باب في الرجل يحرم وعليه أثر الطيب
١٧ فقرة، ج ١ ص ١٤٦
- ج ١ ص ١٤٦
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ غَالِبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السَّرَّاجُ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَى
رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجِعِرَّانَةِ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَهُوَ مُصَفِّرُ لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ، وَأَنَا كَمَا تَرَى! قَالَ: اغْسِلْ عَنْكَ الصُّفْرَةَ، وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكِ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ.
-
أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَهَلَلْتُ. وَهُوَ مُتَخَلِّقٌ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ وَعِمَامَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: انْزِعْ عِمَامَتَكَ وَقَمِيصَكَ، وَاغْسِلِ الصُّفْرَةَ عَنْكَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ.
-
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ
ج ١ ص ١٤٧مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ قَرِيبًا مِنْ هَذَا اللَّفْظِ.
-
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي التَّطَيُّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ.
-
فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى الْمَنْعِ، وَرَأَوْا لِلْمُحْرِمِ تَرْكُ التَّطَيُّبِ وَغَسْلِهِ، إِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَالَةُ الْإِحْرَامِ، كَمَا يَلْزَمُهُ التَّجَرُّدُ عَنِ الْمَخِيطِ.
-
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ تَطَيَّبَ بِمَا يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
-
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ: وَرَأَوْا أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ إِحْرَامِهِ بِطِيبٍ يَبْقَى أَثَرُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ بَقَاءَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّهُ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ، وَرَأَوْهَا آخِرَ الْأَمْرَيْنِ.
-
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَرَجِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ تَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ.
-
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ.
-
وَرُوِّينَا عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
-
وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رُئِيَ مُحْرِمًا وَعَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الرَّبِّ مِنَ الْغَالِيَةِ.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ: رَأَيْتُ الزُّبَيْرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَفِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنَ الطِّيبِ مَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ لَاتَّخَذَ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ.
-
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
-
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخُسْرَوْجِرْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَعْقِلِيُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَخَالَفْنَا بَعْضَ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا فِي التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَبَعْدَ الرَّمْيِ، وَالْحِلَاقِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، فَقَالَ: لَا يَتَطَيَّبُ بِمَا تَبَقَّى رِيحُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ مُعَاوِيَةَ وَأَحْرَمَ مَعَهُ
ج ١ ص ١٤٨فَوَجَدَ مِنْهُ طِيبًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الطِّيبَ، وَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَ وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ؛ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَفْقَهُ وَأَجْمَلُ مَذْهَبًا مِمَّنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ.
-
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرُبَّمَا قَالَ: عَنْ أَبِيهِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْهُ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، قَالَ سَالِمٌ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَ، وَقَبْلَ أَنْ يَزُورَ.
وَقَالَ سَالِمٌ: وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُ مَذْهَبًا - يَعْنِي لِمَنْ خَالَفَهُ - فِي جَوَازِ التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شُبِّهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي أَنْ يَغْسِلَ لِلْمُحْرِمِ الصُّفْرَةَ عَنْهُ، وَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ - فِيمَا نَرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ - لِلصُّفْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَتَزَعْفَرَ.
وَقَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ.
ثُمَّ قَالَ: وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ غَيْرَ مُحْرِمٍ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ عَنْهُ، يَعْنِي حَدِيثَ عَمَّارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُ الْأَعْرَابِيِّ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ إِلَّا لِمَا وَصَفْتُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الطِّيبِ فِي حَالٍ يَتَطَيَّبُ فِيهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ نَهْيُهُ إِيَّاهُ لِأَنَّهَا طِيبٌ، فَإِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُ حِينَ
أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ الصُّفْرَةَ عَامَ الْجِعِرَّانَةِ - وَهِيَ سَنَةَ ثَمَانٍ - وَكَانَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، فَكَانَ تَطَيُّبُهُ لِإِحْرَامِهِ وَلِحِلِّهِ نَاسِخًا لِأَمْرِهِ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الصُّفْرَةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالَّذِي خَالَفَنَا يَرْوِي أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْ مُعَاوِيَةَ، أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَى الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ، فَقَالَ: مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: مِنْكَ لَعَمْرِي. فَقَالَ
ج ١ ص ١٤٩مُعَاوِيَةُ: أُمُّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلْتَغْسِلَنَّهُ. وَلَوْ بَلَغَ عُمَرَ مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ لَرَجَعَ إِلَى خَبَرِهَا، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْهُ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ كَمَا قَالَ سَالِمٌ.
-
وَاحْتَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ - بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَطَيَّبُ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا؛ لَأَنْ أَطَّلِيَ بِالْقَطِرَانِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا.
-
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَصَابَهُنَّ حَتَّى وَجَبَ الْغُسْلُ، بَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا مَا كَانَ يَطُوفُ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصِيبَهُنَّ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: قَلَّ يَوْمٌ - أَوْ مَا كَانَ يَوْمٌ - إِلَّا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيُقَبِّلُ وَيَلْمَسُ مَا دُونَ الْوِقَاعِ، فَإِذَا جَاءَ عَنِ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا بَيَّتَ عِنْدَهَا ثُمَّ إِنْ دَلَّ هَذَا
الْحَدِيثُ دَلَالَةً مَا عَلَى أَنَّهُ اغْتَسَلَ بَعْدَ مَا تَطَيَّبَ، أَوِ اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ، فَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الْمِسْكِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ثَلَاثٍ، تَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِهِ وَأَثَرِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ وَبِيصَ الشَّيْءِ بَرِيقُهُ وَلَمَعَانُهُ، وَلَا يَكُونُ لِرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالطِّيبِ بَرِيقٌ وَلَا لَمَعَانٌ.
-
ثُمَّ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنْ نَقُولَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا طَيَّبَتْهُ مَرَّةً ثَانِيَةً بِالْمِسْكِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَتَّى تَرَى بَرِيقَهُ وَلَمَعَانَهُ فِي مَفْرِقِهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ، أَوْ طَيَّبَتْهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ فِي مَفَارِقِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَتَّى كَانَتْ تَرَاهُ؛ لِأَنَّ الرَّائِحَةَ مَعْنًى، وَالْمَعَانِي لَا تُوصَفُ بِالرُّؤْيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ ثَابِتٌ، لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ اسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَهُوَ يُلْزِمُ مَالِكًا؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ.