مقدمة
٣١ فقرة، ج ١ ص ٥
- ج ١ ص ٥
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
- الْمُقدمَة:
-
الْحَمد لله رب الْعَالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، الْحَمد لله الَّذِي أَحْيَا بِذكرِهِ قُلُوب عباده الصَّالِحين، فَقَامُوا لإحياء عُلُوم هَذَا الدّين.
-
وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد سيد الْأَوَّلين والآخرين وصفوة الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وقائد الغر المحجلين وعَلى آله السَّادة الأكرمين وَأَصْحَابه الغر الميامين وَمن اتبعهم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين أما بعد:
إِن أهم مَا يُمَيّز هَذَا الْعَصْر عَمَّا تقدمه من عصور هُوَ التَّفَاوُت أبنائه إِلَى تراث الْآبَاء والأجداد وَالسَّعْي الحثيث إِلَى بَعثه وحقيقه؛ لما فِيهِ من ذخائر وكنوز قل نظيرها عِنْد غَيرنَا من الْأُمَم الْأُخْرَى، مدفوعين إِلَى ذَلِك بدافع ديني، وَهُوَ الْحفاظ على عُلُوم هَذَا الدّين.
-
فحري بمثقفي هَذِه الْأمة والمتخصصين من أبنائها أَن يحافظوا على تراث الْآبَاء والأجداد، وَأَن يسعوا جاهدين لتجديده وإحيائه ودراسته وفهمه وَشَرحه، وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ بِمَا يتوصلون إِلَيْهِ نم معارف وعلوم وفنون؛ لِأَن الْعُلُوم حلقات مُتَّصِلَة عبر مسيرَة الْحَيَاة، وَهَكَذَا يتم التواصل بَين الأجداد والأحفاد.
-
وَمِمَّا لَا شكّ فِيهِ أَن ظُهُور الرسَالَة المحمدية يعْتَبر أعظم حَادث فِي تَارِيخ الْعَرَب خَاصَّة والبشرية عَامَّة، وَلم يدون فِي تَارِيخ الْعَرَب أَو السِّيرَة شَيْء إِلَى أَن مَضَت أَيَّام الْخُلَفَاء، بل لم يدون فِي هَذِه الْمدَّة غير الْقُرْآن الْكَرِيم ومبادئ النَّحْو، فقد رَأينَا
ج ١ ص ٦الْمُسلمين يحفزهم حرصهم على حفظ الْقُرْآن إِلَى كِتَابَته فِي حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.
-
وَلما كَانَت أَيَّام الْخَلِيفَة - رَضِي الله عَنهُ - أحب أَن يدون فِي التَّارِيخ كتاب، فاستقدم عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء فَكتب لَهُ كتاب "الْمُلُوك وأخبار الماضين" ، وَبعد ذَلِك أَخذ أَكثر من وَاحِد من الْعلمَاء يتجهون إِلَى علم التَّارِيخ من ناحيته الْخَاصَّة لَا الْعَامَّة، وَهِي سيرة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ولعلهم وجدوا فِي تدوين مَا يتَعَلَّق بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام شَيْئا يُحَقّق مَا فِي أنفسهم من تعلق بِهِ، وَحب لتخليد آثاره، بعد أَن منعُوا من تدوين أَحَادِيثه إِلَى أَيَّام الْخَلِيفَة الرَّاشِدِي الْخَامِس عمر بن عبد الْعَزِيز ١ - رَضِي الله عَنهُ - خافة أَن يخْتَلط الحَدِيث بِالْقُرْآنِ، فجَاء أَكثر من رجل كلهم مُحدث، فدونوا فِي السِّيرَة كتبا. نذْكر مِنْهُم: عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام الْفَقِيه الْمُحدث الَّذِي مكنه نسبه من قبل أَبِيه الزبير، وَأمه أَسمَاء بنت أبي بكر أَن يروي الْكثير من الْأَخْبَار وَالْأَحَادِيث عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وحياة صدر الْإِسْلَام.
-
وحسبك أَن تعلم أَن ابْن إِسْحَاق والواقدي والطبري، أَكْثرُوا من الْأَخْذ عَن عُرْوَة - رَضِي الله عَنهُ- وَلَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَة وَالْمَدينَة، وغزوة بدر إِلَى غير ذَلِك. وَلِهَذَا كَانَ ابْن إِسْحَاق من أَوَائِل من كتب كتابا فِي السِّيرَة، وَلذَلِك اعْتَبرهُ الْعلمَاء شيخ رجال السِّيرَة.
-
أضف إِلَى ذَلِك أَن سيرة ابْن إِسْحَاق ت: ١٥١هـ كَانَت مقسمة إِلَى ثَلَاثَة أَجزَاء:
- الْمُبْتَدَأ، ويتناول التَّارِيخ الجاهلي.
-
- المبعث، ويتناول حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة وَالْهجْرَة.
- ج ١ ص ٧
- الْمَغَازِي، وتشمل حَيَاة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَدِينَة المنورة.
-
ثمَّ قيض الله لهَذَا المجهود - مجهود ابْن إِسْحَاق - رجلا لَهُ شَأْنه، هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام ت: ٢١٣هـ الْمعَافِرِي، فَجمع هَذِه السِّيرَة ودونها، وَكَانَ لَهُ فِيهَا قلم لم يَنْقَطِع عَن تعقب ابْن إِسْحَاق فِي الْكثير مِمَّا أوردهُ بالتحرير والاختصار والنقد، أَو بِذكر رِوَايَة أُخْرَى فَاتَ ابْن إِسْحَاق ذكرهَا، هَذَا إِلَى تَكْمِلَة أضافهان وأخبار أَتَى بهَا.
-
ثمَّ جَاءَ من بعدهمْ أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن السُّهيْلي المتوفي سنة ٥١٨هـ فعني بِهَذَا الْكتاب وتناوله على نَحْو جَدِيد ونهج آخر، وَهُوَ بِمَنْزِلَة الشَّرْح وَالتَّعْلِيق عَلَيْهِ، فَوضع كِتَابه "الرَّوْض الْأنف" - وَهُوَ الْكتاب الَّذِي بَين أَيْدِينَا- فِي ظلّ مجهودي ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام، يتعقبهما فِيمَا أخبرا بالتحرير والضبط، ثمَّ الشَّرْح وَالزِّيَادَة، فجَاء عمله هَذَا كتابا آخر فِي السِّيرَة بحجمه وَكَثْرَة مَا حواه من آراء، تشهد لصَاحِبهَا بطول الباع، وَكَثْرَة الِاطِّلَاع.
-
وَمِمَّا نَقله صَاحب "كشف الظنون" ١ فِي معرض حَدِيثه عَن كتاب "الرَّوْض الْأنف" قولا للْإِمَام السُّهيْلي يشْرَح فِيهِ تأليفه لهَذَا الْكتاب حَيْثُ يَقُول: " ... فَإِنِّي اتنحيت فِي هَذَا الْإِمْلَاء بعد الاستخارة إِلَى إِيضَاح مَا وَقع فِي سيرة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي سبق إِلَى تأليفها أَبُو بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق المطلبي، ولخصها عبد الْملك بن هِشَام الْمعَافِرِي النسابة مَا بَلغنِي علمه وَيسر لي فهمه من لفظ غَرِيب أَو إِعْرَاب غامض أَو كَلَام مستغلق أَو نسب عويص.
-
وَكَانَ بَدْء إملائي هَذَا الْكتاب فِي محرم سنة / ٥٦٩/ هـ تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَكَانَ الْفَرَاغ مِنْهُ فِي جُمَادَى الأولى من ذَلِك الْعَام تحصل فِيهِ من فَوَائِد الْعُلُوم والآداب وَأَسْمَاء الرِّجَال والأنساب وَمن الْفِقْه الْبَاطِن اللّبَاب وتعليل النَّحْو وصنعة الْإِعْرَاب مَا هُوَ مستخرج من نَيف على مائَة وَعشْرين ديواناً أَو نَحْوهَا". اهـ.
- ج ١ ص ٨
هَذَا وَقد حظي كتاب "الرَّوْض الْأنف" اهتماما من قبل الْعلمَاء اللاحقين، فَاخْتَصَرَهُ عز الدّين بن أبي، الْمَعْرُوف بِابْن الْجَمَاعَة الْمُتَوفَّى / ٨١٩/ تسع عشة وَثَمَانمِائَة لِلْهِجْرَةِ وَسَماهُ "نور الرَّوْض" وَعَلِيهِ حَاشِيَة لقَاضِي الْقُضَاة يحيى الْمَنَاوِيّ الْمُتَوفَّى سنة/ ٨٧١/ هـ إِحْدَى وَسبعين وَثَمَانمِائَة. ثمَّ جرد سبطه زين العابدين بن عبد الرؤوف هَذِه الْحَاشِيَة.
-
وَقد انْتفع بمادة هَذَا الْكتاب كثير مِمَّن جاؤوا بعده، وَلَا سِيمَا ابْن الْقيم فِي كِتَابه "بَدَائِع الْفَوَائِد" .
-
وَمن الجدير بِالذكر أَن الإِمَام السُّهيْلي تألق وَعلا شَأْنه بَين الْعلمَاء من خلال هَذَا الْكتاب، لأَنهم وجدوا من خلاله أَن الإِمَام السُّهيْلي بذلك جهداً بارعاً صادعاً بِأَن الرجل كَانَ إِمَامًا فِي فنون عصره بِنَصِيب وفير، وَقد لاءم بَين فنون مَعْرفَته حَتَّى جعل مِنْهَا وحدة يصدر عَنْهَا فِي كل مَا يكْتب.
