الكلمات وحروفها
٦٤ فقرة، ج ١ ص ١٥٢
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ١٥٩
وقوله: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)
-
فإن النحاة يقولون إن " ما " في الآية الأولى و " أن " في الثانية، زائدتان، أي في الإعراب.
-
فيظن مَن لا بصرَ له أنهما كذلك في النظم ويقيس عليه، مع أن في هذه الزيادة لوناً من التصوير لو هو حذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته، فإن المراد بالآية الأولى، تصويرُ لين النبي - صلى الله عليه وسلم - لقومه، وإن ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المد في " ما " وصفاً لفظياً يؤكد معنى اللين ويفخمه، وفوق ذلك فإن لهجة النطق به تُشعر بانعطاف وعناية لا يُبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق،
ثم كان الفصل بين الباء الجارَّة ومجرورها (وهو لفظ رحمة) مما يلفت النفس إلى تدبر المعنى وينبه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كله طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
-
والمراد بالثانية تصويرُ الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه لبعد ما كان بين يوسفَ وأبيه عليهما السلام وأن ذلك كأنه كان منتظراً بقلق واضطراب تؤكدهما وتصف الطربَ لمقدمه واستقراره، غُنةُ هذه النونِ في الكلمة الفاصلة؛ وهي " أن " في قوله: " أن جاء " .
-
وعلى هذا يجري كل ما ظن أنه في القرآن مزيد: فإن اعتبار الزيادة فيه وإقرارَها بمعناها،
إنما هو نقص يجل القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلا رجل يعتسف الكلام ويقتضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره. . . فما في القرآن حرف واحد إلا ومعه رأفي يسنح في البلاغة، من جهة نظمه، أو
دلالته، أو وجه اختياره، بحيث يستحيل ألبتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير مُحكمة أو شيء مما تنفذ في نقده الصنعة الإنسانية من أي أبواب الكلام إن وسعها منه باب.
-
ولكنك واجد في الناس من ينقبض ذرعُه ويُقصر به علمه، ولا يدعُ مع ذلك أن يقدم على الأمر لا يعرف من أين مُطلعه ومأتاه فيُمضي القولَ على ما خيلَ؛ ويفتي بما اختال، ولا يمنعه تقصيره من أن يستطيل به ولا استطالته من أن يكابر عليها؛ ولا مكابرته من اللجاج فيها، فيخطئ صواب
القول إن قال، ثم يخطئ الثانية في تصويب خطئه إن احتج، وما في الخط! جهة ثالثة إلا أن يصر على الخطإ.
-
ومما لا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ، ثم مما يدل على أن نظم القرآن مادة فوق
ج ١ ص ١٦٠الصنعة ومن وراء الفكر وكأنها صُبَّت على الجملة صباً - أنك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلا مجموعاً ولم يستعمل منه صيغة المفرد، فإذا احتاج إلى هذه الصيغة استعمل مرادفها: كلفظة
(اللب) فإنها لم ترد إلا مجموعة، كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) .
-
وقوله:
(وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢) .
-
ونحوهما، ولم تجئ فيه مفردة، بل جاء في مكأنها (القلب) ، وذلك لأن
لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم يكن ثم فصل بين الحرفين يتهيأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة؛ تحسن اللفظة مهما
كانت حركة الإعراب فيها؛ نصباً أو رفعاً، أو جراً؛ فأسقطها من نظمه بتة، على سعة ما بين أوله وآخره، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه لفظة
(الجبّ) ، وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدة في الجيم المضمومة.
-
وكذلك لفظة (الكوب) ، استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع.
-
و (الأرجاء) لم يستعمل القرآن لفظها إلا مجموعاً وترك المفرد - وهو الرجا: أي الجانب - لعلة لفظه، وأنه لا يسوغ في نظمه كما ترى.
-
وعكس ذلك لفظة (الأرض) ؛ فإنها لم ترد فيه إلا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه، ولما احتاج إلى جمعها أخرجها على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة وذهب بها، حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة، وهي في
قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .
