كَانَ فِي مَبْدَأِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِزَمَانٍ.
-
ثُمَّ وَجَدْنَا الزُّهْرِيَّ قَدْ سَأَلَ عُرْوَةَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَلَا يَغْتَسِلُ. وَذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْغُسْلِ.
-
وَمِنْهَا: أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ فِي حُكْمِهِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَهَذِهِ مُعْظَمُ أَمَارَاتِ النَّسْخِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ زِيَادَاتٌ أُخَرُ نَحْوُ حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي، وَهُوَ كَمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ؛ فَإِنَّهُ رَوَى الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى حَدِيثِ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَأَهْرِقْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَاعْتَمَدَ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ، وَتَرَكَ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ فِي الْوُلُوغِ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ السَّبْعِ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ؛