أحرج ساعة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم
١٠ فقرات، ج ١ ص ٢٤٢
- ج ١ ص ٢٤٢
وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول صلى الله عليه وسلم في القرشيين فقط، ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص «٣» وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ج ١ ص ٢٤٣وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فقد ركزوا حملتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وطمعوا في القضاء عليه، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى، وكلمات شفته السفلى، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري، فشجه في جبهته، وجاء فارس عنيد هو عبد الله بن قمئة فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة، شكا لأجلها أكثر من شهر، إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين، ثم ضرب على وجنته صلى الله عليه وسلم ضربة أخرى عنيفة كالأولى، حتى دخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وقال: خذها وأنا ابن قمئة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له وهو يمسح الدم عن وجهه:
«أقمأك الله» «١» .
- (٣)صحيح البخاري ١/ ٥٢٧، ٢/ ٥٨١.
- (١)وقد سمع الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عائذ أن ابن قمئة «انصرف إلى أهله، فخرج إلى غنمه، فوافاها على ذروة جبل، فدخل فيها، فشد عليه تيسها فنطحه نطحة أرداه من شاهق الجبل فتقطع (فتح الباري ٧/ ٣٧٣) وعند الطبراني فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة (فتح الباري ٧/ ٣٦٦) .
-
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله عز وجل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» .
- (٢)صحيح البخاري ٢/ ٥٨٢، وصحيح مسلم ٢/ ١٠٨.
-
وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ: إشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله، ثم مكث ساعة ثم قال: اللهم إغفر لقومي فإنهم لا يعلمون «٣» . وكذا في صحيح مسلم أنه كان يقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون «٤» ، وفي الشفاء للقاضي عياض أنه قال: اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون «٥» .
- (٣)فتح الباري ٧/ ٣٧٣.
- (٤)صحيح مسلم باب غزوة أحد ٢/ ١٠٨.
- (٥)كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى ١/ ٨١.
-
ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير، حتى لم يتركا- وهما اثنان فحسب- سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم، وكان من أمهر رماة العرب، فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
-
فأما سعد بن أبي وقاص، فقد نثل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال: إرم فداك أبي
ج ١ ص ٢٤٤وأمي «١» . ويدل على مدى كفاءته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع أبويه لأحد غير سعد «٢» .
- (١)صحيح البخاري ١/ ٤٠٧، ٢/ ٥٨٠، ٥٨١.
- (٢)صحيح البخاري ١/ ٤٠٧، ٢/ ٥٨٠، ٥٨١.
-
وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تجمع المشركين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار. قال جابر: فأدرك المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من للقوم، فقال طلحة: أنا، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار، وقتلهم واحدا بعد واحد بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم، فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة، قال جابر: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حسن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون» ، قال: ثم رد الله المشركين «٣» . ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين، أو خمسا وثلاثين، وشلت إصبعه، أي السبابة والتي تليها «٤» .
- (٣)فتح الباري ٧/ ٣٦١. وسنن النسائي ٢/ ٥٢، ٥٣.
- (٤)نفس المصدر الأول ٧/ ٣٦١.
-
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقي بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد «٥» .
- (٥)صحيح البخاري ١/ ٥٢٧، ٢/ ٥٨١.
-
وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه يومئذ: «من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» «٦» .
- (٦)مشكاه المصابيح ٢/ ٥٦٦، [ط. دار الفكر] ابن هشام ٢/ ٨٦.
-
وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة «٧» .
وقال فيه أبو بكر أيضا:
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت ... لك الجنان وبوأت المها العينا «٨»
- (٧)فتح الباري ٧/ ٣٦١.
- (٨)مختصر تاريخ دمشق ٧/ ٨٢ (من هامش شرح شذور الذهب ص ١١٤) .
-
وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب، ففي الصحيحين عن سعد. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد. وفي رواية يعني جبريل وميكائيل «٩» .
- (٩)صحيح البخاري ٢/ ٥٨٠.