-
ولم يقل: وسبع أرَضِين؛ لهذه الجسأةِ التي تدخل اللفظ ويختل بها النظم اختلالاً، وأنت فتأمل - رعاك الله - ذلك الوضع البياني، واعتبر
مواقع النظم، وانظر هل تتلاحق هذه الأسباب الدقيقة أو تتيسر مادتها الفكرية لأحد من الناس فيما يتعاطاه من الصناعة، أو بتكلفة من القول، وإن استقصى فيه الذرائع، وبالغ الأسباب، وأحكم ما
قِبَله وما وراءه. .
-
ومن الألفاظ لفظة (الآجرّ) وليس فيها من خفة التركيب إلا الهمزة وسائرها نافر متقلقل لا يصلح مع هذا المد في صوت ولا تركيب على قاعدة نظم القرآن، فلما احتاج إليها لفظها ولفظ
مرادفها وهو (القرْمد) وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، ثم أخرج معناها بألطف عبارة وأرقها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف يفضِح الصبحَ، وذلك في قوله تعالى:
(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) .
-
فانظر، هل تجد في سر الفصاحة وفي روعة الإعجاز أبرع أو أبدع من هذا؛ وأي عربي فصيح يسمع مثل هذا النظم وهذا التركيب ولا يملكه حسُّه ولا يسوغه حقيقة نفسه ولا يجن به
ج ١ ص ١٦١جنوِناً ولا يقول آمنت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالقرآن معجزة؛ وتأمل كيف عئر عن الآجر بقوله:
(فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ) وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله (فَأَوْقِدْ) وما يتلوها من رقة اللام، فإنها في أثناء التلاوة مما لا يطاق أن يعبر عن حسنه، وكأنما تنتزع النفس انتزاعاً.
-
وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر؛ فإنها تحقر شأن فرعون، وتصف ضلاله، وتسفه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسبابَ أسباب السموات فيطلع إلى
إله موسى، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصَبَ الأرض سلماً، إلا شيئاً يصنعه هامان من الطين. . .!
-
وما يشذ في القرآن الكريم حرف واحد عن قاعدة نظمه المعجز؛ حتى إنك لو تدبرت الآيات التي لا تقرأ فيها إلا ما يسرده من الأسماء الجامدة، وهي بالطبع مظنة أن لا يكون فيها شيء من دلائل الإعجاز؛ فإنك ترى إعجازها أبلغ ما يكون في نظمها وجهات سردها، ومن تقديم
اسم على غيره أو تاخيره عنه، لنظم حروف ومكأنه من النطق في الجملة؛ أو لنكتة أخرى من نكت المعاني التي وردت فيها الآية بحيث يوجد شيئاً فيما ليس فيه شيء.
-
تأمل قوله تعالى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ)
-
فإنها خمسة أسماء، أخفها في اللفظ (الطوفان والجراد والدم) وأثقلها (الْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ) فقدم (الطوفان)
-
لمكان المدين فيها؛ حتى يأنس اللسان بخفتها؛ ثم الجراد وفيها كذلك مد؛ ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئاً بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لماكن تلك الغُنة فيه؛ ثم جيء بلفظة (الدم) آخراً، وهي أخف الخمسة وأقلها حروفاً؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم
بها هذا الإعجاز في التركيب.
-
وأنت فمهما قلَّبتَ هذه الأسماء الخمسة، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا في هذا الوضع؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر، ولأعنتكَ أن تجيء منها بنظم فصيح، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطَعَك دون غايتها.
-
ثم لخرجَتِ الأسماء في اضطراب النطق على ذلك بالسواء؛
-
ليس يظهر أخفها من أثقلها؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها
ليس فيه إعجاز بطبيعته.
- ج ١ ص ١٦٢
وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقصِ في أمثلته لأنه أمر مُطرد - تعرف أن
القرآن إنما أعجز في اللغة بطريقة النظم وهيئة كوضع ولن تستويَ هذه الطريقة إلا بكل ما فيه على
جهته ووضعه، فكل كلمة منه ما دامت في موضعها فهي من بعض إعجازه، ومن ههنا ينساق بنا
الكلام إلى القول في النوع الثالث.