-
وَمِمَّا يزيدنا إعجاباً بِهَذَا الإِمَام أَنه فقد بَصَره، علما أَن الْكتب كَانَت فِي زَمَانه خطوطة، فَمَتَى طالع كل هَذَا؟ وَكَيف طالعه؟ وتراثه يشْهد لَهُ بِأَنَّهُ استوعب كل مَا قرأن، وبدت سَعَة اطِّلَاعه ونفاذ بصيرته وَقُوَّة تفكيره فِي أَكثر مَا كتب.
-
وَمِمَّا يجعلنا أَيْضا شديدي الاحترام لهَذَا الرجل مُلَاحظَة تِلْكَ الْحَقِيقَة الَّتِي تطالعنا فِي كِتَابه هَذَانِ إِنَّهَا الْأَمَانَة الصادقة فِي النَّقْل، وَفِي نِسْبَة كل شَيْء إِلَى قَائِله، فَلم يَأْتِ بِزِيَادَة مفتراه، أَو يقترف فِي نَقله نقصا قد يُغير نم مَفْهُوم القولن وَلِهَذَا نرَاهُ ينْقل مَا يتَّفق مَعَ الْحق، وَمَا يُقَارِبه فِي بعض أحيانه.
-
وَكفى بِالْمَرْءِ شرفاً أَن يعتني بقلمه وفكره وروحه بسيرة أشرف الْبشر سيدنَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ويحيطها بالرعاية والاهتمام.
-
وَلِهَذَا كُله فقد رَأَتْ دَار إحْيَاء التراث الْعَرَبِيّ فِي بيروت أَن تعيد طبع كتاب:
ج ١ ص ٩"الرَّوْض الْأنف" شرح سيرة ابْن هِشَام ١ طباعة حَدِيثَة وترتيب جَدِيد، فأوكلوا لنا الْعَمَل فِي هَذَا الْكتاب ضمن خطة مقررة تتناسب وظروف الدَّار، وَهَذَا شَأْن العديد من الْكتب فِي كثير من دور النشر كَمَا هُوَ مَعْرُوف.
-
وَقد وَضعنَا سيرة ابْن هِشَام فِي أَعلَى الصفحات، يَليهَا شرح الإِمَام السهيلين ثمَّ يَلِيهِ التعليقات والهوامش فِي الْأَسْفَل.
-
وَكَانَت خطة الْعَمَل فِي الْكتاب كَمَا يَلِي:
١- تَصْحِيح تجارب الشَّارِح، وَحل وتوضيح العديد من أَلْفَاظه الغامضة وكلماته المصحفة.
-
٢- تَخْرِيج الْآيَات القرآنية، والعديد من الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة بعد ضَبطهَا من مصادرها الأساسية.
-
٣- وضع تعليقات وهوامش ضَرُورِيَّة للْكتاب، حَسْبَمَا تَقْتَضِيه الْحَاجة، وللأمانة هُنَا، فقد اتنفعنا كثيرا من تعليقات الْأُسْتَاذ عبد الرَّحْمَن الْوَكِيل، فجزاه الله عَنَّا وَعَن الْمُسلمين كل خير.
-
٤- ضبط الْكثير من الْأَعْلَام والكلمات الغريبة والأشعار بالشكل للإيضاح.
-
٥- وَضعنَا محتوى مُوَافق للشرح فِي نِهَايَة كل جُزْء، أضف إِلَى ذَلِك أننا جعلنَا التراويس مُوَافقَة للشرح أَيْضا فِي كل الْأَجْزَاء.
-
هَذَا، وَزِيَادَة فِي الْفَائِدَة فقد وَضعنَا تراجم موجزة فِي أول الْكتاب للأئمة الثَّلَاثَة:
ابْن إِسْحَاق صَاحب السِّيرَة، وَابْن هِشَام ملخصها، والسهيلي شارحها.
- ج ١ ص ١٠
وَبعد، فَهَذَا مَا فِي وسعنا تَقْدِيمه لخدمة هَذَا الْكتاب بِمَا يسر الله بِهِ وأعان. سائلين الْمولى تَعَالَى أَن يتَقَبَّل منا هَذَا الْعَمَل خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، وَأَن يَجعله ذخْرا لنا ولآبائنا وَأُمَّهَاتنَا أجمعينن وَأَن ينفع بِهِ عباده فِي كل حِين، وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.
-
بيروت فِي محرم ١٤٢١/ نيسان ٢٠٠٠م وَكتبه
الشَّيْخ عمر عبد السَّلَام السلَامِي